العلماء والاستعمار.. حينما استخدم الغرب العلم لتبرير التحكم بالشعوب - كريم طرابلسي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

يتباهى الغرب بتقدمه العلمي ويعزيه إلى عبقرية علمائه ولكن مسيرة العلم الحديث في الحقيقة لا يمكن فصلها عن تاريخ الغرب الاستعماري الذي كان العلم جزءا أساسيا في تمكينه وتوطيده، مساهما بذلك في تعميق النظرة العنصرية ضد الشعوب المستعمرة.
كان "السير رونالد روس" قد عاد للتو من رحلة استكشافية إلى سيراليون حيث قاد الطبيب البريطاني الجهود لمكافحة مرض الملاريا الذي قتل العديد من المستعمرين الإنجليز في البلاد. في ديسمبر/ كانون الأول عام ألف وثمانمئة وتسعة وتسعين 1899 ألقى روس محاضرة في غرفة تجارة ليفربول حول تجربته، حيث أعلن بأن "نجاح الإمبريالية في القرن القادم سوف يعتمد إلى حد كبير على النجاح الذي سنحرزه من وراء المجهر" (أي البحث العلمي).

"السير روس"، الذي فاز لاحقا بجائزة نوبل للطب بفضل أبحاثه عن الملاريا، أنكر لاحقا أنه كان يتحدث تحديدا عن دور عمله. لكن هذه المقولة أوجزت بدقة كيف أن جهود العلماء البريطانيين كانت لا يمكن فصلها عن محاولات حكومتهم غزو وإخضاع العالم.
لقد كان "السير روس" ابنا بارا للإمبراطورية البريطانية، فلقد ولد في الهند وعمل في وقت لاحق هناك جراحا في الجيش البريطاني. لذلك عندما استخدم مجهرا لدراسة كيف يتنقل أحد الأمراض الاستوائية، كان من بين دوافعه اكتشاف ما قد يساعد في حماية الجنود والمسؤولين البريطانيين في المناطق الاستوائية من المرض لأن هذا بدوره سوف يمكن بريطانيا من توسيع وتعزيز حكمها الاستعماري.

تلمح كلمات روس أيضا إلى الكيفية التي تم بها استخدام العلم للدفاع عن الإمبريالية باعتبارها مبررة من الناحية الأخلاقية لأنها بحسب هذا الزعم تعكس حسن النية البريطانية تجاه الشعوب المستعمرة من خلال مشاركة الاكتشافات العلمية لتعزيز الصحة والنظافة العامة والمرافق الصحية لدى الرعايا المستعمرين. أي أنه كان ينظر إلى الإمبراطورية على أنها شبه مشروع خيري! وكما ادعى زميل روس ، الحائز أيضا على جائزة نوبل ، روديارد كيبلينغ ، كان "عبء الرجل الأبيض" هو جلب الحداثة والحضارة في المستعمرات!
لكن العلم في تلك الحقبة كان أكثر من مجرد أداة عملية أو إيديولوجية للإمبراطورية. فمنذ نشأته في نفس الوقت الذي بدأ فيه الأوروبيون غزو أجزاء أخرى من العالم، كان العلم الغربي الحديث متشابكا بشكل لا فكاك منه مع الاستعمار، وخاصة الإمبريالية البريطانية. في الحقيقة، ما زال تراث ذلك الاستعمار يهيمن على العلم حتى يومنا هذا.
ونتيجة لذلك ، شهدت السنوات الأخيرة عددا متزايدا من الدعوات إلى "إزالة الاستعمار عن العلم" ، ووصلت إلى حد الدعوة إلى إلغاء الممارسة والنتائج التي توصل إليها العلم الحديث تماما. هناك حاجة ماسة للتصدي لتأثير الاستعمار في العلم. ولكن هناك خطر أيضا بأن تؤدي المحاولات الأكثر راديكالية في هذا السياق إلى تقوية حجج الأصوليين الدينيين والقوميين المتطرفين. إذن يجب أن نجد طريقة لإزالة التفاوتات التي يروج لها منهاج العلم الحديث لضمان أن تقوم فوائده بالصب في مصلحة جميع الشعوب، بدلا من أن تجعله أداة للقمع.
عندما تم العثور على أحد العبيد في مزرعة جامايكية في بدايات القرن الثامن عشر في حوزته ما بدا أنه نبتة سامة، لم يعامله أسياده الأوروبيون بأي رحمة بعد أن اشتبهوا في أنه كان يخطط لإحداث الفوضى في المزرعة، فتمت معاقبته بوحشية وشنق حتى الموت. السجلات التاريخية لا تذكر حتى اسمه. كان إعدامه يذهب إلى غياهب النسيان لولا التحقيق العلمي الذي تبع تلك الحادثة. فالأوروبيون في المزرعة شعروا بالفضول حيال النبتة، واستنادا إلى "الاكتشاف " الذي توصل إليه ذلك العبد، استنتجوا في النهاية أن النبتة (apocynum erectum) لم تكن سامة على الإطلاق. بل إنها لاحقا أصبحت علاجا للديدان، والثآليل، والقوباء الحلقية، والنمش والتورمات الباردة. يقول المؤرخ براتيك شاكرابارتي في كتاب صدر مؤخرا، إن هذا الحادث يعد مثالا رائعا على كيف يمكن، في ظل الهيمنة السياسية والتجارية الأوروبية، جمع المعرفة المفيدة حول الطبيعة بالتزامن مع النهب والاستغلال.
بالنسبة للإمبرياليين والمدافعين المعاصرين عنهم، كان العلم والطب من بين "مكارم" الإمبراطوريات الأوروبية إلى العالم المستعمر. بل إن المنظرين الإمبرياليين في القرن التاسع عشر رأوا النجاحات العلمية للغرب كبرهان على أن غير الأوروبيين كانوا أدنى منزلة من الناحية الفكرية ولذلك استحقوا الغزو والاحتلال.
في مذكرة شهيرة من عام ألف وثمانمئة وخمسة وثلاثين 1835 بعنوان: "محضر حول التعليم الهندي"، قام السياسي البريطاني توماس ماكاولي بانتقاد اللغات الهندية جزئيا بسبب افتقارها إلى المصطلحات العلمية وادعى أن لغات مثل اللغتين السنسكريتية والعربية هي لغات "قاحلة وخالية من المعرفة المفيدة"، و"مليئة بالخرافات الوحشية" وتنطوي على "تاريخ مضلل، وعلم فلك خاطئ، وطب زائف".
لم تكن هذه الآراء محصورة بالمسؤولين الاستعماريين والمنظرين الإمبرياليين، بل غالبا ما كان أيضا يؤمن بها العديد من ممثلي المهنة العلمية نفسها. مثلا، حاجج العالم الفيكتوري البارز السير فرانسيس غالتون بأن "المعدل الفكري المتوسطي لدى العرق الأسود هو درجتان أدنى من مستوانا (أي العرق الأنجلو-ساكسوني)". حتى تشارلز داروين ادعى أن "الأجناس المتوحشة" مثل "الزنجي أو الأسترالي" كانت أقرب إلى الغوريلا من البيض. ومع ذلك، فإن العلم البريطاني في القرن التاسع عشر كان مبنيا على ذخيرة عالمية من الحكمة والمعلومات والعينات الحية والمادية التي تم جمعها من مختلف أركان العالم المستعمر حيث جرى استخراج المواد الخام من المناجم والمزارع الاستعمارية جنبا إلى جنب مع استخراج المعلومات العلمية والعينات من الرعايا المستعمرين.
وكانت المؤسسات العلمية العامة الرائدة في بريطانيا الإمبراطورية، مثل الحدائق النباتية الملكية في كيو والمتحف البريطاني، وكذلك العروض الإثنوغرافية للإنسان "الغريب"، تعتمد كلها على شبكة عالمية من جامعي العينات والوسطاء في المستعمرات. بحلول عام ألف وثمانمئة وسبعة وخمسين 1857، تباهى متحف لندن للحيوان التابع لشركة الهند الشرقية بمجموعتها من عينات الحشرات من جميع أنحاء العالم المستعمر، بما في ذلك من سيلان والهند وجاوة ونيبال.
تم تأسيس المتحف البريطاني ومتحف التاريخ الطبيعي في لندن باستخدام المجموعة الشخصية للطبيب والباحث الطبيعي السير هانز سلون. لجمع هذه الآلاف من العينات، عمل سلوان بشكل وثيق مع شركات الهند الشرقية وبحر الجنوب وشركة أفريقيا الملكية، التي ساهمت جميعها بشكل جوهري في تأسيس الإمبراطورية البريطانية. ولم يكن العلماء الذين جمعوا هذه الذخائر عباقرة مستقلين يعملون في مختبرات معزولة عن السياسة والاقتصاد الإمبرياليين. فالعلماء من أمثال تشارلز داروين على السفينة "بيغل" وعالم النبات السير جوزيف بانكس على سفينة "إنديفور" ركبا حرفيا على متن سفن الرحلات الاستكشافية البريطانية ورحلات الغزو التي بنت الامبراطورية.
أي أنه كانت العديد من المسيرات العلمية مدفوعة مباشرة بالإنجازات والاحتياجات الإمبريالية. مثلا استند العمل الأنثروبولوجي المبكر في الهند البريطانية، مثل "كتاب قبائل وطبقات البنغال" للسير هربرت هوب ريسلي من عام ألف وثمانمئة وواحد وتسعين 1891، إلى التصنيفات الإدارية الضخمة للسكان الرازحين تحت نير الاستعمار.

أما عمليات صنع الخرائط بما في ذلك "المسح المثلثي العظيم" في جنوب آسيا، فلقد انبثقت من الحاجة إلى التنقل عبر التضاريس الطبيعية للأراضي المستعمرة من أجل الأغراض التجارية والعسكرية على حد سواء. وارتبطت الاستطلاعات الجيولوجية التي أجراها السير رودريك مورشيسون حول العالم بجمع المعلومات الاستخبارية عن الثروات المعدنية والسياسة المحلية.
كما أدت الجهود المبذولة للحد من الأمراض الوبائية مثل الطاعون والجدري والكوليرا إلى محاولات لضبط نمط الحياة والحميات الغذائية وحركات الرعايا المستعمرين. وقد فتح هذا عملية سياسية وصفها المؤرخ أرنولد ديفيد أرنولد بـ "استعمار الجسد" أي أنه من خلال السيطرة على الناس وكذلك الدول، حولت السلطات الطب إلى سلاح من أجل تأمين الحكم الإمبراطوري.
كما تم استخدام تقنيات جديدة لتوسيع وتوطيد الإمبراطورية. فاستخدمت الصور الفوتوغرافية للترويج للصور النمطية الجسدية والعنصرية عن المجموعات المختلفة من الشعوب المستعمرة. ولعبت القوارب البخارية دورا حاسما في الاستكشاف الاستعماري لأفريقيا في منتصف القرن التاسع عشر ثم مكنت الطائرات البريطانيين من إجراء عمليات المسح الجغرافي ومن ثم قصف الثوار في عراق القرن العشرين. أما ابتكار الراديو اللاسلكي في تسعينيات القرن التاسع عشر فأتى من خلال حاجة بريطانيا إلى إجراء اتصالات سرية بعيدة المدى خلال حرب جنوب إفريقيا.
بهذه الطرق وغيرها، كانت قفزات أوروبا في مجال العلوم والتكنولوجيا خلال هذه الفترة مدفوعة من قبل هيمنتها السياسية والاقتصادية على بقية العالم. أي أن العلوم الحديثة تم تطويرها من خلال نظام كان قد استغل الملايين من البشر، وفي الوقت نفسه، ساعدت هذه العلوم في تبرير هذا الاستغلال والمحافظة عليه، بطرق أثرت بشكل كبير في الطريقة التي يرى بها الأوروبيون الأعراق والأمم الأخرى.
في الحقيقة، إن الموروثات الاستعمارية هذه تواصل التأثير في الاتجاهات العلمية اليوم. فمنذ النهاية الرسمية للاستعمار، تحسنت قدرتنا على الإقرار بأن الخبرة العلمية تأتي من العديد من البلدان والعرقيات المختلفة. ومع ذلك، فإن الدول الإمبراطورية السابقة لا تزال متفوقة بشكل واضح على معظم البلدان التي كانت مستعمرة في الماضي عندما يتعلق الأمر بالتقدم العلمي. قد تكون الإمبراطوريات قد اختفت رسميا ، لكن التحيزات الثقافية والاختلالات التي تسببت بها ما زالت موجودة وبقوة.
عليك فقط أن تنظر إلى الإحصائيات الخاصة بالأبحاث على مستوى العالم لمعرفة كيف يستمر التسلسل الهرمي العلمي الذي فرضه الاستعمار في الوجود. مثلا يتم نشر التصنيفات السنوية للجامعات في الغالب من قبل العالم الغربي وهي دائما تميل لصالح مؤسساته كما تهيمن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على المجلات الأكاديمية عبر فروع العلوم المختلفة.
إن أي شخص يرغب في أن يؤخذ على محمل الجد اليوم لن يفسر هذه البيانات من خلال عدسة التفوق الفكري الفطري بحسب العرق. لقد تلاشت العنصرية العلمية الصريحة التي كانت موجودة في القرن التاسع عشر وتم استبدالها بالفكرة القائلة بأن التميز في العلوم والتكنولوجيا هو نتيجة تفوق التمويل والهياكل الأساسية والتنمية الاقتصادية في الغرب. ولهذا السبب ، ينظر إلى معظم بلدان آسيا وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي إما على أنها في طور اللحاق بركب العالم المتقدم أو أنها تعتمد تماما على خبرته العلمية ومساعدته المالية. لكن بعض الأكاديميين يرى هذه الاتجاهات دليلا على استمرار "الهيمنة الفكرية للغرب" ويصفونها بأنها شكل من أشكال "الاستعمار الجديد".
فالتعاون الدولي ليس دائما متساو ولقد كافحت جهود متنوعة حسنة النية لسد هذه الفجوة لتجاوز التركة الاستعمارية في هذا المجال. على الرغم من أن التعاون العلمي بين البلدان قد يكون وسيلة ناجعة لتبادل المهارات والمعرفة، والتعلم من الرؤى الفكرية لبعضها البعض، ولكن عندما يتعاون بلد أضعف اقتصاديا من العالم بشكل حصري مع شركاء علميين أقوى منه، يمكن أن يتخذ هذا التعاون شكل الاعتماد السلبي، إن لم يكن التبعية.
أظهرت دراسة أجريت في عام ألفين وتسعة 2009 أن نحو ثمانين في المئة 80٪ من أوراق البحث العلمي من أفريقيا الوسطى تم انجازها مع متعاونين يعملون خارج المنطقة. وباستثناء رواندا، تعاون كل بلد من هذه البلدان الأفريقية بشكل أساسي مع مستعمره السابق. ونتيجة لذلك، كان بإمكان هؤلاء المتعاونين المهيمنين التأثير في صياغة العمل العلمي في المنطقة كما يريدون فأعطوا الأولوية للبحوث حول القضايا الصحية المحلية المباشرة، لا سيما الأمراض المعدية والمدارية ، بدلا من تشجيع العلماء المحليين على متابعة المجموعة الكاملة من الموضوعات كما هو متاح في الغرب. في حالة الكاميرون، كان جمع البيانات والعمل الميداني الدور الأكثر شيوعا للعلماء المحليين ، بينما كان المتعاونون الأجانب يقومون بمعظم المهمات التحليلية.
ويذكر هذا بنتائج دراسة أجريت عام ألفين وثلاثة2003 عن التعاون الدولي في ثمان وأربعين 48 دولة نامية على الأقل، والتي أظهرت أن العلماء المحليين في كثير من الأحيان يقومون "بعمل ميداني في بلادهم نيابة عن الباحثين الأجانب". في الدراسة نفسها، لم يعترف ستون في المئة 60٪ إلى سبعين في المئة 70٪ من العلماء من البلدان المتقدمة بالعلماء المتعاونين معهم من البلدان الأكثر فقرا على أنهم مؤلفين مشاركين في أوراقهم البحثية رغم أنهم ادعوا في وقت لاحق في الاستطلاع أن أبحاثهم كانت نتيجة للتعاون الوثيق معهم!
وقد واجهت الجمعيات الخيرية الصحية الدولية، التي تهيمن عليها الدول الغربية، مشاكل مماثلة. بعد النهاية الرسمية للحكم الاستعماري، بدا لوهلة أن العاملين الصحيين العالميين كانوا يمثلون ثقافة علمية متفوقة في بيئة غريبة فلم يكن من المستغرب أن تكون التفاعلات بين هؤلاء الموظفين الأجانب "المهرة والمتفانين" والسكان المحليين تتميز بعدم الثقة بين الطرفين. على سبيل المثال، خلال حملات استئصال الجدري في السبعينيات وحملة شلل الأطفال في العقدين الماضيين ، وجد ممثلو منظمة الصحة العالمية صعوبة كبيرة في إقناع الناس بالمشاركة والتطوع في المناطق الداخلية في جنوب آسيا. وفي بعض الأحيان، قوبلوا برفض التلقيح على أسس دينية من قبل السكان المحليين. لكن ردودهم الصارمة ، والتي شملت المراقبة الدقيقة للقرى، والحوافز النقدية للإبلاغ عن الحالات المرضية المختبئة وعمليات التفتيش من منزل إلى منزل ، أضافت إلى هذا المناخ من الشك المتبادل. هذه التجارب تذكرنا بتلك التي مارستها السياسات الاستعمارية الصارمة في سياق مكافحة الطاعون.
تلعب شركات الأدوية الغربية دورا أيضا من خلال إجراء تجارب سريرية مشبوهة في العالم النامي ، حيث تقول الصحفية سونيا شاه في هذا السياق: "إن الإشراف الأخلاقي هو عند الحد الأدنى وعدد المرضى اليائسين كبير". وهذا يثير تساؤلات أخلاقية حول ما إذا كانت الشركات متعددة الجنسيات تستغل الضعف الاقتصادي في البلدان التي كانت مستعمرة في السابق لدفع الأبحاث العلمية والطبية قدما.
حتى أن الصورة الاستعمارية للعلوم كمجال للرجل الأبيض تستمر في تشكيل الممارسة العلمية المعاصرة في البلدان المتقدمة. فالناس من الأقليات العرقية ممثلة تمثيلا ناقصا في وظائف العلوم والهندسة فيها، وهم يواجهون التمييز والعوائق الأخرى أمام التقدم الوظيفي.
لكي نتخطى هذه التركة الاستعمارية ، يجب أن يكون التعاون العلمي أكثر تناسقا وأن يقوم على درجات أعلى من الاحترام المتبادل. نحن بحاجة إلى إنهاء الاستعمار في مجال العلوم من خلال الاعتراف بالإنجازات الحقيقية وإمكانات العلماء من خارج العالم الغربي. لكن مع أن هذا التغيير الهيكلي ضروري، فإن الطريق إلى إنهاء الاستعمار ينطوي على مخاطر خاصة به.
في أكتوبر عام ألفين وستة عشر 2016، انتشر فيديو على موقع يوتيوب يظهر فيه طلاب يناقشون إنهاء الاستعمار في مجال العلوم. يظهر المقطع، الذي تمت مشاهدته أكثر من مليون مرة، طالبا من جامعة كيب تاون (جنوب أفريقيا) يجادل بأن العلم ككل يجب أن يلغى وأن يبدأ من جديد بطريقة تتلاءم مع وجهات النظر والخبرات غير الغربية. أثارت حجة هذا الطالب في أن العلم لا يمكنه تفسير ظاهرة مثل السحر الأسود الكثير من السخرية والازدراء، لكن عليك فقط أن تنظر إلى التعليقات العنصرية والجاهلة المتروكة أسفل الفيديو لفهم لماذا يحتاج الموضوع إلى مناقشة أعمق.
بوحي من حملة "يجب لرودس أن يسقط" مؤخرا ضد الإرث الجامعي للإمبريالي سيسيل رودس، ارتبطت حملة طلاب كيب تاون بعبارة "يجب للعلم أن يسقط " لكن على الرغم من أن هذا الشعار مثير بعض الشيء، إلا أنه ليس مفيدا في وقت تهدد فيه سياسات الحكومات في مجموعة من الدول، بما فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند ، بفرض قيود كبيرة على تمويل الأبحاث العلمية.
والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه العبارة قد يتم استخدامها أيضا من قبل الأصوليين الدينيين والسياسيين الخبيثين في حججهم ضد النظريات العلمية الراسخة مثل تغير المناخ. نحن في وقت أصبحت فيه نزاهة الخبراء موضع تشكيك والعلم هدفا للمناورات السياسية. لذا فإن رفض العلم من أساسه يقوي حجة أولئك الذين ليس لديهم مصلحة في إنهاء الاستعمار.
فبغض النظر عن تاريخه المرتبط بالإمبريالية ، ألهم العلم العديد من الناس في العالم الاستعماري السابق لإظهار شجاعة رائعة، والانخراط في التفكير النقدي والوقوف في وجه المعتقدات الراسخة الخاطئة والتقاليد المحافظة. ومن بين هؤلاء الناشط الهندي الشهير روهث فيمولا الناشط المناهض لنظام الطبقات الهندوسي والكاتبان الذان تم اغتيالهم ناريندرا دابهولكار وأفيجيت روي. إن المطالبة بـ "سقوط العلم" هو خيانة لهذا الإرث.
إن الدعوة إلى إنهاء استعمار العلوم، كما في حالة التخصصات الأخرى مثل الأدب، يمكن أن تشجعنا على إعادة التفكير في الصورة المهيمنة بأن المعرفة العلمية هي من انجازات الرجل الأبيض. لكن هذا النقد الذي نحتاجه بشدة للمشهد العلمي يحمل في طياته خطرا يتمثل في إلهام روايات وطنية تحريفية في البلدان التي خرجت من الاستعمار.
على سبيل المثال ، يشدد بعض القوميين الهنود ، بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي للبلاد ناريندرا مودي، على الأمجاد العلمية للحضارة الهندوسية القديمة فيدعون مثلا أن الجراحة التجميلية والعلوم الوراثية والطائرات وتكنولوجيا الخلايا الجذعية كانت كلها موجودة في الهند منذ آلاف السنين! هذه الادعاءات لا تشكل مشكلة فقط لأنها غير دقيقة، بل لأن إساءة استخدام العلم لإذكاء الشعور الوطني يمكنه بسهولة أن يغذي الشوفينية العنيفة. كما تم رفض أشكال مختلفة من العلوم الحديثة وفوائدها المحتملة باعتبارها غير وطنية في بعض الأحيان. ففي عام ألفين وستة عشر 2016، ذهب أحد كبار المسؤولين في الحكومة الهندية إلى حد الادعاء بأن "الأطباء الذين يصفون الأدوية غير الأيروفيدية (التقليدية) مشكوك في وطنيتهم".
تحتاج محاولات إنهاء الاستعمار العلمي إلى الاعتراض على الادعاءات الشوفينية حول التفوق الثقافي، سواء جاءت من منظرين إمبرياليين أوروبيين أو من الممثلين الحاليين لحكومات البلدان المستعمرة سابقا. قد تكون في هذا السياق الاتجاهات الجديدة في تاريخ العلم ذات فائدة جمة. على سبيل المثال، بدلا من الفهم الضيق للعلم على أنه مجموعة من إنجازات عباقرة بمفردهم، يمكننا الإصرار على نموذج أكثر شمولية يعترف بأن شبكات مختلفة من الناس تعمل في كثير من الأحيان في مشاريع علمية وتتعاون من خلال التبادلات الثقافية لتنتج العلم – حتى لو كانت تلك التبادلات غير متكافئة واستغلالية.
إذا كان العلماء والمؤرخون جادين في "إنهاء الاستعمار العلمي" بهذه الطريقة، فإنهم يحتاجون إلى بذل المزيد من الجهد لإظهار أصول العلوم العالمية والمتنوعة ثقافيا إلى جمهور أوسع وغير متخصص. ويجب أن نحرص أن يتم ذلك أيضا على مستوى المدارس. كما ينبغي تعليم الطلاب كيف أثرت الإمبراطوريات على تطور العلوم وكيف تم تعزيز المعرفة العلمية، واستخدامها وأحيانا مقاومتها من قبل الشعوب المستعمرة. يجب أن نشجع العلماء الناشئين على التساؤل عما إذا كان العلم قد فعل ما يكفي لتبديد التحيزات الحديثة القائمة على العرق والجنس والطبقة والجنسية.
ويجب أن ينطوي إنهاء الاستعمار العلمي أيضا على تشجيع المؤسسات الغربية التي تمتلك مجموعات علمية إمبريالية للتعبير بشكل أكبر عن السياقات السياسية العنيفة من الحرب والاستعمار التي تم الحصول خلالها على هذه الذخائر. أحد الخطوات التي يمكن اتخاذها هنا هي دراسة إعادة العينات العلمية إلى ملكية المستعمرات السابقة، كما فعل علماء النبات الذين كانوا يدرسون النباتات من أنغولا والتي كان يحتفظ بها في أوروبا. إذا لم يكن من الممكن إعادة هذه العينات، فيجب على الأقل النظر في الاتفاق حول الملكية المشتركة لها أو إعطاء أولوية الوصول إليها إلى الأكاديميين من المستعمرات السابقة.
ويشكل هذا أيضا فرصة للمجتمع العلمي الأوسع للتفكير النقدي في مهنته. فإن القيام بذلك من شأنه أن يلهم العلماء على التفكير أكثر في السياقات السياسية لأعمالهم وعلى كيفية تغييرها بطريقة تفيد المهنة العلمية في جميع أنحاء العالم. كما يجب أن يؤدي إلى إطلاق حوار بين العلوم وغيرها من التخصصات حول ماضيها الاستعماري المشترك وكيفية معالجة القضايا التي يخلقها.
إن تفكيك تركات العلوم الاستعمارية سيستغرق بعض الوقت. لكننا نحتاج إلى هذه الجهود لتقوية العلوم في وقت تبنت فيه بعض الدول الأكثر نفوذا في العالم موقفا باردا تجاه القيم والنتائج العلمية. فإنهاء الاستعمار العلمي سوف يجعل العلوم أكثر جاذبية من خلال دمج نتائجها بشكل أكثر حزما مع مسائل العدالة والأخلاق والديمقراطية. ربما ، في القرن القادم ، سيعتمد النجاح العلمي على النجاح في معالجة آثار الإمبريالية التي لا تزال عالقة.
——————
مترجم عن "ذا كونفرسيشن"

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟