التخييل - جان ماري شيفر - ترجمة: مصطفى ناجي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

تؤدي الملفوظات اللغوية وظائف متنوعة. إحدى هذه الوظائف هي الإحالة على العالم. تتحقق هذه الوظيفة عن طريق الجمل الوصفية. وإذا كان الخطاب التخييلي بدوره خطابا وصفيا، من وجهة نظر لسانية محضة، فإنه مع ذلك بعيد عن أن يكون خطابا مرجعيا، لأن جمله لا تحيل على مراجع "واقعية". لكن هذه الصيغة هي بمثابة تحديد سلبي خالص وغير مقنع للتخلييل : إن المشكل الأساسي الذي يجب أن تواجهه كل نظرية ليس هو أن تبين لنا ما لا يفعله الخطاب التخييلي، بل هو أن تقترح تفسيرا لكيفية اشتغاله بطريقة إيجابية (تعوض وظيفة الإحالة على أشياء "واقعية").
التخييل والمرجعية
من وجهة نظر منطقية، وبالتحديد من وجهة نظر الالتزام بالواقع، فإننا نحدد الخطاب التخييلي باعتباره فارغ الدلالة المباشرة. إن العناصر اللسانية التي تؤدي في الخطاب ذي البعد العملي وظيفة الإحالة المباشرة (الوصف الدقيق، أســماء الأعـــــلام، أســــــماء الإشارة ، المشيرات الخ) هي في أغلب الحالات على الأقل فارغة من حيث الدلالة المباشرة. من وجهة نظر فريجه ، فإن الملفوظات التخييلية تحمل معنى ولكن لا مرجع لها : "حينما نستمع مثلا لقصيدة ملحمية، فإن ما يثيرنا فيها، عدا إيقاعها اللفظي، هو أساسا معنى الجمل، وكذا الصور والمشاعر التي تثيرها. وإذا طرحنا سؤال الحقيقة ، فإننا سنهمل جانب المتعة الجمالية وسنلتفت صوب الملاحظة العلمية". هذا التحديد للتخييل كخطاب عديم الدلالة المباشرة تم قبوله عمليا من طرف كل المناطقة، لكن ن. كودمان (1968) أكد على أن الأمر يتعلق هنا بحقيقة ضرورية ولكنها غير كافية بالنسبة للتخييل، وإلا لكانت الملفوظات الخاطئة (وحتى الكاذبة) كلها ملفوظات تخييلية. بل لا يمكن حتى أن نقول إن كل الملفوظات الخاطئة التي توجد في النصوص الأدبية (بالمعنى الجمالي والمؤسسي للكلمة) هي ملفوظات تخييلية. ففي عمل أدبي ذي طبيعة عملية، كالسيرة الذاتية مثلا، فإن الإحالة المباشرة الفارغة سوف تعتبر خطأ أو كذبا ، لا ملفوظا تخييليا. أضف إلى ذلك أن المحكيات التخييلية التي كل ملفوظاتها ملفوظات ذات إحالة مباشرة فارغة هي حالات نادرة: فالرواية التاريخية تستمد الجزء الأكبر من جاذبيتها من الطريقة التي تمزج بها الملفوظات ذات المرجعية المباشرة القوية مع الملفوظات ذات المرجعية المباشرة المنعدمة، والتي تشكل الإطار العام للمحكي. يمكن أن نستنتج أن خصوصية التخييل تكمن قبل كل شيء في كون إحالته المباشرة الفارغة معلنة بشكل صريح (كودمان) أو واردة كافتراض ضمني مفاده مثلا أن لا فرق بالنسبة لنا أن يكون لاسم "يوليوس" مرجع أم لا (فريجه). ومن هنا يصبح ضروريا أن نأخذ بعين الاعتبار مكونا تداوليا في تعريف التخييل (انظر أدناه).

إن تعريف التخييل بواسطة الإحالة المباشرة الفارغة يصطدم بأنه تعريف سلبي. إنه يقول لنا "إن التخييل ليس هو كذا"، ولا يقول لنا "إن التخييل هو كذا". وداخل المقاربة المنطقية نفسها اقترحت فرضيات تتعلق بالوظيفة الإيجابية للملفوظات التخييلية. خلال وقت طويل، وعلى نهج راسل والوضعية المنطقية، تم رفض أي قيمة معرفية للأعمال التخييلية . وقد دافع أوغدن وريشارد (1923) عن فكرة مفادها أن الملفوظات الأدبية هي حمول زائفة ذات وظيفة انفعالية. هذا التفسير الإقصائي (بافيل 1988) الذي لا ينسب للملفوظات أي بعد معرفي إلا إذا مثلت إحالة على كيانات من العالم الفيزيائي يبقى ، في الواقع، دون مستوى التمييز الذي وضعه فريجه بين المعنى والمرجع، والذي كان له الفضل، على الأقل، في الإبقاء على الصلة بين الأعمال التخييلية والوظيفة المعرفية للغة. وبالنظر إلى الطابع المفتقر للحدس بشكل صارخ الذي يتسم به هذا التفسير الانفعالي، فإنه لم يعد هناك من يدافع عنه في أيامنا هاته. ما يهم هو أنه يمكننا أن نتصور نوعين من التفسير قادرين على صياغة موقف صائب يعيد الاعتبار للغنى المعرفي للتخييل، دون أن يشكك مع ذلك في الأطروحة التي تفرض نفسها، وهي أطروحة غياب الدلالة المباشرة على العالم "الواقعي".
التفسير الأول الذي دافع عنه بالدرجة الأولى ن. كودمان (1968، 1989)، يؤكد على فكرة مفادها أن الخطاب التخييلي هو خطاب ذو دلالة حرفية فارغة، ولكنه يوسع مفهوم المرجع إذ يدخل ضمنه، من جهة أولى، الدلالة المباشرة المجازية، ومن جهة أخرى يدخل أنماطا من الإحالة اللامباشرة . وهكذا فإن جملة إثبات ذات دلالة مباشرة فارغة حين تقرأ قراءة حرفية، يمكن أن تصبح صحيحة (أي ذات دلالة مباشرة فعلية) حين تقرأ قراءة مجازية: إن دون كيشوت باعتباره غير موجود، فإن أي إثبات بصدده إثبات خاطئ إذا قرئ اسمه قراءة حرفية، ولكن إذا قرئ مجازيا، فإن هذا الاسم ينطبق بدقة على عدد كبير من الأشخاص؛ ونفس الأمر قد ينطبق على الأفعال الدونكيشوتية. أضف إلى ذلك أن غياب الدلالة المباشرة الحرفية في النصوص التخيييلية تحفز القارئ بالفعل على تشغيل أنواع أخرى من العلاقات المرجعية، خاصة علاقة التمثيل والتعبير: إن رواية البحث عن الزمن المفقود تتخذ كتمثيل لها بنية سردية لا نهاية لها (إن نهاية الحكي تتصل ببداية سرد المحكي، إذ أن الكتاب ينتهي بقرار الكاتب بأن يكتب الكتاب الذي فرغ القارئ من قراءته للتو)؛ وفي نفس الوقت فإن هذه البنية تعبر ( أي تمثل مجازيا) نوعا من العلاقة بين الفن والزمن (أن يعود الكتاب إلى نقطة بدايته هو مجاز يعبر عن اعتقاد بروست بأن العمل الفني يلغي الزمن). وبعبارة أخرى، حسب كودمان، فإن الخصائص الأدبية المحايثة للعمل الأدبي والقيم التعبيرية تشكل جزءا من البنية المرجعية للمنظومات الرمزية بنفس أهمية الدلالة المباشرة: إن الحكم على عمل أدبي بأنه لا يحمل دلالة مباشرة، وأنه مجرد عمل تخييلي، لا يمنعه من امتلاك بعد مرجعي.
المقاربة الثانية التي تستوحي المنطق الصوري / التشكيلي ونظرية العوالم الممكنة، تقوم بتوسيع الكيانات القابلة للتعبير بشكل مباشر. إن المنطق التشكيلي يقبل مثلا أن حملا لاعمليا مثل ("لو تعلق الأمر بــ "س"، لكانت النتيجة "ص") يحيل بالفعل على عالم ممكن، بدل أن يكون ذا دلالة مباشرة فارغة، بمعنى أنه يحيل على بديل عن العالم الواقعي من خلال بنية تأويلية أعم، ليس هذا العالم الممكن سوى واحد من احتمالاتها (رغم أنه يحظى بامتياز خاص، حسب نظرية كريبكه على الأقل). هذه الفكرة التي ترجع إلى ليبنز كانت قد قادت بعض نقاد القرن الثامن عشر (بريتنغر وبودمر ) إلى النظر للدلالة التخييلية من زاوية العوالم الممكنة. هذا الحل الذي ساهم تطور المنطق التشكيلي في تحديثه، قد استند إليه عدد من النقاد والفلاسفة ( مثل فان ديك ، ليويس ، وينر ، مارتينيز- بوناتي ، بارسونز ، وولترستورف ، بافيل ، دولوزيل ) الذين اعتبروا أن وظيفة الدلالة المباشرة في الملفوظات التخييلية هي الإحالة على عوالم تخييلية يخلقها الكاتب ويعيد بناءها القراء. إلا أن هويل ، ليويس وآخرين قد بينوا أيضا أن نظرية العوالم التخييلية لا يمكن أن تخضع للإكراهات الصارمة التي تحكم منطق العوالم الممكنة: فمن جهة أولى، تم وضع هذه الأخيرة ضمن إطار بنية تأويلية تتسم بالإكراه، لأنها ليست عوالم مبتكرة بحرية مثلما هو الشأن بالنسبة للأعمال التخيييلية؛ ومن جهة أخرى، وهنا أيضا تختلف تلك العوالم عن العوالم التخييلية، فإنها تقصي الكيانات المتناقضة ( دائرة مربعة مثلا). أضف إلى ذلك أن العوالم التخييلية غير مكتملة (من هنا صعوبة الحسم مثلا في عدد أبناء السيدة ماكبث)، كما أن بعض الأعمال الأخرى تتسم بعدم الانسجام دلاليا، كما يحدث في بعض العوالم التخييلية المبنية على تبئيرات داخلية متعددة (مثل رواية الصخب والعنف لفولكنر) (دولوزيل 1988). وقد أخذ بافيل (1988) هذه الاعتراضات بعين الاعتبار، وقدم تصورا دقيقا جدا للعوالم التخييلية : فقد انطلق من فكرة مفادها أننا في الحياة اليومية نسكن عوالم متعددة، وننتقل باستمرار من عالم إلى آخر. وأوضح أن التخييل، وهو ينتقل بحرية بين عوالم تخييلية مختلفة، ويقيم صلات وثيقة بدرجة ما بين هذه العوالم التخييلية والعوالم المختلفة التي يسكنها الإنسان تاريخيا واجتماعيا ( ومنها هذا العالم المتميز المتمثل في الكون الفيزيائي الخالص)، لا يمكن اعتباره كطرف نقيض للواقع: يجب بدلا من ذلك أن يوضع على سلم متدرج لعوالم "حقيقية" أو "متخيلة" بهذه الدرجة أو تلك، والتي يؤدي التفاعل بينها إلى تحديد الواقع الإنساني.

التخييل والتمويه
أن يتم التنصيص على غياب الدلالة المباشرة في الخطاب التخييلي، عكس ما هو الحال في الخطاب العملي، فذلك يبين مسبقا أن تعريف التخييل الأدبي يجب أن يتضمن بعدا تداوليا كفيلا بإبراز الوضع الخاص للتلفظ التخييلي. يتعلق الأمر هنا أساسا بنظرية أفعال الكلام التي أكدت على هذا الجانب ( أوستن ، أوهمن ، سورل ، ريان ، برات ). وهكذا انطلق سورل (1975) من كون الملفوظات السردية حول عالم متخيل ترد على شكل جمل إثباتية لا تستجيب لشروط الصدق، الالتزام أو القدرة على إثبات مضمونها، مع أنها جمل تبدو جادة في إثباتها، فقد حددها كجمل إثبات تمويهية: "إن الكاتب يتظاهر بأنه ينجز أفعالا كلامية ذات قوة إنجازية مستلزمة وهو يتلفظ (يكتب) فعلا مجموعة من الجمل ... إن فعل القوة الإنجازية المستلزمة مخادع، ولكن فعل التلفظ حقيقي". حسب سورل، فإن وجود مجموعة من الأعراف الخارج-لسانية المنتمية للمستوى التداولي التي تقطع الاتصال بين الكلمات والعالم قد تكفي لتحديد وضعية الملفوظات التخييلية. إنه يرفض الفكرة القائلة إن الحكي عن عالم متخيل يمثل فعلا كلاميا ملازما كما يقول بذلك والترستورف (1980)، الذي يضع فعل القوة الإنجازية المتستلزمة "الخالقة لعالم متخيل" على نفس المستوى مع الأفعال الكلامية التي تفيد التقرير أو الوعد ...الخ. "إذا كانت الجمل في عمل أدبي متخيل تؤدي وظيفة أفعال كلامية تختلف تماما عن تلك التي يحددها معناها الحرفي، فإنها يجب أن تحمل معنى آخر" حسب رأي سورل. وبعبارة إخرى، فإن اشتغال لغة التخييل لا يتحقق على نفس المستوى مع أشكال الاشتغال الأخرى للغة القوة الإنجازية المستلزمة، إنه "يشوش" عليها ( أوستن).
إن تعريف السرد التخييلي كتقرير مخادع يكشف بالتأكيد عن بعد أساسي من أبعاد التخييل الأدبي. وقد تم الاعتراض على هذا التعريف القائم على المقصدية في العمل التخييلي بأنه يحدث أن نقرأ بعض النصوص كنصوص تخييلية رغم أن القصد منها لم يكن كذلك. لكن هذا الأمر الذي لا يكاد يثبت أن التخييل ليس شأنا مقصديا، يدعم تصور سورل: حين نتجاهل مقصد الكاتب، فإننا نعوضه بمقصدنا نحن، لأن الاهتمام نفسه ( جونيت ) شكل من أشكال المقصدية.
إن تعريف سورل يبقى في الجانب الأساسي منه تعريفا سلبيا. إن جونيت (1991)، مع تأكيده على أن الحكي عن عالم متخيل ليس فعلا كلاميا حرفيا محايثا مميزا / ملازما ، يقترح إغناء تصور سورل: إن التلفظ بخطاب تخييلي يستلزم أفعالا كلامية جادة غير مباشرة موجهة للقارئ، سواء أكانت دعوة لتخيل وضعية ما، أم كانت بصفة عامة تصريحات يرسخ بموجبها الكاتب (في ذهن المتلقي) ضرورة تقدير الأحداث التي تشكل موضوع الجمل التقريرية الزائفة . وهكذا فإن الملفوظات التخييلية ستكون عبارة عن جمل تقريرية زائفة "تحمل من خلال صيغة الفعل الكلامي غير المباشر (أو الفعل البلاغي) إنجازات تقريرية ( أو طلبية ) تخييلية معلنة." ( جونيت، 1991). وقبله كان دولوزيل ( 1980) قد أكد أن الحمول المتعلقة بالعالم المتخيل هي حمول طلبية بمعناها عند أوستن؛ ولكنه في نفس الوقت كان قد رفض التعريف الذي يلح على القوة الإنجازية المستلزمة، بأنه لا يوجد في النص السردي أي حمل يمكن إسناده للكاتب، على اعتبار أن الكاتب والسارد عنصران مختلفان مبدئيا. ويمكن أن نرد في نفس الوقت على هذا الاعتراض بأن التمييز الوظيفي بين الكاتب والسارد هو بالذات نتيجة لزيف القوة الإنجازية المستلزمة: إن وضع السارد ينفصل عن وضع المتلفظ الفعلي بالنص ، أي الكاتب لسبب أساسي هو أن الكاتب يتظاهر بإنه إنما يتلفظ بجمل تقريرية.
إن هاجس تجاوز التعريف السلبي يوجد ضمن النظرية العامة للتخييل التي بلورها ك. والتون ( 1990): إنه يعتبر النشاط التخييلي بمثابة حث على التصديق، يرتكز على قواعد لعبة مقبولة بشروط ، بموجبها نحن مطالبون باستحضار عالم متخيل يتطابق مع الحمول التخييلية. ينتقد والتون تعريف سورل، خاصة وأنه لا يناسب التخييلات غير اللفظية. إلا أن نظريته يمكن أن تكون مفرطة التعميم : إن تعريف سورل والصيغة المعدلة التي اقترحها جونيت لها الفضل في الكشف عن العلاقة المحاكاتية المشتركة بين الجميع ، والتي تربط بين السرد التخييلي والخطاب العملي، وهي علاقة تمثل خصوصية للتخيييل الأدبي لم يستطع تصور والتون ولا تصور دولوزيل أن يفسرها.
ومع ذلك، ورغم محاسنه، فإن التعريف التداولي المقترح من طرف سورل لا يمكنه أن يحدد التخييل الأدبي باعتباره كذلك: إنه يتعلق فقط بالحمول السردية باعتبارها منتسبة للكاتب. أضف إلى ذلك أن سورل نفسه يميز بوضوح بين الحكي بضمير الغائب حيث يتظاهر الكاتب بأنه ينتج جملا تقريرية، والحكي بضمير المتكلم حيث يتظاهر بأنه شخص آخر يقوم بإنتاج جمل تقريرية وبين التمثيل المسرحي حيث يتظاهر الممثل بأنه شخصية (مسرحية) تقوم بدورها في إنتاج أفعالها الكلامية. أما المؤلف المسرحي من جهته، فإن سورل يعتقد أن ما يقوم به هذا المؤلف "يشبه كتابة وصفة لكي يتظاهر بالمشاركة المباشرة في الشكل المزعوم نفسه". وهذا لا يمنع أننا حينما نقرأ نصا مسرحيا، فإننا لا نقرؤه ( بشكل طبيعي على الأقل) كوصفة لتمثيل مسرحي، ولكن كتمثيل تخييلي. إن تأسيس التخييل لا يمر بالضرورة عبر وساطة مزعومة للكاتب، هذا ما لم نفترض أن هذا الأخير يتظاهر بأنه ينقل إلينا حوارات تحققت بالفعل، وهو ما لا ينسجم البتة مع حدوس القراء. ويلح جونيت بدوره على التقليص من أهمية تعريف النص المسرحي من زاوية الأفعال الكلامية التمويهية. وهكذا يبين أن الجمل التقريرية التي يتلفظ بها سارد الحكي بضمير المتكلم ليست تمويهية طبعا؛ إنها تشكل جزءا من العالم المتخيل، وباعتبارها كذلك، فإنها تمثل أفعالا كلامية جدية تماما ( داخل العالم المتخيل). ويضيف أن نفس الأمر يسري على الحوارات بين الشخصيات داخل الرواية المحكية بضمير الغائب. وبعبارة أخرى، فإنه يجب أن نميز بين الأفعال الكلامية المزعومة والأفعال الكلامية الممثلة، داخل حكي غيري ، وهو تمييز نشعر به عند أفلاطون في تمييزه بين الحكي والمحاكاة. وهكذا يبدو أن الوضعية التداولية للتخييل الأدبي لا يمكن إرجاعها ، بإجماع الكل، إلى فرضية الأفعال الكلامية المزعومة، رغم أن مفهوم التمويه، الأكثر تعميما، يبقى دون شك مركزيا بالنسبة للوضعية التداولية للتخييل باعتباره كذلك.

الخصوصيات اللسانية للخطاب التخييلي
لكي تبقى فكرة التمويه مقبولة، يبدو أنه يجب أن يبقى الحكي التخييلي قريبا من الحكي العملي حتى يشعر القارئ بأن الأمر قد يتعلق بحكي عملي. صحيح أن السرديات قد اهتمت حتى الآن بالحكي التخييلي، مما جعلنا لا نتوفر على دراسات مقارنة كثيرة. ومع ذلك، فقد لاحظنا في كثير من الحالات أن الحكي بضمير المتكلم (مثل السيرة الذاتية التخييلية) ينزع إلى المحاكاة القصوى لنظائره "الجادة". ( كلوفينسكي 1986)، رغم أن لوجون (1986) بين أن السيرة الذاتية التخييلية تفضل غالبا التركيز على تجربة الشخصية، بينما السيرة الذاتية العملية تعطي الأولوية لصوت السارد ( المختلف وظيفيا عن صوت الشخصية، رغم أنهما يتطابقان وجوديا). وفي ميدان الحكي الغيري ، فالاختلافات أكثر وضوحا خاصة على مستوى العلاقة بين الكاتب والسارد، حيث أن سارد الحكي التخييلي يختلف من حيث الوظيفة عن الكاتب، عكس ما يحدث في الحكي العملي ( جونيت 1991)؛ أضف إلى ذلك أن الأشكال الأكثر تعقيدا في الحكي (التخييلي) بضمير الغائب قد أصبحت، منذ القرن التاسع عشر على الأقل، أكثر بعدا عن بنيات الحكي العملي، وذلك بالنظر إلى الاستعمال المكثف للتبئير الداخلي . وبناء على هذه الملاحظة الأخيرة، فقد اقترحت كيت هامبورغر تمييزا جوهريا بين التخييل والتمويه، معتبرة أن الأول - المقتصر على الحكي الغيري - لا يحاكي أي فعل كلامي جاد، وإنما يشكل بنية تمثيلية مستقلة دون سارد، وتبنى كلها من خلال "ضمائر متكلمة - مصدر" متخيلة هي الشخصيات. ومن هنا جاءت الأطروحة المثيرة للجدل حول تجريد الماضي البسيط من دلالته الزمنية. ترى هامبورغر أن الماضي البسيط في الحكي التخييلي الغيري، لم تعد له الوظيفة النحوية المتمثلة في تعيين الزمن الماضي، لأن الشخصية التخييلية أضحت تتمثل في أنا-أصل تخييلي فوري "يلغي تماما دلالة الأفعال التي تصفه على عدم الاكتمال". إن الحكي التخييلي الغيري حكي مجرد من البعد الزمني: فبحكم تجرد ماضيه البسيط من البعد الزمني، الذي يتجلى خاصة في الاستعمال المنحرف للموجهات الزمنية ، فإن "الماضي البسيط الملحمي" يتحول إلى علامة دالة على التخييل.
إن براهين هامبورغر مبنية بشكل جيد، ولكن أطروحتها تصطدم داخل المحكيات الغيرية بوجود فعالية وسيطة لنقل المعلومة السردية، وهي فعالية لا تنتمي إلى عالم الشخصيات. إن تحليللات هامبورغر وتحليلات الكتاب الذين استلهموا أعمالها (مثل بامفيلد 1982 ) قد نبهت إلى أن التخييل الغيري الحديث قد أصبح أكثر تحررا مقارنة بالحكي العملي، وهو ما يعني دون منازع ضعفا في الأهمية الجمالية للحكي التمويهي. الأهم من ذلك أن الاهتمام الذي حظيت به هذه الظواهر قد سلط الضوء على عدد من السمات اللسانية التي، وإن لم تكن عناصر تعريفية للتخييل الغيري، فإنها مع ذلك من سماته الأساسية. وهو ما يقود على الأقل إلى تدقيق فكرة سورل التي تنص على "غياب أي خصائص نصية، تركيبية أو دلالية تسمح بتعريف نص ما بأنه عمل تخييلي".
إن السمات اللسانية الأكثر تمييزا للتخييل بضمير الغائب هي :
1. استخدام أفعال تصف أنشطة داخلية (تفكير، تأمل، اعتقاد، إحساس، تمني، الخ) منتسبة لشخصيات أخرى غير المتلفظ بالحكي. خارج العالم المتخيل، فإن هذه الأفعال تنطبق خاصة على ضميرالمتكلم، لأننا لا يمكن أن نصل إلا إلى عالمنا الداخلي الخاص. وعلى العكس من ذلك فإن ذاتية طرف أخر تقدم غالبا من زاوية داخلية.
2. استخدام الخطاب غير المباشر الحر والحوال الداخلي. بفضل تقنيات مختلفة، نصل إلى نفس نتيجة الحالة الأولى، حيث ينظر إلى الشخصيات من الداخل.
3. استخدام إحالات دون مرجع سابق ( يقوم هيمنغواي مثلا بإدخال شخصياته بواسطة ضمير، دون إشعار سابق.)
4. استخدام أفعال دالة على الوضعية (مثل: ينهض، يسير، يجلس، يعاني من اضطراب في النوم، الخ) داخل ملفوظات تتعلق بأحداث بعيدة في الزمن أو غير محددة التاريخ. ولتوضيح هذا الأمر، تذكر هامبورغر مقطعا للكاتب السويسري غوتفريد كيللر: "أواخر سنة 1820، بينما كانت مدينة زوريخ تزخر بالبنايات المحصنة التي تغطي مجمل مساحتها، غادر شاب فراشه ذات صباح مشرق من أيام الصيف". ففي حكي عملي، قد يبدو هذا الملفوظ غير طبيعي، حيث أن استعمال فعل دال على الوضعية لا يتناسب مع حديث مبهم عن سياق الحدث.
5. الاستخدام المكثف للحوارات، خاصة إذا كان يفترض أنها حدثت في زمن بعيد عن لحظة التلفظ بالحكي. (نلاحظ مع ذلك أن استخدام الحوار ليس نادرا في نصوص المؤرخين القدماء، عند هيرودوت مثلا).
6. استخدام المشيرات المكانية التي تحيل على طرف ثالث، وخاصة المزج بين مشيرات زمنية وبين الزمن الماضي التام والماضي المركب . ففي خطاب عملي، لا يمكن استعمال المشيرات الفضائية (هنا، هناك، الخ) إلا بإحالتها على المتلفظ ( "أنا" )، بينما تحيل في الحكي التخييلي غالبا على ضمير الغائب ( "تقدم تحت الأشجار: هنا كان الطقس أكثر رطوبة" )؛ وبنفس الشكل، فإن مشيرا زمنيا مثل "اليوم" لا يمكن أن يركب مع الماضي التام إلا في خطاب تخييلي ( " اليوم كان الطقس أكثر برودة" )، أو "البارحة" مع الماضي المركب ( "البارحة" كان الطقس من قبل باردا" ).
في حالات مختلفة، ترتبط أغلب هذه السمات بما يسمى التبئير الداخلي: وبهذا المعنى، فإنها ليست عنصرا محددا للحكي التخييلي بحصر المعنى، ولكنها تشكل مجتمعة دون شك "مؤشرات" (هامبورغر) تسمح بالتمييز بين الحكي الغيري والخطاب العملي. هذا وإن هذه السمات ليست دائما غائبة عن الحكي العملى. إن التأثير المتبادل بين التخييل والحكي قائم في الاتجاهين. وقد نبه د. سبيربر ( 1981) إلى الاستعمال الواسع النطاق للخطاب غير المباشر في الأدب الإثنولوجي، بينما القاعدة الضرورية لإعادة الإنتاج الحرفي للكلام المحلي تقتضي الاقتصار على استعمال الكلام المباشر (ومن هنا نجد، إضافة إلى ذلك، أن استخدام الحوار ليس دائما مؤشرا دالا على التخييل، عكس ما تراه هامبورغر). وفي كل الأحوال، فإن المؤشر لا يشكل سمة تعريفية. إن الإشارات الأكثر مشروعية، حتى وإن كانت تتعارض مع المؤشرات اللسانية، هي الإشارات المصاحبة للنص التي تخبرنا عن نوايا الحكي، وهو ما يبين مرة أخرى أن وضعية التخييل تأتي أولا من البعد التداولي للخطابات، وتأتي بعد ذلك من بعد تركيبي ودلالي.
( انظر الببليوغرافيا في النص الأصلي )

قاموس عربي- فرنسي
الدلالة المباشرة: dénotation
الدلالة المباشرة الفارغة: dénotation nulle
الخطاب العملي: discours factuel
العمل الأدبي العملي: oeuvre factuelle
التمويه: feintise
قوة إنجازية مستلزمة: acte illocutoire
محايث : suis generis
حكي غيري: récit hétérodiégétique
التخييل : fiction
الإحالة، المرجع: référence, référent

ترجمة مصطفى ناجي
المصدر:
Oswald Ducrot, Jean-Marie Schaeffer, Nouveau dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, éditions du Seuil, 1995, pp. 373- 384.

 

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟