السرقات الأدبية - حميد المصباحي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

السرقة في الفكر والأدب، قديمة قدم الكتابة وربما امتدت قبل ذلك، عندما كان التقليد الشفاهي سائدا، فهي فعل تجريمه مر بمراحل، فقد كانت العقوبة بمثابة فضيحة بها يصمت القائل ويهان بعدم الانتباه إليه وتجاهل ما سوف يقول مهما كانت جدته فيه واجتهاده.
لكن السرقة الأدبية والفكرية، لا تستفحل إلا في عهود الانحطاط، لأسباب يمكن إيجازها فيما يلي:
أولا: خشونة الفاعل وتراجع القيم، بتراجع وضع أهل الفكر والأدب كحصيلة لغياب القراءة مع ما يعنيه ذلك من تجاهل للأصيل من جهة، ولندرته، يتحايل أشباه الكتاب على التطاول عليه بالنهل من فتوحاته، عليها يؤسسون لوجودهم الفكري أو الأدبي.
ثانيا: تتفيه الفكر والأدب بالحط من أهله، وجعلهم يبدون كتجار الممنوعات بسعيهم للسرقة وكل ما يمس بالفضيلة، التي باسمها يكتبون ولها ينتصرون، وبهذا التبخيس ينصرف الناس عن أهل الفكر، ويصطفون إلى جانب أهل الثروات وجامعيها ممن يزعجهم كل ما هو رمزي، وخصوصا من كانت جهالتهم دافعا لتحصيل الثروات وحتى ما به تعتبر المتع مشروطة به ومحصلة له.
ثالثا: التماهي مع من نالوا الشهرة، لا يدفع فقط لتقليدهم، وإن كان التقليد كنوع من المحاكاة حاضر، لا يمكن إلغاؤه كمرحلة في الكتابة والفن، يتم تجاوزه والتأصيل لما يتم إبداعه لاحقا، لكن الفاصل بين التقليد والسرقة، قد يضيق فتنمحي الحدود ويقع الكاتب أو الفنان في المحظور.
رابعا: ضعف الرقابة في المجالات الأكاديمية وانتشار نموذج الاستشهاد بالكبار، مفكرين ونقاد وحتى أدباء، يخلق عادة الظهور بمظهر الحافظ أكثر من المبدع والمضيف في أفق التجديد، وهكذا تستقوي العادة بالتجاهل لتفرض المزيد من السرقات، التي سرعان ما تنسى وتعتبر خطأ عابرا شبيها بتناص أو تلاقي أفكار وعبارات مهما قويت آليات التشهير بسراق الفكر والأدب.
خامسا: التباهي، نوع من التسامي ومحاولة الظهور بمظهر ربما كان مكروها، أو عجز السارق على أن يكونه، وهي حالة شبه مرضية، تصيب الإنسان العادي، لكنه قد تطال حتى من لهم نصيب من المعرفة، التي يعتبرونها تقنية شبيه بحرفة يخلقون بها مجدا للتعرف على ذواتهم من خلال إبداعات الغير، يأسا من قدرتهم أو شكا في مواهبهم وميولاتهم الأدبية أو الفكرية والنقدية.

سادسا: السرقة أيضا هوس لا واعي بإضافات وأصالة الغير، رغبة لا شعورية في تملك ذات الغير تشبها به أو سطوا على هويته الإبداعية والاعتبارية، التي تغري وإن لم تعد لها الجاذبية التي كانت لها سابقا.
إذا كانت هذه بمثابة دوافع شبه ذاتية، فهناك موضوعيا ما يدعم السرقات الأدبية والفكرية ويمدها بما به تستمر كظواهر، فما هي هذه الدوافع وكيف تتغلب على الكاتب أو ما يفترض أنه كذلك؟
التقليد آلية قوية، تغلبت عليها المجتمعات البشرية بأشكال متفاوتة، لكنها حاضرة في كل الحضارات، ومع تطور أشكال التواصل والكتابة نشطت ووجدت لنفسها مرتعا في التطور التقني الذي هو نفسه وسيلة فضح لها وكشف عنها بسهولة، بل به اكتشفت سرقات قديمة لم ينتبه لها القدامى فيما قبل وسائل التواصل، فقد سهلت السرقة ووسائل الكشف عنها في الوقت نفسه، وتمخضت عن ذلك صراعات بين كتاب مشتغلين بمجال الفكر والأدب، كما سحبت جامعات من دارسين شهاداتهم وجردتهم منها إنصافا للذين تعرضوا للسرقات ولحراس الفضيلة والقيم الرمزية.
في العالم العربي تحدث السرقات وتخلق خصومات، لكنها سرعان ما تنسى ويجد الفاعلون لأنفسهم مبررات، وقد تكون صادقة أو مجرد إشاعات مغرضة ضد هذا الكاتب أو ذاك، لكن أشدها إثارة هو ما يحدث من خلال لغات أخرى، بحيث يسطو الفاعل ويحول نفسه من مترجم إلى أديب أو مفكر، خصوصا إن كان في المسروق جدة وأصالة، لكن حدة المواجهة معه تخف، بفعل الترجمة التي تكون مجرد نسخ غامض من الصعب إثبات حرفيته أو التأكد من حدوثه، بل يبدو مجرد تمرين على أدب صاعد، سواء كان أوروبيا أو غربيا، فالتثاقف دينامية تعرفها كل المجتمعات البشرية، التي تستفيد من بعضها وتتأثر ثقافيا وسياسيا وفنيا.
حميد المصباحي كاتب روائي