"يسألونك عن الأكاسيا"… قل انظروا في مرايا الذات واللغة والمكان - عبد الغفور مغوار

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

مقدمة:
ليست "الأكاسيا" في هذا العمل شجرة فقط، بل رمزا شاسعا لجغرافيا داخلية تنبت بين الحنين والخذلان، بين الحرف والنداء. في مؤلفه "يسألونك عن الأكاسيا"، لا يقدم الأديب المغربي محمود أبو القاسم ديوانا شعريا بالمعنى المألوف، بل يطلق كائنا لغويا هجينا، يتراوح بين القصيدة، الخاطرة، التأمل والمكاشفة الحية.

وهذه الدراسة النقدية الممتدة في ستة محاور، ليست احتفاء مجردا بتجربة صديق عزيز وأديب أصيل، بل محاولة للاقتراب من روح نصوصه، وتحليل أدواته، وتقويم معمار كتابته، مع استحضار تفاعلاتها الممكنة مع أعلام الشعر الفرنسي الحديث وغيرهم من المبدعين العرب الكبار.

لم يكن الهدف من هذه القراءة تثبيت رأي، بل فتح أسئلة: عن الذات، عن الوطن، عن اللغة، عن جدوى الشعر حين يصبح الحياة نفسها. لذلك، فهي قراءة للقارئ كما للشاعر… بحثا عن ذلك النبض الصادق الذي يتلعثم، لكنه لا يكذب.

المحور الأول: "يسألونك عن الأكاسيا" بين إرادة الكتابة وكتابة الإرادة: انبثاق الذات وتمرد النص

- تمهيد: الكتابة لا كمهنة بل كحالة نجاة

في زمن تسلعت فيه الكتابة وتحالفت مع الاستعراض، يخرج علينا الأديب اللبيب محمود أبو القاسم من قلب الجنوب المغربي، لا ليعرض منتجا قابلا للترتيب في خانة أجناسية، بل ليعلن حالة وجودية كاملة تحت عنوان بسيط: "يسألونك عن الأكاسيا". عنوان في ظاهره تأملي نباتي، وفي جوهره محاولة للتماهي مع شجرة بالغة التناقض: صلبة في جذرها، شائكة في قشرتها، رقيقة حين تنثر زهورها على التراب.

ولعل أول ما يفاجئ القارئ أن الأكاسيا هنا ليست مجازا فقط، بل هي أداة مواجهة ناعمة بين كاتب قرر ألا يلبس خوذة الشعر ولا درع الخطابة، وبين واقع قاحل فكريا واجتماعيا. فالكتابة بالنسبة له ليست مهنة أو هواية بل حالة نجاة.

1- من "عناقيد الحصرم" إلى "الزاك": نظام داخلي يرفض التصنيف

يأتي هذا العمل في هيئة كولاج نثري مفتوح، لا يستجيب لمعيار التجنيس الصارم. وإذا تتبعنا فهرس المؤلف الذي يضم تسعة وتسعين عنوانا فرعيا، نلاحظ تنويعا دلاليا وجنسيا لافتا، وهذا الجدول يعطي فكرة نموذجية لا عمومية:

 

مكونات النص

الفئة

 

"معطر الجو"، "عبث"، "لوعة"، "إذا جن الليل"

شعر الومضة والتأمل

"مكتب الضبط"، "خلف كواليس التسويد"، "الصرار"

خطاب النثر المفتوح

"تستوستيرون"، "موسم البطيخ"، "عطب في الواي فاي"

سخرية سوداء اجتماعية

"الزاك 10، 16، 25"

هجاء سياسي

"الزاك"، "هاجر"، "الزاك 22"

حوار الذات والمكان

"سامحوني إذا بدوت ضعيفا"، "كوابيس"، "لملمني"

أدب الاعتراف والمكاشفة

هذا التقاطع بين النصوص ينشئ كلية سردية هجينة، تحاكي في تكوينها النفسي أسلوب ألان روب جرييه في "الغيرة" و "المماحي"، حيث تتفتت وحدة النص لحساب التراكم العاطفي والمشهدي، دون الحاجة إلى بطل أو سرد خطي.

2- الذات كخطاب – حين يكتب الإنسان لا الشاعر

ليس محمود أبو القاسم هنا شاعرا فحسب؛ بل هو كائن هش يخجل من التكلف، ويتجنب التنميق، ويعلن في بداية "عناقيد الحصرم" وبصوت صارخ:

"أنا لست كاتبا، ما فائدة الحروف حين يعلوها الغبار على أرصفة الزمن؟"

بهذه النبرة اللاتبريرية، يقلب مفهوم "الكتابة" إلى مجرد محاولة للبقاء. فهو لا يرغب في قصيدة منسوجة على هدى الخليل، بل في اعتراف يقيه الجنون أو الانفجار، كما كان يقول ألبير كامو في "أسطورة سيزيف" ما مضمونه: الكتابة ليست مهنة، بل عودة إلى ما هو جوهري حين يخونك كل شيء. فكامو يتناول الفن والكتابة كشكل من أشكال التمرد على العبث، حيث يخلق الفنان عالمه الخاص ويصف التجربة بدلا من تفسيرها. فهو يرى أن "إذا كان العالم واضحا، فلن يكون هناك فن" وهذا يشير إلى أن الفن (بما في ذلك الكتابة) ينبع من الحاجة إلى إيجاد معنى أو التعبير عن التجربة في عالم يفتقر إلى الوضوح المطلق.

فالشبه واضح، لكن الفرق أن كامو يكتب من مقعد "العبث المعرفي"، فيما يكتب صديقنا أبو القاسم من حفرة الوجود المعيش.

3- المدينة: كائن لغوي وذاتي في آن

ابتداء من سلسلة “الزاك”، لا نعود أمام مدينة، بل أمام شخص/شهادة/أنثى/وطن مصغر. الزاك ليست مسرحا، بل ضميرا ملتهبا، تدخل فيه الكلمات كالطلقات. وهي، وإن كانت مدينة بعينها، فإن أبا القاسم يجعلها قابلة للاستعارة:

"هذه المدينة مازالت تطفو فوق الماء كلوح خشبي في رحلة عوم تقاوم الغرق." (الزاك 6)

وهذا التصوير، رغم بساطته الظاهرة، يتقاطع في طبيعته البنائية مع تشخيص المدن لدى ألبيرتو بلانكو، بحيث تتحول الأمكنة في أعماله الشعرية إلى كائنات تشهد وتئن وتخفي. فهو يمنح الأشياء غير الحية والمفاهيم المجردة صفات بشرية أو حيوية. فالمدينة في شعره ليست مجرد خلفية ثابتة للأحداث، بل هي كيان حي يتنفس ويتفاعل.

لكن الفرق هنا أن “الزاك” ليست فقط مدينة ماضية أو حالية، بل مدينة في طور الصراخ الأخير، مدينة تبحث عن قبلة، لكنها محاصرة بين أبناء يبيعونها ومسؤولين يسقونها الوعود المهترئة.

4- تفكيك اللغة والعبارة: صوت بلا مساحيق

أسلوب الكاتب يقوم على ما يمكن تسميته بـ "بلاغة الاختلال المقصود":

- لا يهتم بتركيب نحوي صارم؛

- يضع الجمل على إيقاع النفس لا القاعدة؛

- يجعل من الكناية صيغة للحماية أحيانا، وللهتك أحايين أخرى.

في نص "بالإكراه" مثلا يقول:

"أحيانا يعكس منظر العجين وجها عبوسا أشرف على إعداده على مضض... ومادام ليس للجائع وقت للقراءة، يسارع لتمزيق الرسالة بين شدقيه مرددا : ما أنا بقارئ" !

هذا التهكم النحتي يحول الخبز إلى وثيقة احتجاجية، ويسقط آية الوحي "ما أنا بقارئ" في مسرح الواقع، كما لو أن الجوع نفسه أصبح نبيا يملي شروطه على المعنى.

5- الحزن القومي في ثوب الهزل المفجع

من خلال مقاطع مثل "ثورة العطش" و"هدنة إنسانية" و"غزة"، يرسم الكاتب تضاريس ألم عربي مشترك، لكنه لا يقع في شرك الخطابة القومية، بل يصوره داخل تهكم مرير:

"كل الحكومات التي تعاقبت تعي جيدا أننا مجتمع يعاني من أعراض راس أتاي الحاد…" (ثورة العطش)

يشبه هذا الأسلوب ما نجده عند محمد شكري، لا في "الخبز الحافي" هذه المرة، بل في "وجوه "، حيث يصبح الضحك ملاذا للهارب من شطط الألم، لا سخرية منه.

"يسألونك عن الأكاسيا" ليست مؤلفا لتصنيفه، بل حالة لاحتضانها. هي بوح ممتد، عمل مفتوح، 'مانيفستو'، هجاء، ملحمة بلا إيقاع، لكنها بنبض. كاتبها لا يطلب مقعدا في اتحاد الكتاب، بل شجرة يستظل تحتها ثم لا يعاتبه أحد على قول الحقيقة.

المحور الثاني: الزاك... المدينة التي تكتب وتُكتَب بها: تجليات المكان في خطاب الوجدان

1- من الجغرافيا إلى الذات: حين يتحول المكان إلى مذكرة داخلية

في تقاليد السرد العربي، غالبا ما يستخدم المكان كمجرد خلفية للحدث أو كعنصر زينة. أما في " يسألونك عن الأكاسيا"، فالمكان ــ وتحديدا الزاك ــ لا يتخذ موقعا جغرافيا فقط، بل يتحول إلى كائن لغوي حساس، ذو نفس، وذاكرة، وجرح.

في المقاطع المعنونة بالـ “الزاك 1” إلى “الزاك 25”، يقوم المؤلف بوضع المدينة في مركزية الخطاب، ليس بوصفها حاضرة فقط، بل بوصفها:

- أنثى مستباحة: "هذه المدينة تنهزم أمام ذوي القربى، وتصيبها في عز الانتشاء رشقات الاحتفالات" (الزاك 1)

- موضع خيانة وولاء: "هذه المدينة تكرم من يقد قمصانها من دبر، ومن يهتك عرضها كل مساء" (الزاك 2)

- أما غاضبة وحالمة: "هذه المدينة حين تصلي، تطيل السجود لرب العباد" (الزاك 3)

بهذا، تصبح الزاك راويا جزئيا للنص، لا فقط موضوعا أو فضاء.

2- الزاك ككائن أنثوي: استعارة الأرض الأم

في كثير من النصوص، يلجأ إلى تأنيث المدن كمجاز عاطفي: بيروت عند نزار، بغداد عند السياب، تطوان عند محمد شكري. لكن "الزاك" عند محمود أبو القاسم هي الأم والأنثى والجسد المجروح في آن واحد. يقول مثلا:

"فكي ضفائرك يا ذات الجيد الطويل... فالفرق بين الرق والحرية رقصة وأصبُعان" (الزاك 21)

المقاطع هنا تقف على تخوم الشعر الغزلي والسياسي في آن واحد: فالرغبة في الإغواء الجمالي للمدينة تتقاطع مع إحساس عارم بالخذلان والخذلان المضاد؛ هذه مدينة تُحتضن وتُصفَع في الوقت ذاته.

هذا التوتر جعل الزاك تشبه في تشكيلها الروحي الجزائر عند الطاهر وطار، والدار البيضاء أو فاس عند أحمد المجاطي.

3- الزاك مقابل "وهران" ألبير كامو: العبث العادل في جغرافيا مدانة

تُحضر الزاك هنا، على مستوى المضمون، معنى "وهران" التي جعلها ألبير كامو في رواية "الطاعون" رمزا لمدينة معزولة موبوءة لا عدالة فيها.

لكن الفرق أن وهران كامو نسبيا محايدة أخلاقيا وإن كان يسودها غياب العدالة المطلقة التي يفرضها الطاعون، مما يجعلها تجسيدا حيا لفلسفة كامو عن العبث والصراع الإنساني في مواجهته، بينما زاك محمود مشبعة بإدانة أخلاقية واجتماعية وميتافيزيقية أيضا: "هذه المدينة تغسل بدماء أبنائها فناء الغرباء، ثم تمسح أقدامهم بالحناء" (الزاك 10)

وهران كانت تتعامل مع الطاعون ببلادة. أما الزاك فهي تتعاطى مع الألم برغبة في المحاسبة، بل بالمواجهة. وهذا يضع النص في دائرة ما يمكن تسميته بـ "التمرد البكائي" الذي يتجاوز العبث ليطال العدالة الغائبة.

4- شعرية الانهيار: كيف يُكتب الخراب بلغة طقسية

واحدة من الملامح اللافتة في بناء مشاهد الزاك، هو أنها لا تصرخ بالشتيمة المجانية، بل تعيد تفكيك المشهد بطقسية حزينة صارخة. وهذا مثال من "الزاك 17": "يتربص البؤساء بالبؤساء، وتحت ظلال سيوفهم يقضي اللصوص مآربهم سرا".

في هذه الجملة، يغيب الفاعل الكبير (من يمثل الدولة أو الطغيان) لتحل محله جريمة البعد عن الأخلاقي، وهذا يذكر بأسلوب ميشال تورنييه في "ملك الذباب"، حيث الفساد لا يصنعه الشر فقط، بل انعدام الوازع. فما يميز معالجة تورنييه للفساد هو أنه لا يقتصر على الشر الصريح أو النية الخبيثة بمعناها التقليدي. بل يبرز أن انعدام الوازع (أو غياب الموانع الأخلاقية والاجتماعية) يلعب دورا حاسما ومخيفا في تغذية هذا الفساد.

لغة أبي القاسم هنا، وإن نثرية، تعمل وكأنها تقرأ مناقب مقلوبة؛ تتحول المدينة إلى مقبرة جماعية للأخلاق، لا تعلن موتها، بل توثق بطريقتها مراسم الجنازة.

5- المدينة بين الماضي المتخيل والمستقبل المسروق

يتكرر خطاب الحنين للماضي النظيف، للماء الزلال، للتراب الطيب، لضحكة النسوة في الحقول، في عبارات تتسم بالشوق، مثل:

"هذه المدينة قبل الإعصار كانت فردوسا، فيها الطلح والعوسج" (الزاك 15)

"في هذه المدينة كان الناس يأكلون من ماعون واحد" (الزاك 18)

هذا التوق لا يستند فقط إلى تجربة حسية، بل إلى رغبة في اختراع ماض صالح يُضاد به قبح الحاضر. وهنا تلتقي مجموعة "يسألونك عن الأكاسيا" مع أعمال أدبية كبرى مثل:

- الخبز الحافي لمحمد شكري: الذاكرة المؤلمة لكنها صادقة؛

- القلعة لكافكا: حيث يغدو الحنين قناعا للرفض؛

- قاع الجرة لعبد اللطيف اللعبي: حيث الماضي ليس زمانا بل أمل لغوي. هذه الفكرة تلتقط جوهرا عميقا في المعالجة الفنية والرمزية للماضي.

6- تقنية التراكم كأداة تعبير لا فنيّة فقط

محمود لا يكتب مدينة واحدة، بل مدينة في 25 مرآة. كل نص موسوم بـ "الزاك" لا يكرر ما قبله، بل يبني حجرا جديدا في سردية الزاك. في "الزاك 4" مثلا، نسمع لغة صوفية مليئة بالتوسل اللغوي:

"ونشرب من ثَرّ السواقي مياه الهناء ... وتهدي لنا من مسام اليدين عطر القلوب ..."

لكن في "الزاك 10"، تقف اللغة على حافة الصخب السياسي:

"وفي جوف الحانات الليلية، هناك تباع أحلام وطن بتفاحتين ناضجتين وقارورة نبيذ معتق"

هذا التلون الممنهج يُحيل إلى تقنية التحول المونتاجي، المستخدمة في أعمال كلود سيمون، حيث الفقرة الواحدة قد تتنقل بين الوجد والعنف والإيمان دون سابق إنذار. فسيمون، لا يلتزم بالسرد الخطي التقليدي، بل يفكك الزمن ويعيد تركيبه بطرق تحاكي عمل المونتاج السينمائي.

هذا ونستنتج مما سبق أن:

- الزاك في المؤلف قيد الدراسة ليست فضاء، بل شريكا في الكتابة؛

- هي مرآة للوجدان، ووعاء للهوية، وصدى للمآسي التي يسقط فيها الناس بحكم "الاختيار المقهور"؛

- تتقاطع الزاك مع وهران كامو من حيث الوباء، لكنها تتجاوزها بتقديم شخصنة أخلاقية ومقاومة بلغة شعرية نثرية؛

- تبني الزاك سرديتها عبر تقنية التراكم لا الاتساق، وهو ما يجعلها أقرب إلى فسيفساء داخلية تنهار بهدوء مهيب.

المحور الثالث: المقامة والانكسار في "الأكاسيا": بين بلاغة السخط وسوسيولوجيا الحنين

1- مدخل: الكتابة من موقع الشاهد لا الواعظ

ليس النص عند محمود أبو القاسم محاولة لتجميل الواقع، ولا خطابا تهذيبيا إصلاحيا، إنه ينتمي لما يمكن تسميته بـالكتابة من الداخل المخلخل (هذه الكتابة لا تسعى إلى تقديم إجابات جاهزة، بل تضع الأسئلة، وتُظهر الشروخ في الروح البشرية، وتُؤكد أن الفن يمكن أن يولد من رحم الاضطراب، ليقدم رؤى عميقة عن الحالة الإنسانية في أقصى تجلياتها)، أي من موقع المجروح لا المجرب، من قلب الإحباط، لا من برج المراقبة الثقافي. فالأديب محمود يكتب لا لأنه يؤمن بفاعلية الكلمة، بل لأنه يعلم أن الصمت أخطر.

في فقرة من "كوابيس"، يكتب:

"هل أنمو ليلا في سريري؟ لا أدري، لكني كلما هممت بالوقوف صباحا، يرتطم رأسي بغطاء الكوخ."

هنا، الكوخ ليس مجازا، بل سقف واقع. والمقاومة ليست صراخا، بل فعل استمرارية تحت الإخفاق اليومي.

2- مفهوم المقاومة في "يسألونك عن الأكاسيا": من الجدار إلى مِلعقة الفول

في "فائض"، يكتب: "ما يزال في جعبتنا الكثير من الوداد ومن المداد، محابرنا معبأة بنسيم الخزامى وقناطير من شغف." تبدو هذه الجملة في ظاهرها تسلية نثرية، لكن تحتها تكمن استراتيجية عيش مضاد. فالمقاومة هنا لا تمس الحدود السياسية فقط، بل تمتد إلى التفاصيل اليومية:

- تجهيز الفول باليَنسون؛

- تلوين رسومات الطفلة بدل شراء العرائس؛

- تحويل شمعة إلى لحظة رومانسية بديلة عن فاتورة الضوء.

بهذا، نرى ما يسمى بـالاحتجاج الصامت، حيث الحياة البسيطة هي أكبر أشكال الرفض.

3- الانكسار كبلاغة لا كضعف

في "سامحوني إذا بدوت ضعيفا"، يقول: "أنا لا أبيع منشطات على الورق، ومحبرتي لا تمتهن التنويم المغناطيسي."

هنا تنقلب المعادلة: الضعف يصبح بيان صدق، لا اعتذارا. بهذا المعنى، يشبه كاتب "يسألونك عن الأكاسيا" ما يفعله جوناتان ليتل في رواية (الخيِّرات)، حيث يعترف البطل ماكسيميليان أوي بأحط أفعاله، لكن دون تزييف مشاعري. الضعف يصبح أداة كشف، لا ستر. كذلك، الانكسار ليس انهيارا، بل مرحلة انتقالية نحو وعي جديد. حين يقول:

"ليس للأقلام ذاكرة سمك !" (عناقيد الحصرم)

فهو لا يتبرأ من قلمه، بل يدافع عنه بأن له ذاكرة حية، ذاكرة لا تصفح بسهولة.

4- خطان متوازيان: نقد الداخل ومواجهة الخارج

المؤلف الذي بين أيدينا لا يقف على جبهة واحدة؛ بل يطلق نيرانه على عدة جبهات:

مثال من النص

الجبهة

 

"أمتطي صهوة قريحتي... أذكر محبرتي بأيام الشقاء."

الداخل المحبط

"هذه المدينة تزف اللصوص وتخنق البنفسج في المهد" (الزاك 10)

السياسي المتواطئ

"سأمحو من ذاكرتي مفاهيم الشؤم، وأرمم وجه أفكاري ببتلات البيلسان" (معطر الجو)

الموروث الثقافي

"ستنخفض هرمونات الذكورة تدريجيا حد الانقراض..." (تستوستيرون)

الذكورية المتنمّطة

هكذا يتحقق فعل المقاومة لا من فوق الخشبة، بل من تحتها. من دفاتر المدارس، وفتور الأسرة، وحوارات المقهى... مقاومة بالمبالغة الساخرة، لا بالمنشور الحزبي.

5- استراتيجية البلاغة: هجاء بالحنين لا بالكراهية

في معظم الأعمال التي تكتب من موقع الغضب، يسقط الكاتب في فخ الشتيمة أو التعميم. لكن أبا القاسم لا يسب الزاك ولا يلعنها؛ بل يعاتبها بنبرة المُحب الجريح. حتى حين يدين، فإنه يطلب الصفح.

في "الزاك 22": "فأعجز عن صد هواك، سهام العشق في ضلعي لا تبقي ولم تذر..."

وفي "الزاك 19": "لا عليك يا سيدتي، سيدندن عودك لحن الحب، وسيردد يوما ما أطفالك أنغام النصر، تلك وعود الله..."

إنها بلاغة العتاب الحليم، شبيهة بلهجة عبد الرحمن منيف حين كتب عن الخليج، أو الطاهر بن جلون عن المغرب العميق: المكان لا يُكفر عنه، بل يُطلب منه أن يعود لذاته.

6- من الحبة إلى الخرائط: تفكيك التسلط من البسيط إلى البنيوي

واحدة من التقنيات الذكية التي استخدمها الكاتب، هي نقل المعركة من مساحات السلطة العليا إلى الهوامش:

- من ومصلحة الكهرباء إلى "شمعة رومانسية"،

- من مجلس الأمن إلى "فص ثوم مع العدس"،

- من مراكز القرار إلى "مقهى فيه انقطعت خدمة الواي فاي"!

في "عطب في الواي فاي" يقول محمود: "لأول مرة منذ سنين كسرت السكر، وضعت الصمغ بقاع الكأس، استعملت الرابوز لأنفخ على الجمر..."

هنا، الانكسار لا يصنع قهرا بل يخلق عالما بديلا يعيد للمكان معناه، وللذات هيبتها. فالكرامة، برأينا، لا تحتاج إلى منبر، أحيانا، يكفي أن تصنع شايا على فحمك الشخصي لتؤكد أنك حي.

7- أي قناع للكاتب؟ المقاوم؟ أم المهرج؟ أم المُستتبَع؟

هنا موضع اشتغال عميق في "يسألونك عن الأكاسيا"، إذ يُمسرح الكاتب نفسه في أدوار متعددة:

- مرة هو الباكي المتوجع،

- مرة الشاعر العاشق،

- مرة الحكواتي،

- مرة المهرج السياسي الذي يفضح اللعبة ثم ينكفئ،

- ومرة هو الشاهد الذي "لا يحفظ الأجرومية" لكنه يفكك مؤسسة بأكملها بجملة متقنة من فرط البساطة.

هذا التعدد هو قناع تكتيكي، يقاوم الوصم ويهرب من التصنيف. كما قالت مارغريت دوراس في مؤلفها "الألم":

"حين يحاصرنا الحدث، لا نرد بالموقف، بل بالهزال."

الكاتب هنا لم يطلب وزارة، ولا عرشا أدبيا. هو فقط يريد أن يغلي ماء يكفي لصنع كوب شاي لابنته، دون أن يخاف انقطاع الكهرباء، أو هبوط سقف البيت، أو رقابة "مخبر في هيئة جدار".

المقامة هنا فعل عادي، لكنه حاد. الانكسار ليس سقوطا، بل شكل آخر للصمود. كل خبز يابس في هذا النص هو نشيد وطني مؤجل.

المحور الرابع: الشعر الكامن في "يسألونك عن الأكاسيا": ما بين قصيدة بلا وزن، وصوت له شتات النبوءة

1- مدخل: حين يتوارى الشعر ليتضخم أثره

لا يعلن محمود أبو القاسم نفسه شاعرا، ولا يضع القصيدة في عنوان فرعي يغري بالتصنيف، بل يكتب بـنَفَس شعري ناثر، لكنه نابض كمنشور سري في زمن الرقابة. مؤلفه لا ينتمي لجنس القصيدة التقليدية، ولا هو خواطر خفيفة؛ بل نصوص تكتب الشعر وتخفيه، تغني دون أن تمسك بالعود.

قال في "عناقيد الحصرم":

"أنا لا أركب الموج ! ومن يا ترى أحق بالإبحار، أنا أم بيت القصيد؟"

إنه سؤال يُظهر احترازه من النمط الشعري الجاهز، وافتتانه في الوقت ذاته بسلطة الشعر لا بشكله.

2- مظاهر الشعرنة في "يسألونك عن الأكاسيا": لغة الموج لا القالب

رغم أن المؤلف كتب نثرا، فإنه يستبطن عناصر القصيدة الحديثة في أربعة مستويات على الأقل:

المثال من النص

العنصر الشعري

"على هذه الأرض..."، يتكرر عشرات المرات بإيقاع تراكمي

التكرار البنيوي

"وحده الطبل ما زال يصنع مجد الأوغاد"

المفارقة

"الزاك أم مرضعة الأيتام، وذات جيد طويل كالحنظل الناعم"

المجاز المركب

"حين يقرر الليل الزحف أشتعل بأسبرين الحنين..."

الانزياح اللغوي

هذا الاستخدام يعيد للأذهان ما كان يفعله بول إيلوار في نصوصه اللاسطرية، أو صلاح عبد الصبور حين كتب "مأساة الحلاج" بلغة تتراوح بين الشعر المنثور والمسرح الشعري. لكن أبا القاسم لا يبتكر شكلا، بل ينحت روحه داخل اللغة ذاتها.

3- الإيقاع الداخلي: كيف تكتب قصيدة بلا وزن؟

في قصائد الأكاسيا، لا وزن عروض ولا قافية تلتزم، لكن نلاحظ إيقاعا داخليا يقوم على:

- التراكم الدلالي؛

- الانقطاعات الإيقاعية؛

- البناء النَفَسي المنثور (الفقرة التي تُختم بانفجار ثم صمت).

مثلا، في "بالعرض البطيء":

"لا تأتي فرادى، حلت جحافلها الخطوب... مهيض الجناح يا سرب القطا خذني معك."

الجمل القصيرة، والنهايات المفتوحة، كلها تسهم فيما يسميه أدونيس "الإيقاع الذي لا يسمع بل يحس"، وهو ما يظهر بكثافة في أجزاء "الزاك" و"الأنصاف" و"الميثاق".

4- قصائد الصراخ الخافت: الشعر كعزف داخلي على وتر الخيبات

هناك شعر في "يسألونك عن الأكاسيا" لكنه لا يُلقى، بل يغرس كالحطب في موقد الصمت. مثال من "خلف كواليس التسويد:" "كل حرف مدان حتى يثبت العكس... وتنسب أخطاؤك للكيبورد وحسن النية ودهشة البدايات."

هنا تتداخل لغة اليومي (الكيبورد) مع لياقة أدبية عالية، فيخرج النص شعرا متخفيا في هيئة مراسلة خائفة. يشبه هذا ما يفعله برنار نويل في ديوان، حيث تتحول الكتابة إلى نوع من التوتر الجنسي مع الحبر والصفحة.

5- من "آية" إلى "قسم" إلى "لوعة": شعر الوجد لا الغزل

رغم أن العديد من النصوص تحتوي إشارات إلى أنثى/حبيبة/وطن، فإن شعرية "يسألونك عن الأكاسيا" ليست غزلية بمفهومها الرومانسي، بل هي وجدية عرفانية:

- المحبوبة هي المدينة؛

- الغزالة هي الذكرى؛

- الشفتان هما نافذتان على الحرية المسروقة.

في "قسم"، يقول أبو القاسم: "وعدتكم وإن قلت عزائمكم، بفضل الله لم تبق لهم هِبَة... داستهم خيولكم في عقر الدار."

هذه القصيدة، رغم كونها من دون إعلان، تنتمي لبنية القصيدة النازلة، أي تلك التي تهوي من علياء الانكسار لتشد الناس إلى أمل خفي، بمعنى آخر هي القصيدة التي لا تُعلن انتصارا، بل تُفكك الهزيمة لتستخرج منها نواة مقاومة. لا تصرخ، بل تهمس بما لا يقال، وتراهن على الانفعال الداخلي لا الشعارات. وتشبه بذلك قصائد تميم البرغوثي في "ميجانا" و "يا راكبا"، والتي تبدأ من الانكسار، وتمرّ عبر الحنين أو الغضب، ثم تنتهي بأمل غير معلن، أمل لا يُصرّح به، بل يُلمَح بين السطور.

6- السخرية الشعرية: حين يصير الألم ضحكة لا تُضحِك

لا يمر القارئ على مقاطع مثل "ثورة العطش" أو "موسم البطيخ" دون أن ينفجر بضحكة مملوءة بالوجع. مثال: "كنت أعتقد أن لدي أذنا موسيقية... علمني موسم البطيخ الأخضر أن اختياراتي تفتقد الذوق الفني"!

هذا الخطاب الساخر لا يهدف إلى الإضحاك، بل إلى إظهار مدى تفاهة الألم حين لا يملك منبرا جادا. هنا، يتقاطع الأسلوب مع أحمد مطر، لكن دون شعارات. النكتة عند أحمد مطر ليست سلاحا بل سما يسال في وجه الواقع.

7- كيف تقرأ الأكاسيا كديوان؟

إذا قرأنا العمل كوحدة شعرية، يمكننا تصنيفه هكذا:

النوع الشعري المتضمن

القسم

 

اعتراف شعري ذاتي متوتر

من "عناقيد الحصرم" إلى "رتابة"

هجاء ساخر لشكل الحياة والمؤسسات

من "الصرار" إلى "وساوس"

تدرج شعري في خطاب العشق والرغبة والخذلان

من "الأنصاف" إلى "اختيار"

ملحمة شعرية غير موزونة لمدينة مستباحة

من "الزاك" إلى "الزاك 25"

بهذا، لا يمكن الفصل بين الشعر والنثر، لأن النَّفَس الشعري يتسلل بين الأصابع دون استئذان، ويضرب في أحشائنا على غفلة من التوقع.

في "يسألونك عن الأكاسيا"، لا نجد قصيدة بالمعنى المدرّس، ولا بيتا مغلقا بالقافية، لكننا نجد:

- نبضا يتحرك في جمل قصيرة أو فقرة تأمل؛

- لغة تنزف دون أن تحتاج لجناس وطباق؛

- وجدانا يقنعنا أن الحبر لا يحتاج إذنا ليكون شعرا.

المحور الخامس: السلطة والوعي في "الأكاسيا": تفكيك الكهنوت وتحرير الرموز من أسر الطاعة

1- حين تكون الكتابة وضوءا… لا امتثالا

في العالم الذي يتحدث عنه مؤلف "يسألونك عن الأكاسيا"، ليست القضايا الكبرى موضوعا لفخر لغوي أو لمنشورات تزيينية، بل هي ألغام يومية محاطة بشعر شفيف وهجاء ناعم السِّكين. من الدين إلى السياسة، من الوطنية إلى الذكورة، لا شيء فيه ما يظهر كما اعتدنا أن نراه؛ كل رمز يُمس، لا لتهديمه، بل لإعادة النظر فيه... كما فعل إدوارد سعيد عندما أعاد تأويل "الشرق" كصناعة أدبية عندما قام في كتابه الرائد "الاستشراق" بتحليل نقدي عميق لكيفية بناء "الشرق" في المخيلة الغربية. لم يقل سعيد إن الشرق غير موجود جغرافيا، بل جادل بأن "الشرق" الذي نعرفه في الخطاب الغربي هو في الأساس "صناعة أدبية" (أو خطابية/معرفية)، أو كما فعل عبد اللطيف اللعبي حين خاض معتركا نقديا وأدبيا ضد مفهوم "الوطن الأيقونة" أو المقدس الذي لا يُمس، ففي "يوميات قلعة المنفى"، وهي رسائل كتبها من السجن، يربط بين حب الوطن الحقيقي و"الحق في نقده"، بل ويعتبر أن الكتابة عن الوطن من موقع الألم والخذلان هي أصدق أشكال الانتماء. وهذا ما فعله بحرفية عالية أديبنا أبو القاسم في الجزء الأخير المخصص لمدينته الزاك.

2- تفكيك النسق الديني: صلاة المجاز، وخيانة المئذنة

في أكثر من موضع، يوظف المؤلف الرمز الديني لكن لا لخدمته، بل لكشف مفارقاته. في "الزاك 12": "تسجد لكل صنم يمتلك الدولار… تقدم لكل إمام ظالم مأدبا ورواتب… وتزوده بلاقط صوت ذهبي على المنبر."

هنا، لا تُهاجَم العقيدة، وإنما تُفكك البنية الدينية حين تُختطَف من قبل النظام المادي والسياسي، لتصبح غطاء للفساد. الكاتب لا يقول "الدين سُرِق" — بل يريك كيف المنبر نفسه يُسوَّق كصفقة تجارية.

وهذا قريب مما فعله جبران حين كتب في "المواكب":

 "الدين في الناسِ حقلٌ ليس يزرعهُ * غيرُ الأولى لهمُ في زرعهِ وطرُ ...

كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهمْ * إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا"

فجبران لا يهاجم الدين أو الوطن في جوهرهما، بل ينتقد استغلالهما لتخدير الناس، وتحويلهما إلى أدوات للهيمنة. واضح ومباشر في نقده للتدين القائم على المصالح والمخاوف الدنيوية، لا على الجوهر الروحي الخالص. وهو يؤكد فكرة أن الدين الحقيقي، في رؤية جبران، لا يحتاج إلى "منبر" بالمعنى المؤسسي.

لكن أبا القاسم لا يكتب بالشعارات، بل إنه يوزع هذا النقد بين كنايات صغيرة ومشاهد محليّة ضاحكة ومحرجة في آن.

3- الدين بوصفه غيابا أيضا: استحضار الغيب حين يغيب العدل

في “هدنة إنسانية”، يكتب: "في كل منا خاصرة رخوة، وبين ضلوعك وضلوعي ينزف أسرى حرب ينتظرون الصفقة بشغف"…

تقدم هذه الفكرة رؤية عميقة للدين لا بوصفه مجرد منظومة طقوسية أو عقائدية ثابتة، بل كـغياب يتجلى عندما يغيب العدل في الواقع المعيش. إنه مفهوم يربط الدين باللجوء إلى الغيب، إلى عالم ما وراء المادي، كملجأ وحيد حين تفشل الأنظمة البشرية في تحقيق العدالة، وحين يصبح الظلم طاغيا. في هذه الحالة، يتحول الإيمان بالغيب إلى شكل من أشكال المقاومة الوجودية، حيث تُعلق الآمال على قوة عليا أو نظام كوني يعيد التوازن المفقود، لأن الأرض لم تعد توفره. أجل، هنا، لا توجد صلاة، ولا فتوى، بل لغة اتفاقية هشة مليئة بالتوسل والبند الإنساني. الدين يحضر لا كعقيدة، بل كموروث لغوي مألوف، كما لو أن الكاتب يقول: "نكتب اتفاق هدنة حتى لا تنهار الأرواح، ولو لم يُوقَّع."

وهذا النزيف المتواصل بين الضلوع يرمز إلى جرح العدالة الغائبة، مما يدفع الأفراد إلى استحضار الغيب كشكل من أشكال البقاء الروحي، وربما الأمل الوحيد المتبقي.

وهذا يُحاكي أسلوب الفرنسي الجزائري ياسمينة خضرا (الاسم الأدبي لمحمد مولسهول) في “Ce que le jour doit à la nuit”، حيث الاستعارة الروحية تحل محل التأويلات اللاهوتية. خاصة في علاقة البطل يونس بالهوية، بالحب، وبالجزء المظلم من التاريخ، تُقدم كبديل عن الخطاب اللاهوتي أو العقائدي المباشر.

4- سؤال "الذكورة" وأفول الرجولة

في قصيدة "تستوستيرون"، يرسم الكاتب صورة كاريكاتورية لعالم قادم تنقلب فيه مفاهيم الجمال والرجولة:

"ستنخفض هرمونات الذكورة تدريجيا حتى الانقراض، وتمارس جهارا كل الطقوس السرية… وستقام مسابقات لألمع ثغر بصيغة المذكر"…

هذا الهجاء لا يندرج تحت مفاهيم الفحولة التقليدية، بل يعري انهيار منظومة المفاهيم دون أن يعلن الحنين إلى الرجعية. ليس النص ضد التحولات بحد ذاتها، بل ضد اللعب المزيف بها، حين تُستخدم كسلطة لا كحق.

هذه الروح قريبة مما نجده عند محمد شكري، لكن بخطاب أقل تهتكا وأكثر سخرية، حيث تتداخل العبارات القومية بالرطانة البيولوجية، لينكشف المشهد كما لدى بول نيزان الذي كان يهاجم بشراسة أولئك الذين يستخدمون اللغة والفكر كأدوات لتجميل القبح وتبرير الهيمنة.

5- الوطنية المسروقة: من "الوطن" إلى حفلة تنكرية

من النصوص اللافتة في هذا الباب: "الزاك 10، الزاك 13، الزاك 20"، حيث تنتقل "الوطنية" من فضيلة إلى سلعة موسمية تباع مع الخبز والمراسيم. في "الزاك 13" يقول أبو اقاسم: "يصومون استعدادا لازدراد الأخضر واليابس… يخبئون سياراتهم في المرائب ليندسوا وسط طابور المعدمين."

هؤلاء لا يجسدون خيانة واعية، بل يؤسسون لجمهورية الرياء الطقوسي. أما الكاتب، فلا يجالسهم بالنقد الجاف، بل يرمي عباراتهم بحصى النبل الذي خدش. يشبه هذا مواقف عبد الرحمن منيف في "شرق المتوسط"، لكنه بلغة أقل تعقيدا، وأكثر قربا من الشارع المحلي.

6- اللغة السياسية في "يسألونك عن الأكاسيا": بيان لا يُذيل بتوقيع

في عدة مقاطع، تتحول اللغة إلى بيانات صغيرة غير موقعة. لا يكتب الكاتب "بيانا وطنيا"، بل يترك جملا كأنها صادرة عن شعب غاضب، لكنها حائرة:

"هذه المدينة تصدر فيها الفتوى بتحريم الرقص، لتنقل كل أنشطتها إلى مشارف المدن الساحلية." (الزاك 10)

"على هذه الأرض، كل من يطالب بالحق يُستبدل بفأر يتلون كلما مر رأس السلطة !" (الزاك 16)

هذه العبارات تشبه ما نسميه بـ "الشعر السياسي المُقنّع"، وهذا ليس مجرد حيلة بلاغية، بل استراتيجية وجودية في مواجهة القمع، حيث تتحول الاستعارة إلى درع، والشخصية المتخيلة إلى قناع يقول ما لا يُقال، حيث الفكرة لا تُقال مباشرة، بل تُلقى في فم شخصية أو بين ضلوع استعارة. إنه توظيف لما سماه عبد اللطيف اللعبي في "Le Fond de la jarre":  "القول الذي يمر من تحت الطاولة، لأن فوقها سوط لا يُرى."

لماذا اعتمد محمود هذا الشكل؟ لأنه: يحمي الشاعر من بطش السلطة، يمنح القارئ دورا تأويليا، فيصبح شريكا في كشف المعنى، يُبقي القصيدة حية، قابلة للتأويل في كل زمن...

ففي العمق، هذا النوع من الشعر لا يهرب من السياسة، بل يخفيها كي يحميها. إنه فن التهريب الجمالي، حيث تمر الحقيقة في جيب القصيدة، لا على لسانها.

7- المدينة بوصفها منفى لغوي

في كثير من الأحيان، يغدو المكان نفسه حاملا لخيبة الإيديولوجيا:

- "الزاك" مدينة فاقدة للمرجعية الدينية الصافية؛

- و "الزاك 24" تنهي كل شيء بجملة: "لعينيك أعتذر، فزادي أضعف الإيمان."

هذه مفارقة دينية سياسية أخلاقية: الاعتذار لا يقدم للرب ولا للمسؤول، بل للمدينة، للعين، للحياد الداخلي الذي حطمه الجميع.

8- رمزية الرمز: انقلاب مفردات الخير إلى أدوات قمع

أحد أبرز ملامح هذا المحور هو توظيف المفردات الإيجابية كدليل على العطب:

السياق المقلوب

المفردة

 

يُباع بالخطب والتنظير والعلف

الوطن

تُصنع على مقاس السياسة

الصلاة

يقطعه "مدير النور" إذا لم تُدفع الفواتير

الضوء

يتحول إلى مقياس للثورة! ("رأس أتاي")

الشاي

بهذا، تتحول مجموعة التأملات هاته التي بين أيدينا إلى نص يفضح الاستخدام المصلحي للرموز. النص لا يهينها، بل يسترجعها إلى مقامها الإنساني.

في هذا المحور، لقد رأينا كيف أن مجموعة "يسألونك عن الأكاسيا":

- تُفكك الخطاب الديني حين يختطف؛

- تُدين الذكورة حين تستدعي نفسها بصورة تافهة؛

- تُعري الوطنية حين تنزوي خلف المراسيم؛

- وتمنح اللغة وظيفة سياسية لا شعاراتية: تُبلل الخبز، تغني، وتبكي دون أن ترفع صوتها.

المحور السادس: "يسألونك عن الأكاسيا" نص الكل: بين السيرة المقنعة، والانتماء الهامس، والتأريخ من الهامش

1- تمهيد: حين تكتب الذات بغير اسمها

ليس "يسألونك عن الأكاسيا" ديوانا شعريا، ولا مجموعة خواطر، ولا دفتر تأملات فحسب، إنها، في جوهرها الأعمق، كتابةٌ عن الذات بما يشبه السيرة، لكن دون أن تعلن "أنا فلان، هذه حياتي."

بل إن محمود يكتب ذاته كما تكتب المدينة ظلها: صامتة حينا، صادحة حينا، حادة أحيانا، مشوشة غالبا، لكنها دوما... حية. بحيث يتقاطع هذا النهج مع ما يسميه نقاد فيليب لوجون "السيرة الذاتية دون عقد" فلوجون قد دعا بـ "الميثاق الأوتوبيوغرافي" وهو اتفاق ضمني بين الكاتب والقارئ بأن ما يروى هو حياة الكاتب الحقيقية، وأن اسم المؤلف = السارد = الشخصية الرئيسية، من قبيل هؤلاء النقاد نجد مثلا سيرج دوبروفسكي (Serge Doubrovsky)، الذي صاغ مصطلح (autofiction) عام 1977، ليصف الكتابة الذاتية بأنها لا تلتزم بميثاق الحقيقة، بل تمزج بين الواقع والتخييل.

2- فصول من حياة بلا فصل: أين تبدأ السيرة؟

لو أردنا أن نستخرج فصول "السيرة" في "يسألونك عن الأكاسيا"، لوجدناها موزعة في مفاصل كثيرة، منها:

- الطفولة المهجّنة: في "عمامة"، تظهر شذرات شخصية لا ترتب نفسها وفق العقد النفسي النمطي، بل تترك أثرها من خلال اللباس والمهن والألفة: "أنا رجل مبعثر كمنظر دولابي... شرقي بلا كوفية، وعمامتي السوداء ليست عقدية بل لتفادي النشرات الجوية."

- التعليم وكسر التعلم: في "مكتب الضبط" و"خلف كواليس التسويد"، يرسم الكاتب صورة مريرة لعلاقته بالبيروقراطية والمعرفة الرسمية: "كل شيء يجب أن يمر من المكتب… حتى البسمة."

- الخذلان العاطفي والوجداني: في "الأنصاف"، و "لا وقت لدي للتغزل"، و"بالإكراه"، يقدم لنا الأديب هشاشة رجل يرى في العشق انكسارا لا يحتاج لصراخ.: "أنا لا أقنع بالأنصاف… ما ذنبي حين أكون طماعا؟"

وكلها مداخل لقراءة تجربة ذاتية لا تنحصر في مذكرات صريحة، بل تتفكك داخل اللغة، كما يتفكك الخبز في ماء العدس.

3- سيرة جماعية بصوت فردي

ما يجعل من "يسألونك عن الأكاسيا" نصا فريدا هو أنه: يكتب الفرد، لكن بصوت الجماعة، ويكتب الجماعة، لكن بمرآة الذات.

في "الزاك "، رغم أن المدينة موضوع النص، فإن ملامح السارد تتسرب في كل منعطف: هو الغاضب، والمصلي، والساخر، والأب، والتلميذ المطرود، والحبيب الذي لم يفز بكأسه بعد.

ولذلك يمكن تشبيه "يسألونك عن الأكاسيا" بما ذهب إليه إدريس الشرايبي في :"Le Passé Simple"السيرة الفردية التي كتبها كل مجتمع، دون أن يرفع القلم. فالبطل في تلك الرواية لا يروي ذاته فقط، بل يفكك المجتمع من خلال ذاته، وكأن المجتمع هو من كتب هذه السيرة فيه، لا العكس.

4- جمالية الخلل: لماذا لا يكتمل مؤلف "يسألونك عن الأكاسيا"؟

عبر قراءة الفهرس، نلاحظ أمرا لافتا:

- لا تسلسل منطقي في المواضيع؛

- بعض العناوين تبدو مشوّشة (مثلا: "قسم"، "يم"، "بون")

- الزاك تتوزع على 25 فصلا لكنها غير مرقمة أو مرتبة زمنيا؛

- النبرة تتغير من الغزل إلى الخطاب السياسي إلى الميتافيزيقي.

لكن هذا كله ليس ضعفا، بل إنها بلاغة الخلل، فكما كان يقول أحمد بوزفور في وصف كتابات "الاسترسال"، حيث المتاهة جزء من المتعة، والتبعثر شرط للرؤية. فقد عبر بوزفور عن هذا المعنى في أكثر من موضع، وإن بصيغ مختلفة، مثل قوله في أحد حواراته: "أنا مهووس بأدب الكاش كاش، أدب اللعب. مهووس بالمعنى الذي يتحول كالجني بين الأشكال والسياقات. ولا تكاد تقبض عليه حتى يتفلت."

لنقر، نحن هنا أمام مؤلَّف لا يريد أن يرضي لجنة نقدية، بل ضميرا مكسورا يريد أن يفهم نفسه. إنه أقرب ما يكون إلى "اللامنتهي الدلالي" عند بول ريكور، الذي يقوم على فكرة أن النص لا يستنفد معناه، بل ينفتح على سلسلة لا تنتهي من التفسيرات الممكنة، بفعل غموضه، رمزيته، أو كثافة معانيه.

فالخلل البلاغي، بما يحدثه من انزياحات وانكسارات، هو أحد أبرز أسباب انفتاح الدلالة واستعصائها على الحسم، أي أنه يغذي اللامنتهي الدلالي ويعززه. فكلما ازداد "الخلل" الفني أو البلاغي، ازدادت الحاجة إلى التأويل، وازدادت احتمالات الفهم.

في "يسألونك عن الأكاسيا"، لا يستقر المعنى في نقطة واحدة، بل يظل قابلا للتأويل والانفلات. إن الخلل هنا ليس عيبا شكليا، بل إستراتيجية لإبقاء اللغة حية، مترددة، غير قابلة للاستهلاك أو الحسم.

 5- البعد المكاني : "فضاءات غير مُسمّاة" تستبطن الجنوب وتومئ إلى الحاضرة

رغم أن اسم "الزاك" هو الإشارة الجغرافية الوحيدة التي وردت صراحة في الكتاب، فإن باقي النصوص تنسج حضورا مكانيا ضمنيا ومتشظيا، يتوزع بين أجواء الجنوب المهمش وملامح بيئة حضرية تعليمية توحي بانتماء ثقافي متعدد الطبقات.

في أحد النصوص، يكتب: "هنا الزاك، حيث الضجيج يختلط بتراب لم يبلله المطر إلا قليلا..."

لكن الأهم من هذا التعيين، هو أن اللغة نفسها مشبعة بإحالات مكانية غير مباشرة: مفردات مثل "الفخار"، "المدرج"، "الحجرة"، "القسم"، و"الطباشير"، تحيل إلى فضاء تربوي حضري، مرتبط بذاكرة المدرسة، أي فضاء مدني أو شبه مدني.

في المقابل، كلمات مثل "كحل العيون"، "التوب"، "النكاح"، "الساقية"، "الشرب من الطاس"، تحيل إلى بيئة صحراوية أو شبه قروية، حارة، شفهية، تقليدية.

هذا التوتر بين الفضاءين (المدينة/الجنوب) لا يُحسم في النص، بل يُترك معلقا، وكأن الكاتب نفسه لا "يسكن" مكانا، بل يتنقل عبر خريطة داخلية لغوية، تحضر فيها المدن لا كوقائع، بل كاستعارات حية.

هذا الانشطار الجغرافي يذكرنا بما فعله إدريس الخوري في مجموعاته مثل "مدينة التراب"، حيث لا تُكتب المدن بوصفها خلفيات، بل بوصفها ذوات تتكلم. لا يختارها الكاتب، بل تختاره. وهكذا نجد أن محمود أبو القاسم، مثل الخوري، لا يكتب عن المدن، بل يكتب من داخل أثرها عليه، حين تفرض عليه لهجتها، إيقاعها، وحتى صمتها. فهو لا "يسكن" مكانا بل يتنقل عبر خريطة داخلية لغوية، تجد صداها في كل من أبي القاسم والخوري. كلاهما يكتب من داخل أثر المكان عليه، لا عن المكان بوصفه معطى خارجيا. وهذا هو القاسم المشترك بين نصوصهما: كثافة شعورية ومكانية تتجاوز الجغرافيا نحو استعارة الذات.

6- حبر العارفة: من التكتم إلى المكاشفة

في يسألونك عن الأكاسيا، لا تُكتب "الأنا" بصوتٍ جهوري، بل تتسلل عبر نبرة خافتة، كأنها تخشى أن تُفصح أكثر مما ينبغي. هذه الكتابة لا تبدأ بالبوح، لكنها تتهيأ له، وتُراكمه في طبقات من الحياء والمواربة، حتى تنفجر في لحظة صفاء داخلي. في نص "لملمني" مثلا، نقرأ: "طر بي أيها البلشون حيث تريد، فقد بلغ الشوق النصاب، أسكني وإياك بعيدا عن مخالب الوجع"...

هذا المقطع ليس مجرد اعتراف عاطفي، بل إعلان هشاشة ناضجة، تدرك أن البوح ليس ضعفا، بل ضرورة وجودية. الكاتب هنا لا يتحدث من موقع الناقد أو المراقب، بل من موقع طفل يطلب حضنا. إنه ينسحب من صخب الحاضرة إلى لغة الطير، إلى استعارة البلشون، كأنما يبحث عن مأوى في الخيال حين تضيق به الجغرافيا واللغة معا.

القصيدة هنا لا تصرخ، بل تهمس بما لا يقال، وتراهن على الانفعال الداخلي لا على البلاغة الخطابية. إنها كتابة عارفة، لا لأنها تملك الحقيقة، بل لأنها تدرك حدودها، وتكتب من داخل جرحها لا من فوقه.

وهذا ما يتقاطع مع ما يقوله مريد البرغوثي في "غربات" من مجموعته "رأيت رام الله" وهي بيوغرافيا ومذكرات: "الشاعر يجاهد ليلفت من اللغة السائدة المستعملة إلى لغة تقول نفسها للمرة الأولى، ويجاهد ليفلت من أظلاف القبيلة، ... فإذا نجح في الإفلات وصار حرا، صار غريبا."

في هذا السياق، الحرية الشعرية لا تعني الجهر، بل الغرابة، غرابة اللغة التي تبوح دون أن تفضح، وتقول دون أن تصرخ. كلا الكاتبين، أبو القاسم والبرغوثي، يكتبان من حافة اللغة، لا من مركزها، ويجعلان من الحياء بلاغة لا ضعفا، ومن المكاشفة المؤجلة قوة لا ترددا. البلشون عند أبو القاسم، و "الجسر" عند البرغوثي، كلاهما رمز للعبور المؤجل، للحنين الذي لا يكتمل، وللرغبة في حضن لا توفره المدن.

7- "يسألونك عن الأكاسيا" في المشهد المغربي: هل من نظير؟

هذا العمل الذي بين أيدينا لا يشبه الأعمال المغربية الكلاسيكية. لا يتبنى لغة الخبز الحافي ولا صرامة أحمد المديني، لا يغازل القصيدة كما فاطمة الزهراء العلوي، ولا يحاكي المعمار الروائي لأمين الزاوي.

وإنما هو أقرب إلى أن يكون وثيقة روحية لغوية قادمة من الجنوب، تحفر في الخاص لتقول العام، بلغة "الكاريزما الهامسة" التي لا تحتاج للتضخيم.

المؤلف، بهذا المعنى، يشبه ما يمكن تسميته بـ "أخلاقيات الكتابة المنعزلة عن السوق والتصفيق" عند فؤاد العروي. أي: أن الكاتب الحقيقي، حسب العروي، لا يكتب لإرضاء جمهور أو سلطة، بل ليقول ما يجب أن يقال، حتى لو لم يُسمع. والكتابة لا تتطلب موافقة، ولا تصفيقا، بل طريقا غير معبد تمشيه وحدك حتى تصل.

الخاتمة: "يسألونك عن الأكاسيا"… الشجرة التي لا تنحني للريح

"يسألونك عن الأكاسيا"… فلا تجبهم بسؤال، بل افتح الكتاب. فيه كل ما في فنجان الصبر من مرارة، وكل ما في الحنين من ندى. ليس مؤلفا، بل حالة، ليس شعرا، بل نفسا شعريا، ليس سيرة، بل نصا كائنا يسير في الأسواق ويعرف الأخبار ويأكل العدس بالثوم ويصلي بصوت منخفض.

وفي زمن باتت فيه الكتب "علب سرد"، فإن مؤلف المبدع أبي القاسم شجرة لا تقلم، لا تهذب، تنمو كما هي، حتى لو بدت متوحشة. وما عساي أقول في الختام، إلا أني وجدت في هذا المجموعة ما لم أجده منذ زمن: أديبا أصيلا لم يكتب للقراء، بل كتب لكيلا ينفجر.

لائحة المراجع والمصادر المعتمدة في الدراسة النقدية

أولًا: المراجع الأدبية الفرنسية والعالمية

المؤلف

العنوان

الناشر

سنة النشر

Albert Camus

La Peste (الطاعون)

Gallimard, Paris

1947

Albert Camus

Le Mythe de Sisyphe (أسطورة سيزيف)

Gallimard, Paris

1942

Alain Robbe-Grillet

La Jalousie (الغيرة)

Éditions de Minuit

1957

Maurice Blanchot

L’Espace littéraire

Gallimard, Paris

1955

Jonathan Littell

Les Bienveillantes (الخيّرات)

Gallimard, Paris

2006

Philippe Lejeune

Le Pacte autobiographique

Seuil, Paris

1975

Paul Ricœur

Temps et récit (I, II, III)

Éditions du Seuil

1983–1985

Michel Tournier

Le Roi des Aulnes (ملك الغابة)

Gallimard, Paris

1970

Bernard Noël

Le Château de Cène

Union Générale d’Éditions

1969

Yasmina Khadra

Ce que le jour doit à la nuit

Éditions Julliard

2008

Marguerite Duras

La Douleur

POL Éditeur

1985

Paul Éluard

Capitale de la douleur

Gallimard, Paris

1926

ثانيًا: المراجع المغربية والعربية المعاصرة

المؤلف

العمل أو المجال

الناشر

سنة النشر

محمد شكري

الخبز الحافي

دار الساقي

1982

عبد اللطيف اللعبي

Le Fond de la jarre  (قاع الجرة)

Éditions de l’Aube

2003

عبد الرحمن منيف

شرق المتوسط

المؤسسة العربية للدراسات

1975

إدريس الشرايبي

Le Passé Simple

Éditions Denoël

1954

إدريس الخوري

المدينة والذاكرة: مجموعة قصصية

دار الآداب

تواريخ متفاوتة

الطاهر بن جلون

Cette aveuglante absence de lumière

Gallimard

2001

تميم البرغوثي

ميجانا، يا راكبا

الأداء الشفهي والمقروء

---

أدونيس

الثابت والمتحول

دار الساقي

1974 -2002

صلاح عبد الصبور

مأساة الحلاج

الهيئة المصرية العامة للكتاب

1964

أحمد بوزفور

نصوص استرسال وقصص قصيرة

منشورات وزارة الثقافة المغربية

---

عبد الفتاح كيليطو

القارئ والنص، الغريب

دار توبقال

1985–2010

ثالثًا: المراجع المفاهيمية والنقدية

إدوارد سعيد

الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب

دار الكنوز الأدبية

1991

بول نيزان

Les Chiens de Garde

Éditions Rieder

1932

محمد برادة

أسئلة الرواية

المركز الثقافي العربي

1990

فؤاد العروي

Le drame linguistique marocain

La Croisée des chemins

2011

المؤلف

العمل

الناشر

سنة النشر