حين اخترتُ اليسار حريةً وتمردًا - نص: الشرقي لبريز

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

منذ أن أبصرتُ النور، كنتُ أمضي في طريقٍ خطّته لي يدُ أبي، وتوارثته خطوات من سبقوني، حتى صار كالنهر الذي يعرف مجراه قبل أن يصل إلى مصبّه. كان طريقًا يبدو واضحًا، مطمئنًا، تحرسه أعراف الجماعة، وتدعمه ذاكرة القبيلة، فأمضي فيه كما تمضي الطيور في سربٍ لا يتساءل عن اتجاه الريح.

كبرتُ شيئًا فشيئًا، ومعي كبرت الأسئلة التي لم يكن لها صوت. كنتُ أسير، لكن داخلي كان يقف عند كل منعطف، يتأمل ولا يجيب. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه مجرد عابرٍ للطريق، بل صرتُ واقفًا أمامه.

كان هناك مفترق. طريقٌ إلى اليمين، مألوفٌ كبيتٍ قديم، دافئٌ كعاداتٍ لا تُسأل، مريحٌ لأنه معروف. وطريقٌ إلى اليسار… لم يكن مجرد مسارٍ آخر، بل كان فكرةً تمشي على الأرض، ونداءً لا يُسمع بالأذن بل بالوعي. كان يسارًا فكريًا يتشكل كولادةٍ جديدة داخل العقل، كخروجٍ من ضيق التلقين إلى اتساع السؤال.

كان اليمين يشبه حضن القبيلة؛ يطمئنك لأنه يعرفك مسبقًا أكثر مما تعرف نفسك، لكنه في الوقت ذاته يطلب منك أن تبقى كما أنت، بلا تغير، بلا اهتزاز. أما اليسار، فكان يشبه نافذةً تُفتح على رياحٍ لا تُشبه ما اعتدتُه، رياحًا تحمل معنى مختلفًا للحرية؛ حرية أن أفكر، أن أختبر، أن أختلف، أن أتمرد على ما يُقدَّم لي كيقينٍ جاهز.

وقفتُ طويلًا بينهما. لم يكن الصراع بين طريقين فحسب، بل بين صورتين لي: أنا كما أرادني الآخرون، وأنا كما يمكن أن أكونه إذا سمحتُ لنفسي أن أسأل.

كان صوت القبيلة في داخلي هادئًا لكنه حازم، كحكمةٍ قديمة تقول: “لا تخرج عن المألوف، فالطريق وإن كان ضيقًا فهو آمن”. وفي الجهة الأخرى، كان صوت اليسار لا يصرخ، بل يهمس… همسُ فكرةٍ تعرف أنها لا تُفرض، بل تُكتشف. كان يقول لي إن الحرية ليست خروجًا على الجميع، بل خروجٌ أولًا من داخل الخوف.

لم يكن اليسار الذي أمامي مجرد انحيازٍ فكري، بل كان تمرينًا على التحرر من سلطة العادة، ومن قداسة ما يُقال فقط لأنه قيل كثيرًا. كان تمردًا هادئًا على القطيع، لا رغبةً في كسره، بل رغبةً في رؤية الطريق من زاويةٍ أخرى، بعينٍ لا تخاف السؤال.

ثم جاء القرار.

لم أختر اليسار كعداءٍ لليمين، بل اخترته كامتدادٍ لنفسي التي بدأت تنضج خارج القوالب. اخترته كمن يفتح بابًا في جدارٍ طويل، لا ليهدم الجدار، بل ليرى ما وراءه من أفقٍ لم يُجرَّب بعد. كانت خطوتي الأولى فيه أشبه باعترافٍ داخلي: أنني لستُ نسخةً مكتملة مما ورثت، بل كائنٌ ما زال يتشكل.

ومع كل خطوةٍ في ذلك الطريق، لم أكن أبتعد عن القبيلة بقدر ما كنت أقترب من ذاتي. كانت الأسئلة تتكاثر، لكن الغريب أنها لم تُتعبني، بل أحيَتني. صار الفكر مساحةً للحرية، وصار الاختلاف احتمالًا جميلًا، وصار التمرد ليس هدمًا، بل إعادة بناءٍ أعمق للمعنى.

وهكذا أدركتُ أن المفترق لم يكن بين طريقين فقط، بل بين حالتين من الوعي: وعيٍ يُسلّم بما ورثه دون مساءلة، ووعيٍ يجرؤ على أن يسأل حتى عن الطريق نفسه. وفي ذلك اليسار، لم أجد نهاية، بل وجدتُ بدايةً لا تشبه أحدًا سواي.