"هذه أرضنا يا أبي، هذه مرابعنا، هذا حقلنا وهذا كوخنا، هذه طفولتي وذكرياتي...لا أريد أن أترك كل شيء وأرحل"...ظل الفتى يبكي ويستغيث وهو يتعثر خلف والده الذي يمشي مصمما دون أن يصغي لنداءات صغيره، يقوده قلبه المنفطر حزنا وألما. يحث الخطى محكما شد يده الغليظة على معصم الطفل الذي لم ينقطع عن البكاء منذ انطلقا، ودموعه المنهمرة تغسل وجهه الصغير وتزيل ما علق بهما من القذى وتنزع بقايا النوم من مآقيه. دموعه الغزيرة حجبت عنه رؤية الطريق أمامه وحرمته من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على كوخهم الذي ولد فيه منذ سبع سنوات ودرج في ساحته وتنشّق روائح أزهار اللوز والزيتون والسرو وتعطر بطيبها. دموعه المنهمرة حجبت عنه رؤية أثار أقدامه فوق هذه التربة الناعمة.
رجل تصميم والده، وذو صبر وبأس شديدين. إذا قرر أمرا فلا يردعه عنه رادع. يُقصي إمكانات فشله ولا يأبه لخساراته. يمضى نحو غايته بلا تردد، يسلك الطرق الوعرة والموحشة دون خوف كأن بين جنبيه قلبَ أسد. يجدُّ في السير الآن بقامته المديدة وكتفيه العريضتين أمام ابنه الصغير. يمسك بإحدى يديه صرة لا أحد يعلم ما بداخلها، ويشد بالأخرى معصم ابنه ويجره وراءه دون أن يلتفت إلى دموعه، ودون أن يصغي إلى توسلاته. ولم يفلته إلا بعد أن قطعا مسافة طويلة وأدرك أن لا مهرب للفتى سوى اللحاق به. أنسته وحشةُ الطريق وقسوةُ والده البكاءَ.
مراوحا بين الهرولة والجري واللهاث كان الفتى يتبع والده. ولم يجد سبيلا لنسيان ألم اللحظة سوى بالارتماء بين أحضان الماضي مثلما كان يرتمي بين أحضان والده العائد من رحلات صيد محمّلا بما يتمكن من قنصه من طيور وأرانب برية. ما أجمل تلك اللحظة التي يطل فيها والده من بين الأشجار بطوله الفارع وهو يعلق البندقية على كتفه، وقد شد إلى نطاقه صيده الثمين، فيجرى الفتى نحوه وقد تعلقت نظراته بتلك الكائنات الضعيفة التي تتدلى أجسادها الصغيرة فترتطم رؤوسها بفخذ والده. يجري ويداه تلوحان في الفضاء فيكاد يمسك بالهواء في فرح طفولي غامر. يجري نحو والده تاركا خلفه والدته التي تظل تحرسه بقلبها وتسنده بدعواتها له حتى لا يتعثر ويسقط. وعندما يدنو كل منهما من الأخر يغرس الأب ركبتيه في التراب ويفتح ذراعيه مغريا الصغير بالوصول إلى حضنه فتتسع خطواته حتى تكاد رجلاه لا تلامسان التراب كطائر صغير يتدرب على الطيران. يحمله والده بعد أن يغمر كل منهما الآخر بالقبلات ويعودان إلى الكوخ فينعمان بطيب العيش.
ظل الفتى يلوك سؤاله الذي أطبق عليه "إلى أين تمضي بنا يا والدي؟" وظل السؤال معلقا بلا جواب. وأدرك الصغير بحدسه أن رحيل هذه المرة يختلف عن رحيل كل المرات السابقة. لا يذكر أن والده دعاه يوما للسفر معه. يكتفي بوداعه ويمضي. سفر هذه المرة يبدو بلا عودة، فقد رأى والده منذ الفجر وهو يجمع ما في الكوخ في أكياس بلاستيكية ويطمرها في حفرة عميقة أمضى شطرا من الليل في إعدادها...عليه أن يصمت ويكف عن البكاء ويحبس دموعه. وعليه أن يئد السؤال الذي ظل يحاصره ويعصف بطفولته. عليه أن يسلم دفة القيادة لوالده الذي وحده يعرف الوجهة التي يمضيان إليها.
غادرا الكوخ المتدثر بدفء القرية القابعة في ركن ناءٍ من وطن لا يحفل كثيرا بمآوي أبنائه. هو ذا دأب كل الأوطان القاسية تنفر من صغارها مثل ذئبة آلمها مص جرائها لأطبائها فنفرت منهم وكشرت عن أنيابها في وجوههم. بل كسلحفاة بحرية كابدت سباحة ثم زحفا حتى بلغت الشاطئ الذي رأت فيه نور الشمس أول مرة، كي تطمر بيضها في حفرة وتعود لتنعم بدفء الماء ونعومته ولسانها يردد "فَكْرِنْتوا وِِلاَّ لاَ فَكْرِنْتُوا".
كفَّ الفتى عن البكاء وظل يكابد حتى يلحق بوالده، لكن المسافة بينهما كانت تزداد وتطول، فكلما حث خطاه وجرى أسرع ابتعد الأب أكثر. كان يشعر بالطمأنينة والهدوء فيكفيه أنه يلمح خيال والده ويصغي إلى وجيب قلبه ويسمع زفيره. والده، هذه المظلة التي تحميه وتظلله وتقيه.
يدرك أن والده عرضة لهزات عنيفة ونوبات قلق وضجر، لكن نوبة هذه المرة اختلفت عن غيرها. فمنذ لمحه أمس وهو يلتقط الجمر المتناثر حول الموقد بأصابعه الغليظة ويعيدها إلى موضعها، حاول الغوص في أعماقه ونبش فؤاده عله يظفر بجواب، لكنه ظل يحوم حول النواة دون أن يلتحم بها. رأى أثناء تطوافه بين تلافيف روح والده طيف أمه وهي تلوّح لهما بمنديلها الزاهي. عيناها مخضلتان بالدموع، وخداها كزهرتي جلنار في أوج تفتحهما. والدته التي أفنى المرض ربيعها الزاهر العبق فذبلت أوراقها وتيبست أغصانها.
عندما وهنت والدته وهزل جسمها ونتأت عظامها حاول والده بكل ما أوتي من طاقة أن يؤجل رحيلها، لكن الموت الذي تسلل إليها عبر فجوات روحها كان أسرع. رحلت في ذلك الصيف الجارح القاسي، وبرحيلها تكشّفت السماء بلونها الداكن المخيف، فقد خبت النجوم واحتجب القمر، لا لأن والدته رحلت، فالنجوم والقمر لا تأبهان لموت بشر، بل لأن الحياة صارت جحيما وعذابا، صارت موحشة ومخيفة وكشفت له وجهها الكالح البغيض، وأصبحت أيامه مساحة ممتدة من الحزن والألم الذي يعتصر قلبه الصغير الفتيَّ فيكاد يفتته.
خلال الليالي التي تلت رحيلها كان الفتى يصغي إلى صوتها يتردد في الأرجاء مرددا أغنيات الفرح، كان صوتا عذبا منسابا وهو يتسرب إليه من بين فجوات الكوخ فيؤنسه في وحشته وعذابه، ويتظاهر بالنوم حذو جسد والده المكوّم في سكينة واستسلام. وكثيرا ما امتزج غناء والدته بصوت نشيج والده. وأصبحت الحياة أمامهما أضيق من خرم إبرة. مساحات ممتدة إلى ما لا نهاية من الوجع. فكأن الوالدة برحيلها قد أخذت بين كفيها طعم الأشياء اللذيذة وكل الروائح الزكية.
مازال الفتى يلهث خلف والده الذي أحكم شد صرة الأثواب إلى ظهره وهو يتأبط ذاكرته التي كلما حاول إفراغها امتلأت من جديدة، ذاكرة ضاجة بالصخب والضجيج. هرم جسده فجأة لكن ذاكرته ظلت يقظة متوثبة تتجدد خلاياها باستمرار، ذاكرة لا تريد أن تشيخ باكرا، متشبثة بالحياة لا تموت ولا تشبع كلما خبَت استعرت وتأججت ألسنة اللهب فيها من جديد.
سارا كثيرا، وعندما رفع الفتى بصره رأى والده مقعيا فوق صخرة. كان ينتظره على باب المقبرة. أراد أن يقبلا عليها معا يمسك أحدهما بيد الآخر، فلا شك أن روحها تنتظرهما وتحدق فيهما من إحدى الزوايا. لم يرد أن ينغص عليها نومها. لم يرد أن ينغّص عليها متعة اللقاء به وهي تفكر في ابنها. عندما وصل الفتى وجد والده يخط بعود زيتون فوق التراب، رسم دوائر يخترق بعضها بعضا، تصعد من أسفلها خطوط متموجة عموديا فبدت كألسنة اللهب...رفع الوالد عينين محمرتين من أثر البكاء فبدتا ذابلتين تحدقان في الفراغ. وقال كمن يحدث نفسه: "هكذا هي حياتنا يا بنيّ دروب تقودنا نحو دروب، ونيران تحيل كل شيء رمادا. وآخر لهاثنا كما ترى، وأشار إلى القبور المبعثرة خلفه، حفرة مظلمة وكومة تراب وشاهدة تنبِئ العابرين أن جسدا موارى هنا".
نهض متثاقلا ووضع يده الغليظة فوق رأس ابنه، فمد له يده الصغيرة، فأمسكها ومشيا يحاذي كل منهما الآخر. سكينة رهيبة تلف المكان فتصبغه بهالة من الخشوع والهدوء. مشيا ببطء محاذرين الدوس على القبور حتى وصلا. وقفا أمام كومة تراب تنتصب على يمين الواقف شاهدة عليها بعض الكلمات والأرقام تكابد لتظل مقروءة. التفت الأب نحو ابنه في حنو وهمس: "لِندْعُ لها بالرحمة والمغفرة"، ثم جلس على ركبتيه وانغمس في همس وكلام ودموع ودعاء وبكاء ونحيب وتأوه ونشيج كأنه في حالة وجد. أراد أن يكون قريبا منها. أراد أن يحتضنها. في حين ظل الفتى متسمرا ساكنا لا يريد أن يفسد على والده لحظة انصهار روحه في روح غاليته.
هدأ الوالد فنهض وقد بدا أكثر نشاطا وخفة، كأنه قد تخلص من الكلكل الذي كان جاثما على صدره، وأومأ إلى ابنه فتبعه.
غادرا المقبرة واتجها جنوبا يحملهما الدرب بعيدا بعيدا بعيدا. ومنذ ذلك اليوم وهما يجوبان المدن والقرى والمداشر لا يعرفان مستقرا لهما.