القميص – قصة: نورالدين بوخصيبي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

في اللحظة التي هممتُ فيها بالتقاطه، بِنِيَّةِ ارتدائه، انتبهت إلى أن أخي الأصغر هو من أهداه لي... في عيد مولدي.. لذلك ترددت.. لا.. الصحيح أنني تهيبت .. قبل عشرين سنة حدث ذلك.. حين أهداني أخي حمزة القميص.. أزيد من عشرين حولا خفت سريعا كسهم ضوئي.. أنا لم أحتفل يوما بعيد ميلادي.. كنت إذاك عاطلا عن العمل.. كان أخي قد خرج للتو من عطالته.. صار له مشروع تجاري مربح. غدت له زوجة جميلة ببشرة حليبية مشعة كنور الصباح. و طفلة ذكية بعينين عسليتين و شعر كستنائي. اسمها أسماء. حين تصادفني أسماء في مكان ما تطير نحوي كفراشة مرحة. مفعمة بالسعادة .. تنط على كتفي.. تمطرني بسيل من القبلات الدافئة. و أنا الذي أكبره سنا كنت بلا عمل. لم أفلح في أي شيء. لا بيت يأويني .. لا أطفال.. السجن يتهددني.. القلب تنخره الجراح.. أهيم على وجه الأرض كدابة تائهة.
لا ليس الأمر كذلك تماما.. الدقة مطلوبة جدا في مثل هذه الأمور.. كنت قد تركتُ عملي في قطاع البريد. كنت بالضبط ساعيا للبريد .. و كنت أحلم .. أحلم كثيرا .. أحلم بغد شاسع.. مشع.. كنجوم السماء.. لكنني فجأة هجرتُ عملي.. هو الذي هجرني بالأحرى .. و صرتُ حين يغط القوم في نومهم العميق أبيت أنا هائما داخل غابة من الأفكار.. ذنبي أنني اخترت أن أكون ساعي بريد حقيقيا لا مزيفا.. كنت طائشا.. لم أكن أتقن لغة الحدود .. لغة الحواجز و المقادير و المحاذير و الممكنات .. لذلك حلمتُ لكن بجرعات تجاوزت الحدود.. لم أكن قد أدركتُ بعد أن الحلم أيضا يجب أن يكون بمقدار.. لم أكن أدرك أن الحلم مثل ميزان الحرارة.. إذا تجاوز الحد انقلب إلى مأساة .. لا .. لم أفرط في الحلم.. كنت أرغب فقط أن أكون ساعي بريد حقيقي، أزرع الحب في نفوس البسطاء عبر رسائل أوزعها عليهم، بقلب مفتوح، كل صباح.
لكن ظني خاب. وجدت نفسي أخيرا منبوذا كمركب مهجور قذفته الأمواج بساحل موحش لجزيرة نائية !!

***
قميص أخي.. وقفتُ مترددا لحظة أمامه.. هو بعينه.. وقفت متهيبا.. أتفحصه بتهيب كما لو أنني إزاء قميص أسطوري.. في الحقيقة .. لا أعرف ماذا حصل بالضبط.. لا أحد يعرف .. لا أحد يعرف كل شيء.. أستطيع القول اليوم إنني كنت أجهل السبب المباشر.. أما الأسباب الخفية فأنا أزعم أنني أدرى بها.. ليس كذلك تماما .. أعرف فقط جانبا منها.. لا وجود لمعرفة كاملة في الحياة !! .. مع أنني صرت عاطلا ، فقد صنت قدرتي على التفكير كما تصون الأم وليدها من الآفات .. تمسكت بحقي الراسخ في أن أفكر.. لم تحرمني العطالة من ذلك.. في عز الأزمة بقيت دائما متشبثا بحقي المشروع في التفكير.. و الحلم.
و للحقيقة أقول إنه كان من المتوقع جدا أن أنفصل عن عملي ذات يوم.. مثلما حدث لأبي قبلي، و جدي قبل أبي.. نحن قوم نحترف الترحال .. لا نستقر على حال.. نترفع على كل شيء في الحياة إلا الحياة.. و نواصل الرحيل.. نحن قوم نميز بين الحياة و أعراض الحياة.. نستخف بأعراض الحياة.. لذلك كان هذا أمرا طبيعيا بالنسبة لي. الآخرون فقط لم يستوعبوا كيف يمكن لكائن مغربي في هذا الزمن الفظ أن يتخلى عن عمله بمحض إرادته. لذلك انطلقت التأويلات و الاحتمالات و التكهنات. كم هائل من التأويلات كما لو أن الأمر يتعلق بحدث فخم و ليس فقط بموقف شخصي، عادي ، لمواطن بسيط ، أعزل.
***
صمت جنائزي .. أقف أمامه.. أتفحصه .. أتأمله كقصيدة شعر داخل محراب صوفي.. الكلمات لم تعد تقوى على الكلام .. هو أمامي .. يقف مرفوع الرأس بهيبة و جلال .. القميص الأخضر الداكن المفتوح كالحياة على كل الاحتمالات يسائلني. يستفز مشاعري..
لكن أخي الأصغر .. حمزة الوديع الذي أهداه لي قبل أزيد من عشرين سنة، ما عاد هنا.. قبل الأوان انطفأت شمعته.. فجأة ، دون وداع، ترك خلفه سارة زوجته تصارع لوحدها موج الحياة كزورق بلا مجداف.... ترك أسماء ذات العينين العسليتين و بحر من القبلات.. و راح.. مع أنه الأصغر، اختطفته يد المنون .. و تركتني أنا. لماذا تركتني أنا من بعده؟ هذا ما كان على المؤولين ربما أن ينكبوا عليه. لكنهم لم يفعلوا.
***
خلال الحرب الكونية المسماة كورونا سقط حمزة. لم تسقطه كورونا.. رغم ما ملكته من دهاء، كورونا لم تنل منه. ذلك المساء، في غفلة منه، أقحم الأطباء معداتهم الثقيلة .. عدساتهم و أضواء آلاتهم، الباردة كالموت، في المسارب المعتمة لجسده العليل.. أجمعوا أن ورما خبيثا، غامضا ، نبت في تربة أحشائه .. في عز كورونا سقط حمزة. لم يسقط. صمد. لم يصمد.. قاوم كثيرا و صمد. و سقط.. الحرب الكونية المسماة كورونا أوصدت كل الأبواب. صار العالم كله معقلا واحدا موصد الأبواب والمنافذ.. أيام رهيبة .. سوداء. كل الأبواب موصدة. المدينة في حالة استنفار تام كأنها تترقب هجوما كاسحا لكائنات من كوكب آخر. صافرات سيارات الإسعاف تصك الآذان صباح مساء. القميص أمامي .. أنظر إليه. لا أستطيع النظر إليه. لا أستطيع زيارة أخي في بيته. لا أستطيع رؤية أسماء تنط على كتفي و تمطرني بالقبلات.. طوفان من القبلات .. كورونا منعت كل شيء. حتى الصلاة في المساجد مُنعت. سيارات الإسعاف وحدها تصول و تجول في الشوارع و الطرقات. أخي الأصغر لم يحتمل هذا الوضع الصعب. ترك كل شيء خلفه .. حلق بجناحيه الملائكيتين إلى السماء.
***
داخل غرفة ضيقة، معتمة ، ببيته المتواضع بحي شعبي من أحياء البيضاء، ألفيته ممددا على سريره. جدران قاتمة تعكس قتامة اللحظة.. سحنته السمراء شاحبة. بالكاد يتكلم. الابتسامة التي كانت لا تفارق محياه اختفت. استويتُ بالقرب منه. المرض و الكآبة يخيمان على البيت.. يصبغان قتامة جدرانه بألوان الألم .. بعد لحظة أقبلت أسماء . تقدمت نحوي بحياء ..حيتني بأدب. لكنها لم تعد تنط بفرح الفراشات كما كانت من قبل. صارت تحزم رأسها بمنديل كامرأة تقبض على جمر الأيام.. العينان العسليتان احمرتا من فرط البكاء. انتفختا كبالونين قاتمين.. أطلعتني سارة على مجموعة صور طبية كشفت عن تفاصيل من خارطة الداء.. أدركتُ أن الورم الخبيث صار يبيح لنفسه أن يقفز من منطقة لأخرى ، غازيا بارتياح كل تخوم الجسد. مع ذلك أسرت لي بأسى أن حمزة لا يريد الامتناع عن التدخين !!
***
الساعة الثانية بعد منتصف الليل. البلاد ما تزال ترزح تحت نير الحجر الصحي. رن جرس الهاتف ممزقا سكون اللحظة. هاتف ابني هو الذي رن و ليس هاتفي. أنا تعودت منذ فصلت من عملي أن أطفئ الهاتف قبل أن أخلد للنوم.. صرت أرفض أن يمكث يقظا بجواري خلال النوم.. يترصد أنفاسي كما في فيلم بوليسي رديء .. قبل أن يفتح ابني فمه كنت قد سبقته.. الأخبار السيئة تأتي دائما في عز الليل.. حمزة الوديع قرر الرحيل.. لم يعد عالمنا الأرضي قادرا على أن يستوعب روحه.. في الحال طلبت من ابني أن نهيئ أنفسنا للسفر.. راودتني في الحين كلمات من قصيدة الشاعر الفلسطيني معين بسيسو.. سفر .. سفر .. كانت فترة الحجر الصحي قد خفت نسبيا.. عندما هممت بارتداء لباسي صادفته من جديد.. صادفني.. هو بعينه.. القميص الأخضر.. داخل خزانة ملابسي. هو هو .. يحدق في بعينين متوثبتين كعيني ثعلب ماكر.. لم يتغير فيه شيء.. لم تنل منه لا كورونا و لا أيام الحجر الصحي و لا الورم الخبيث الذي احتل جسد حمزة و لا أي شيء.. يحدق في بعينين جاحظتين كأنما يحملني مسؤولية ما حدث. يحملني مسؤولية حرب كورونا الرهيبة !! مسؤولية موت حمزة.. يحملني مسؤولية الانقطاع عن عملي كساعي بريد. وجدتني أتساءل: لماذا لم أفعل شيئا لإنقاذ العالم من كورونا؟
في الطريق، هاجمتني من جديد جحافل الذكريات.. عشرات البراكين تنفجر داخل جمجمتي ممتدة من ماض سحيق.. استحضرتُ من جديد ذلك اليوم.. بعدما وجدتُ نفسي في الشارع بلا عمل.. أيام عسيرة توالت من بعده.. أيام و ساعات و دقائق بطعم العلقم.. كنت قد دأبت على حمل بعض متاعي إلى السوق لأبيعه كي أعيش. بالتقسيط أبيع متاعي لمن هب و دب.. كتب و ثياب و أقلام و دمى عافتها ابنتي و جراح غائرة في عمق القلب.. ابنتي ما تلبث أن تعاف دماها كما تعاف كل سلالتنا أعراض الحياة.. ذلك اليوم، لما لم أجد شيئا أبيعه فكرت في القميص.. لم يبق لي ما أبيعه غيره .. قفزت نحوه .. لم أتردد هذه المرة ..التقطته.. حشرته بين أشياء أخرى داخل حقيبة.. في الشارع، على الرصيف، نشرت القميص على الأرض وسط المتاع .. كل زبون يحمل القميص يتفحصه لحظة.. لحظات.. بعينين مغمورتين بالدهشة.. يرميني بنظرات مريبة. يعيد القميص إلى مكانه وسط المتاع .. يلفحني بنظرات أخرى متهمة.. يواصل طريقه.
***
ناولني حمزة القميص. في عيد مولدي. لم أحتفل يوما بعيد مولدي. بأصابع مرتعشة قام بذلك.. جذبه من كيس بلاستيكي بحذر كفاكهة محرمة و ناولني إياه. كان يعرف أنني أضحيت بلا عمل. كان يدرك أن هناك خطأ ما في الحكاية. خلل غير طبيعي في نسق الأحداث. لم ينبس ببنت شفة. لم يقل إنها هدية خاصة منه إلي. لم يرفع عينيه لتلتقيا بعيني في مسافة الأشياء. عندما جاءني نعيه، تلك الليلة القاتمة، أدركت أنها ليست هدية.. القميص وصية منه.. وصية حمزة الأخيرة.. لذلك لم يجرؤ أحد على اقتنائه. القميص أمامي.. أتردد في ارتدائه.. أتهيب منه.. جحافل الذكريات. جيوش من الذكريات.. أسماء راحت .. بعيدا.. التحقت بالعالم الجديد.. حلم آخر يبدأ .. حلم يتحقق.. هناك.. من بعيد.. تستعيد أسماء ابتسامتها الضائعة.. تستعيد طوفان القبلات.
أعيد القميص إلى مكانه.. أحمله من جديد.. أعيد تفحصه و أعيد طيه و أحشره وسط الثياب..أدعه في مكانه... ألوي عنقي .. أبتعد..
***
في عز الليل، امتد إلى سمعي طرق حاد على باب البيت. سكون رهيب يخيم على الحي مثل مقبرة جماعية يلفها السكون و الصمت. وحدي بالبيت.. رغم الوهن الذي بت أعاني منه أجهدت نفسي و قمت .. توكأت على عكازتي.. تقدمت بعسر خطوات نحو باب البيت.. وقفت خلف الباب لحظة .. متهيبا.. من يطرق بيتي في هذا الوقت المتأخر؟ مع ذلك فتحت الباب.. كانت دهشتي كبيرة و أنا أشاهد أسماء. هي بالذات.. الفراشة المرحة.. بعينيها العسليتين. صارت الآن امرأة ناضجة. بأنوثة جذابة .. تتفحصني بكبرياء. باندهاش..أوسعتُ لها.. ما إن تقدمت خطوتين داخل البيت حتى ارتمت من جديد على صدري.. عادت تمطرني بسيل من القبلات كما كانت تفعل من قبل.. في عز الليل طفرت أسماء في زنزانة عزلتي كحلم مستحيل. خمنت أنها جاءت تبحث عن شيء ما كما لو أنها تبحث عن ذاتها الغامضة. كل قبلة منها محملة بألف سؤال.. تنبع جميعها من سؤال واحد: " لماذا أنا أسماء و لست اسما واحدا كبقية البشر؟".. العينان العسليتان تكادان تنفلتان من محجريهما. بادرتني بالسؤال: " أين هو؟".. سألتها " ما هو؟".. عادت تسأل " القميص.. أين هو؟".. و دون أن تنتظر جوابي قفزت نحو خزانة الثياب حيث ضبطته مدفونا.. هناك.. متلفعا بصمته السرمدي.. انقضت عليه.. انتشلته من وسط الثياب.. حشرت رأسها بداخله.. ارتمت على الأريكة و انفجرت بالبكاء.
دنوت من أسماء. كفكفت دموعها. داعبت شعرها برفق. رسمت قبلة دافئة على خدها.. شرعت هي تتفحصني كما لو أنها تراني لأول مرة. انتبهت إلى شعري الذي غزاه البياض. إلى التجاعيد التي انحفرت أخاديد عميقة على سحنتي. طفرت دمعات أخرى صقيلة من عينيها العميقتين. خمنتُ أنها تذكرت أمها التي راحت بدورها في عز كورونا لتلتحق بحمزة.. سكتت لحظة و عادت تقول:
- اسمع عمي.. سآخذ القميص. هو ما تبقى لي..
لم أجب. أومأت لها بإشارة من رأسي. قفزت نحوي من جديد. طبعت قبلات أخرى على راسي و خدي. لفت القميص من جديد على رأسها.. و استأذنتني أن تنام ما تبقى من الليل بالبيت إلى أن يهل الصباح..