عمَّتي ورأس الخروف - د.الحسين لحفاوي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

الذكريات، هذا المدى الممتد من الحوادث والأحداث. هذا الشّلال المتدفق الذي لا تنضب ينابيعه، متاهة لا خروج منها. بعض الذكريات مِدًى حادة تخترق الذاكرة وتوقظها بين الفينة والأخرى فترمي بها في أتون متأجج. وبعضها ينساب ناعما بين أهداب الذاكرة يهدهدها فتتمطى متثائبة كوردة جذلى داعبتها يد الربيع الطرية وأيقظتها نسائم الأصائل العليلة.
الذكريات، هذه الصحراء الفسيحة المتناثرة نباتاتُها في كل مكان، منها ما جفّ وتيبست جذوره وألهبتها حرارة الشمس وقسوتها فقاومت ثم رضخت لمشيئة الأقدار فاستسلمت للنهاية المؤلمة. ومنها ما تراكمت عليه الرمال فتكوّمت كثبانا عالية وعجز عن الصمود والتهمته حبات التراب حتى أفنته ومحته من الوجود لتفرض الصحراء سطوتها وهيبتها وهيمنتها. ومنها ما تحدى الجفاف ورياح السموم الحارقة فلا الجفاف جفف بذوره وأفناها، ولا الكثبان العنيدة طمرته، ولا الرياح العنيفة اجتثت جذوره أو اقتلعته.
الذكريات، هذا البحر العجاج المتلاطم الأمواج، يفاجئك أثناء صفائه بصخب أمواجه، ويباغتك أثناء هيجانه بانسياب مياهه على صفحته الملألئة. من الذكريات ما يسكن ركنا قصيا من الذاكرة، يختار له زاوية معتمة محجوبة عن الأضواء ويظل يخبو ويتقلص حتى يتلاشى وينطفئ مثل شمعة منسية في مقام ولي صالح غادره مريدوه، وتركوها تنوس حتى التهمت نيرانها شمعها وفتيلها. تتحول تلك الذكريات إلى رماد تذروه الرياح وتنثره بين الوهاد والوديان فتحمله النسائم إلى أماكن قصية. ومن الذكريات ما يظل يقظا يقض مضجع الذاكرة كلما استكانت وهدأت. يتشبث بها مثل غريق لا يترك يد منقذه إما أن ينْجُوَا معا أو يترديا معا إلى الأعماق الموحلة فيفنيان. ذكريات حية كلما شعرت بهَرَمِ الخلية التي تسكنها انتقلت إلى أخرى شابة واقتحمتها وهيّأت لنفسها موطئا يقيها التلف والضياع والفناء.

كنت صغيرا ولمّا أتجاوزْ السابعة من عمري عندما زارتنا إحدى عمّتَيَّ بعد أن ألح عليها والدي أن تزورنا، فوالدي على جهله كان يقيم وزنا لصلة الأرحام ويدرك قيمتها ويوليها عناية خاصة. عندما كبرتُ عرفت أن ذلك مأتاه تأثرا بالغا بخطب الجمعات التي لا أذكر أنه غاب عنها مرة، كان يلغي كل أعماله أو يؤجلها. كان يحتفي بيوم الجمعة ويكاد يقدسه. يغتسل منذ الصباح الباكر ويرتدي قميصا أبيض وجبة وسروالا فضفاضا ويضع فوق رأسه شاشية حمراء ويُسدل قطعة قماش بيضاء على كتفيه. ملابس لا يرتديها إلا يوم الجمعة، ثم يتطيب بعطر يسكبه من قارورة يحتفظ بها بين طيات ملابسه في خزانة لا يسلِّم مفتاحها لأي كان، ثم يقصد المدينة، التي لم يكن يقصدها إلا يوم الجمعة الذي يوافق يوم السوق الأسبوعية، وهناك يُمضي الصباح مع أصدقائه متنقلا بين الدكاكين والباعة، عندما يقترب موعد الصلاة يترك كل شيء ويقصد المسجد فيصلي ما شاء له أن يصلي ثم يصغي إلى خطبتيْ الإمام. وحتى إذا ما خرج المصلون انزوى في ركن يسبح ويذكر الله إلى أن تحين صلاة العصر فيصليها ثم يعود إلى البيت محملا بأشياء كثيرة وقد شفّت روحه وصفَت وقوي إيمانه وتدعّم.
في ذلك الصيف زارتنا عمتي، كنت أنعم بأول عطلة مدرسية مطولة في مسيرتي الدراسية، طال شعر رأسي. وبهت لون ملابسي من أثر أشعة الشمس. كنا نقضي النهار الصيفي الطويل بلا رقيب بين الحقول لنصب الفخاخ للعصافير أو حفر جحور اليرابيع. وعندما تثقل علينا الحرارة وترتطم أشعة الشمس الحادة بأجسادنا الطرية الغضة كنا نترك كل شيء ونهرع إلى الوادي المجاور للقرية والحارس لها من حدودها الشمالية بمياهه المتدفقة طوال السنة بلا انقطاع غير عابئين بجوعنا، وهناك نغسل ملابسنا الخفيفة وننشرها فوق أغصان الشجر ثم نرتمي في البرك نحتمي من لفح الهاجرة بالاندساس تحت الماء والتبارى في ألعاب متنوعة كنا نحن من يبتكرها ونحن من يسنّ قوانينها.
لا أذكر أن عمتي زارتنا سابقا عدا المرة التي كانت بمناسبة فرح انتظم في بيتنا وساقها إلينا، فقد كانت المسكينة في عصمة رجل لا قيمة لما عُلِّق تحت عرش الرحمان عنده. بغير مناسبة زارتنا هذه المرة خلال ذلك الصيف الذي أعقب ربيعا ممطرا فأثمرت أشجار حقلنا ثمارا كثيرة ومتنوعة، فلا يكاد أبي يخطو خطوات داخل الحقل حتى يعود محملا بما لذ وطاب من مشمش وخوخ وتين وعنب وتوت، ثمار أنضجتها حرارة الطقس فاستوت وحلا مذاقها، وكثيرا ما كانت الوالدة تستغني بها عن طهو الطعام، فيجنبها ذلك لفح نيران الموقد في الهاجرة.
طلبت عمتي من والدي أن يجلب لها رأس خروف لنتناوله في العشاء، فلبى طلبها بلا تردد، وعلى غير عادته قصد المدينة صباح يوم خميس، وعلى غير عادته عاد منها باكرا.
لا تسل عن حال والدتي وهي تصارع لهيب النار وحرارة الشمس الساطعة أثناء تنظيف الرأس وإزالة ما علق به من صوف وبقايا دم. اتخذت عمتي مكانا لها ظليلا مواجه لوالدتي بجانب الكوخ المعد للسمر وطهو الطعام. كان حرص الوالدة شديدا على أن لا يتطاير الشرر من الحطب فينشب حريق في الكوخ فابتعدت عنه تاركة مسافة أمان بينهما. أيقظني صوت عمتي التي لم تكف عن إسداء النصائح والتوجيهات والتنبيه دون أن تصدر منها كلمة اعتذار أو رثاء لحالة والدتي التي لم تكن لترضى بالقيام بمثل هذا العمل المضني في هذا الطقس الجارح سوى إكراما لوالدي: "نظفي تلك البقعة جيدا، أزيلي ما علق بها من دم، اقلبيه، افركي جيدا بقطعة الحديد، أبعديه عن التراب..." إلى جانب الكثير من الملاحظات الأخرى التي أتلفها الزمن من ذاكرتي. كانت الوالدة، التي اكتسبت البعض من صبر والدي، تصغي إلى عمتي وتطيعها دون تذمر أو شكوى. ولولا بقية حياء لرجمتها بذلك الرأس غير مكترثة بما سيلحقها من أذى حتى تكف عن التدخل في ما يعنيها.
عندما خرجتُ من الكوخ الذي كنت أقضي قيلولتي داخله كانت والدتي تلتقط الساق الأخيرة للخروف من النار وتنزع حوافرها. آلمني أن أراها على تلك الهيأة، عيناها تدمعان من أثر الدخان، وجهها ينضح عرقا وقد احمر بفعل الحرارة والنار، أصابعها المحترقة بالجمر. وراودتني فكرة أن آخذ ذلك الرأس وأدوسه بقدمي وأعفره بالتراب ثم أرمي به إلى الكلاب تلتهمه. لكنني تمالكت نفسي فساعدتها بأن جلبتُ لها سطل الماء الذي سكبته على بقايا النار. ثم جلستُ أمامها وتعاونا على كسر تلك الجمجمة التي بدت على شيء من العناد، وفصّلنا الأجزاء. حدث كل ذلك أمام ناظريْ عمتي التي لم تكف عن التوجيه والملاحظة.
عندما نهضتُ وانطلقت كالسهم لألحق بأترابي التقطت أذناي آخر وصايا عمتي لوالدتي بأن تجيد طبخ اللحم وألا تقدمه لنا إلا بعد أن يبرد.
رجعتُ إلى البيت بُعيْد غروب الشمس فوجدت والدي يصلي المغرب وعمتي تجلس خلفه متعجبة مما يفعله أخوها ومن عذوبة صوته وهو يتلو قصار السور وهو الذي لم يجلس يوما أمام مؤدب أو معلم. وبعد أن فرغ والدي من صلاته وأوراده وأدعيته وأتمّ تسبيحه تنحنح مرتين، فكان ذلك بمثابة الرسالة لوالدتي كي تهيئ العشاء. فلم تمض سوى لحظات حتى جاءت بصحنين، وكان ذلك دأبها عندما يزورنا ضيوف، أحدهما مُلئ كسكسيا والثاني تكومت وسطه قطع لحم رأس الخروف وقد استوت كما أوصت عمتي.
تعودتُ وأخي ألاّ نشارك ضيوف والدي طعامهم احتراما لهم، فكنا ننتظر حتى إذا ما انتهوا حملنا الصحن وما بقي فيه من أكل وتناولناه ونحن نضحك. دعتني عمتي لمشاركتهما، هي ووالدي، الأكل فرضت بشدة، لكنني على غير عادتي تسمرت أمامهما وظللت أراقبهما وهما يتعشيان.
بيُمْنَاها شرعت عمتي في الأكل فكانت تأخذ اللقمة وتكورها جيدا ثم تلقيها في فمها حريصة على أن لا تلتصق حبات الطعام بحوافه، وتتابعت حركاتها حتى أتت على أكثر من نصف الطعام، وكان والدي يغطي المساحة التي تجرفها يدها بأن يدفع إليها بالمزيد. وكنت أنا محتارا في حجم الوعاء الذي كانت تملؤه ولم يمتلئ بعد. وعندما شعر والدي بفتور حركة يدها تناول الصحن الثاني وكوم اللحم في المساحة الفارغة التي كانت منذ حين عامرة بالطعام والتي أتت عليه يمين عمتي ونقلتها إلى بطنها.
كان الأكل جيد الطهو لذيذا. فكانت عمتي تفصل اللحم عن العظم وتلفه جيدا ثم تضعه بين أضراسها وتشرع في المضغ بتأن، كأنها كانت تستمتع بذلك الطعم اللذيذ. ظللتُ أتابع حركاتها مثل هر أصعِّد بصري وأصوِّبه ملاحقا حركات يدها في غدوها ورواحها بين فمها والصحن. ولَكَمْ وددت أن تعطف عليَّ ولو بقطعة صغيرة تخمد في نفسي ما تأجج من حرمان ، لكنها لم تكن منتبهة لحرقتي وعذابي وأنا أتلمظ الفراغ.
أتت عمتي على حنَكيْ رأس الخروف وأذنه، وأبرّت بقسم أخيها حين أصر على أن تأكل إحدى العينين. ثم أكل والدي العين الثانية. وبعد أن فرغا من الأكل تقدمت والدتي وحملت الصحنين فتبعتُها أملا في الحصول البعض مما بقي، وما إن تجاوزتْ الباب حتى انقض أخي على الصحن فأسقطه من يدها فتدحرجت الأذن المتبقية فالتقطها وازدردها غير مكترث بالتراب والقش الذي علق بها. أما والدتي فكان نصيبها من رأس الخروف الأنف. وأما أنا فلم أظفر بغير ساق ظللت أطحنها بأضراسي الحادة حتى أتيت عليها كلها جلدا وعظما.
ومنذ ذلك الصيف كرهت عمتي كرها شديدا، وأحببت أكل لحم رأس الخرفان حبا عجيبا. أما كرهي لعمتي فقد زال من الغد بمجرد أن احتضنتني وقبلتني وهي تغادر كوخنا عائدة إلى بيت زوجها. وأما حبي أكل لحم رأس الخرفان فقد لازمني إلى اليوم.