الاغتراب الثقافي - علي محمد اليوسف

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

الاغتراب Alienation هو غير العزلة النفسية self-estrangement كما يحلو الخلط للبعض بين المضمونين والمصطلحين. وسواء اكانت العزلة سوية (صحية) غير مرضية او كانت عزلة نفسية بعوارض مرضية –مثل انفصام الشخصية، او الذهان العقلي، او العصاب النفسي… الخ فهي لا تمثل شكلا اغترابيا من اشكال الاغتراب  وانماهي مرض لا غير. الاغتراب موقف من الحياة وليس انسحابا منها.

وان كان يفترض مسبقا و يشترط ان يكون كل موقف او مظهر اغترابي تستوطنه، تدخله، تتقمصّه عزلة نفسية، هي في نظر علم النفس الطبي و العقلي ان جميع اشكال العزلة النفسية مرضية وموقف سلبي من الحياة، الا انها تختلف لدى الاغترابي المثقف او الشخص  المبدع في (درجة) و( نسبية ) المرض. والا انتفت خاصية الابداع الفني الجمالي عنده حين يكون الاغتراب حالة لجم وتقعيد الفعالية الابداعية.

فالعزلة النفسية لدى الاغترابي المثقف المبدع، عزلة نفسية غير مغيّبة أي بمعنى تعي ذاتها وتدرك محيطها وتعرف بواعث عزلتها، لذا فقد يكون الفرد الاغترابي عصابيا نفسيا من نوع ما وقد يكون معافى نفسيا. فالعزلة النفسية لدى الاغترابي ضرورية لترك مسافة الرصد والمعاينة لوعي الذات اكثر ورغبته الاكيدة في التأثر والتأثير بالمحيط .. وهذا ما لا نجده لدى المصاب المريض بالعزلة النفسية المرضية غير المنتجة، عليه لا تكون كل اشكال العزلة النفسية او حالات العصاب النفسي بالضرورة تشكل ظواهر اغترابية منتجة تعي اغترابها الذاتي.

والاغترابي الثقافي، عند المبدع بالتحديد ربما لا تكون عزلته النفسية من وجهة نظر طبية نفسية عقلية تمثل انفصاما شخصيا تفقد صاحبها قدرة الابداع او التأثر او التاثير بالاخرين و المحيط، بينما تكون بعض حالات العصاب النفسي او الانفصام او الذهان العقلي وغيرها امراضا مصحوبة بعوارض وعلامات وسلوك وتفكير مريض تفقد صاحبها قدرة التعامل السوي مع المحيط، فهو غير مدرك (لذاته) ولا يعي (الموضوع) وعيا عقلانيا سليما.

الفرق بين الاغتراب والعزلة النفسية المرضية:

ان الاغتراب ابتعاد او انفصال عن الجوهر الحقيقي المثالي للذات، او الانفصال عن الموضوع سواء اكان الآخر المجتمع ام المحيط، والاغترابي يستثمر عزلته النفسية بالتأمل ومراجعة الذات والاحتكام الى معيارية حقيقتها الجوهرية المثلى(الانا العليا) ومن ثم دراسة بواعث اغترابه الاخرى الموضوعية واستحضار تصورات ومفاهيم ارتدادية للعودة ثانية للمحيط الذي اعتزله برؤى وابداعات قد تكون فكرية، اجتماعية  ادبية، فنية …. الخ.

اما العزلة النفسية المريضة غير المبدعة فقد تكون رد فعل سلبي مبعثه ومسبباته المحيط او المجتمع والانكفاء نحو الداخل بسلوكية وتفكير منغلق على الذات منبت (مقطوع) الصلة بالآخر، مغيّب عما يجري في المحيط من حوله.

ويجمع من لا حصر لهم من اختصاصيين اجتماعيين وعلماء نفس وادباء ان العزلة النفسية – الفصامية هي خاصية المبدعين المتميزين من مفكرين وادباء وفنانين ممن كانت عزلتهم النفسية غير السوية من وجهة نظر الطب العقلي والتحليل النفسي هي مبعث ابداعهم ولو احتوتهم شواغل الحياة اليومية والاندماج الطبيعي!!! مع المجتمع لما اصبحوا مبدعين اساسا.

باختصار العزلة النفسية التي هي مبعث ومنشأ كل انتاجية ابداعية ادبية فنية جمالية انما هي تموضع (أنوي) للذات في تمايزها الاجتماعي. والاغتراب الذي يحتوي العزلة النفسية يكون اغترابي بالمجموع، بالكل الذي قدرة تأمل الذات–المجموع من نصيبه وحده، فالاغترابي ليس ايديولوجيا تثويريا في المجتمع، لكن جزء من فعاليته الاغترابية هي تلك… فهو لا يعيش عزلة نفسية تعنى وتنشغل بعبادة وثنية للذات حتى في سماتها المثالية الجوهرية  وان كان ليس هناك ذات انسانية بسمات ومواصفات مثالية كاملة باستثناء مواصفات الذات بمقارنتها معياريا بالكمال الالهي المطلق اللامحدود اللانهائي، فعند مقارنة الصفات الذاتية الانسانية بالصفات الذاتية الالهية عندها يمكننا (تصور) فقط انسانية مثلى متمايزة جدا عن بقية البشر… وهو ما لايتوفر عليه غالبية البشر.

سمات وصفات الاغترابي المبدع:

  • يعي ذاته جيدا، ويتحسس بواعث اغترابه عن موضوعه وحتى عن الكوني وما وراء الطبيعة.
  • يمتلك تصوراً مسبقاً لضرورات تجاوز اغترابه واغتراب الآخر.
  • العودة ثانية الى معترك الحياة في نشدان قهر اغترابه بالاسلوب والمواصفات والمميزات والمؤهلات التي تمكنه من بلوغ غايته.

يذهب (بلوير) : ( ان واقع العالم الانفصامي قد يكون اكثر صدقا من العالم الحقيقي، فالمريض يتحدث عن تخيلاته على انها حقيقية وعلى الواقع انه وهمي وان امكانية ان يكون الواقع الاجتراري اكثر صدقا من الواقع الحقيقي)([1]).

مر بنا ان العزلة النفسية باستثناء مجموعة من الادباء والفنانين، سواء اكانت لدى غيرهم حالة انكفاء نفسي مرضي او عقلي او ذهاني، او انفصامي، او حتى لو كانت حالة طبيعية سوية فليس من شرطها او من جوهر سماتها الابداع والخلق او تجلي موهبة او نبوغ.لان الموهبة تلعب دورا اساسيا في انعزال الاديب او المثقف.

فالعزلة النفسية لدى المصاب باكتآب مزمن او لدى المنفصم الشخصية الحاد، او صاحب الذهان العقلي، او العصاب النفساني المنكفئ في رحلة الداخل بلا رجعة للذات ووعي المحيط، وحتى احيانا صمت المجنون او عزلته وهذيانه، كلها علامات وعوارض لظاهرة سلبية مرضية لا فائدة من ورائها في كل المقاييس وسيتوضح لنا اكثر في مجال قادم.

ان ما يذهب له (بلوير) و(فوكو) و(آرتو) و(كرتشمر) و(هولدرين) من تقييم رد اعتباري اخلاقي–انساني–اجتماعي للجنون ممن يعتبرون حتى هذاءات المجنون ربما كانت او بالاحرى جازمين انها تعبير صادق عن الحقيقة والذات ومبعث هذا الاتجاه كما ذكرت عاطفي انساني تعالج الوضع الاجتماعي ومكانته كانسان من حقه ان يعيش الحياة التي تعيش هي به ولا يعيش هو بها .

ولتوضيح الفرق بين الاغتراب الطبيعي الابداعي لدى الاديب او الفنان وبين هذاءات المريض الفصامي او الذهاني او المجنون استشهد بوجهات النظر التالية كتمهيد للدخول في مناقشة اشمل للموضوع:

  • يشير الاستاذ الدكتور شاكر عبد الحميد في بحثه القيم (المرض العقلي والابداع الادبي)([2])، ان اخذ الفروق الحاسمة بين التفكير الابداعي والوقوف فريسة (الذهانية) هو ذلك التحكم الارادي والفرضية الواضحة في سلوك المبدع بينما يبدو المريض الفصامي مثلا منقادا مدفوعا بواسطة افكاره .. وان الفنان ينظم افكاره ويشذبها في عملية الخلق الابداعي بينما تبقى افكار المريض اجترارية ضاغطة مستمرة بشكل ملح غير قابل للتحكم عشوائي، بينما افكار الفنان مصاغة وقد تم تشكيلها في قوالب فنية قابلة للتوصيل والتذوق.
  • يقرر الاستاذ الدكتور محمد على الكردي في بحثه (الجنون في الادب)([3])، ان الذهان الذي هو انفصام حاد بين الأنا والواقع كثيرا ما يؤدي الى سيطرة الغرائز والدفعات الاولية على الأنا واعادة صياغة الواقع بطريقة خيالية تتلاءم مع هذه الدفعات.
  • في معرض حديثه في ندوة عن الاغتراب يعرف الدكتور حسن حنفي الاغتراب السوي أي الابداعي بقوله (الاغتراب توحد الذات بالموضوع في الانسان فيصبح الانسان واعيا بذاته عن طريق الموضوع والوعي بالموضوع هو وعي بالذات)([4]).
  • المفهوم السايكولوجي لتجربة العزلة النفسية المرضية في حالات الجنون والفصام والذهان والعصاب … الخ يختلف عن المفهوم السايكولوجي للاغتراب الابداعي السوي ان هذا الاخير حالة او حالات عقلية او نمط من الخبرة او التجربة تتوقف على التناقض بين توقعات الفرد عن قدرته في التحكم وما يتاح له في الواقع من فرص للسيطرة والتحكم او هو خبرة ذاتية كما يرى (اريك فروم) او خبرة او حالة شعورية طبقا لما يراه (كينستون)([5])، كذلك يرى الاستاذ الدكتور قيس النوري ان مبررات ودوافع الاغتراب: (انعدام السلطة والانخلاع والانفصال عن الذات والاشياء والتذمر والعداء والعزلة وانعدام المغزى في واقع الحياة والاحباط)([6]).
  • اهتم (كرتشمر) بحالات الانفصام الشديدة المعبر عنها بتجليات ابداعية تصعيدية كما في دراسته عن الشاعر الالماني (هولدرين) الذي اصيب بالجنون وقد اطلق (كرتشمر) على تلك الحالة الانفصامية (تنويعة هولدرين)([7]). وهذه الحالة بحسب رأيه تتسم بان الفرد الذي يعاني منها يكون حساسا بشكل كبير لبيئته ومن ثم يتراجع الى الحياة الداخلية الخيالية … ومن الجدير بالذكر ان تجرية (هولدرين) مع الجنون وتصدع حياة (آرتو) و(فيرلين) و(لتريامون) و(فان كوخ) و(ياجنسكي) و(نيتشه) جعلتهم جميعا لا يقدمون أي نتاج ابداعي يضاف لعبقريتهم السابقة شيئا قبل مرورهم بمحنة الجنون.

***********

(2)

( الخبرة الفردية جنون متفق عليه ) لانج عالم نفس واديب

 

( الجنون هو التدمير الكامل للعمل الفني) ميشيل فوكو

( انا افكر الذي هو نفسي او جوهر منفصل ومنعزل انعزالا تاما عن العالم ) فيخته

( هناك امر واحد سيظل ادراكه مستحيلا الى الابد الا وهو ان يكون الانسان عاقلا .) نيتشه

( الايمان بالحقيقة هو الجنون بعينه ) نيتشه

( اجمل الاشياء التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل )  نيتشه

التساؤل الآن هل ان مثل هذه الافكار الاغترابية الفلسفية التي لاتحد تعتبر ضربا من كشف عقلي غير اعتيادي وفوق الطبيعي لايمكن لكل شخص مهما حاول الوصول اليه!؟ ام انه ضرب من عبقرية الجنون التي تصاب احيانا ببصمات واضحة من التفكير الاخرق الجذاب بشكل مدهش لا حدود له!؟ 

ثمة مدخل للموضوع لاستعراض وجهات النظر على جانب كبير من الاختلاف والتباين والتعقيد المتخصص حين يعبر جميع المهتمين بهذه الظواهر عن هذا اللاتشاكل بين ملكة الابداع والخيال الجامح غير المسيطر عليه بمعيارية العقل في اعطاء مواصفات جمالية – فكرية – فنية للعمل الابداعي تميزه عن المنجز الفوضوي العشوائي المسطح.

بعض من هذه الآراء تقول ان الجنون ظاهرة فريدة تجمع بين الاضطراب العقلي والنبوغ الابداعي لافكاك لاحدهما منها … حيث كان يظن بعض الرومانسيين شعراء الليل والتصوف والاحلام ان العبقرية الحقة لا يمكن ان تخلو من قدر معين من الجنون، كما ان هذا اللون الاخير من الجنون يطلق عليه (ميشيل فوكو) (اللا-عقل) ضرب من الدروب المتوهجة او اشعاع خاص من الاشعاع الكاشف لاغوار النفس والوجود([8]).

ويذهب (لانج) قريبا من هذا الفهم المتقدم عندما يعتبر الجوانب اللاعقلانية واللامنطقية هي الجوانب الحقيقية وحيث الجوانب العقلية والمنطقية هي الزائفة وينكر (لانج) اية امكانية للفرح الحقيقي او الانتاجية الابداعية للعقل الشعوري ففي عمله الواعي يظهر العقل الشعوري  احادي الجانب محروما من وظيفته المعقدة كوسيط بين العالم الداخلي للغريزة والحلم والتهويم([9]).

كما ترى الاديبة اللامعة غادة السمان في استعراضها كتاب الدكتور عالم النفس الاديب (لانج) (عصفور الجنة ومبادئ التجربة) في فصل كتابها :- (السباحة في بحيرة الشيطان) تحدثت فيه عن الجنون … اذ تتحمس لوجهة نظر (لانج) في رد الاعتبار الانساني و الاجتماعي للمجنون… فالكاتبة ترى ان (لانج) لا يصف علاجا لشفاء الناس من الجنون وانما يبحث عن علاج لشفائهم من (العقل(. ولانج ليس حزينا من اجل المجانين وانما هو حزين لان الافراد العاديين فخورين بظنهم انهم عاقلون … وتقول الكاتبة ان (لانج) لا يتحدث عن المجانين داخل المستشفى وانما عن عالم المجانين خارج المستشفى … وهو ليس فخورا كبقية الاطباء عادة بتقديمهم الوسائل العلمية في معالجة المجانين، فهو يرى في جنون التطور العلمي اهم اسباب الجنون المعاصر… والمجنون بالتالي لا يهدد بقاء المجتمع الانساني وانما هو اول ضحايا المجتمع اللاانساني المتجه نحو تدمير ذاته… انه صفارة الانذار ليس المهم اسكاتها كي لا تزعجنا بل الاهم ان نعرف لماذا انطلقت!؟

فالمجانين كما تقول الكاتبة هم رواد الحقيقة المدفونة في اعماق النفس البشرية هم رواد عالم الروح ونحن بحاجة اليهم اكثر من حاجتنا الى رواد فضاء … انهم كهنة النفس البشرية ولذا اذا استطعنا اقناعهم بالعودة الى عالمنا وقبولهم الحوار العميق معنا فقد يكون لديهم الكثير من الاسرار التي تهدينا الى يقين ما … وهكذا فالمجنون الذي يعود الينا ليمنحنا تجربته هو كنصف المبصر الذي يقود أعمى في مجاهيل الحقيقة الانسانية([10]).

علي محمد اليوسف

([1]) عالم الفكر. مج 18 ع 1 ، 1987 . المرض العقلي والابداع الادبي .د.شاكر عبدالحميد ،ص 84.

([2])  نفس المصدر السابق ، ص 86.

([3])  عالم الفكر ، مج 18 ، ع 1 ، 1987 ، الجنون في الادب ، د. محمد على الكردي ، ص 22.

([4]) عالم الفكر . مج10 ع8 ، ندوة عن الاغتراب ، ص 93.

([5]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر ،  ، د.نبيل اسكندر ، ص 284.

([6]) عالم الفكر مج10 ،  ، د. قيس النوري ، ص17.

([7]) نفس المصدر السابق المشار اليه ، المرض العقلي والابداع الادبي د.شاكر عبد الحميد، ص22 .

([8]) الجنون في الادب ، عالم الفكر ، مصدر مشار اليه سابقا ، د. محمد على الكردي ، ص 29.

([9]) المرض العقلي والابداع الادبي ، د. شاكر عبد الحميد ، ص 85.

([10]) السباحة في بحيرة الشيطان ، غادة السمان ، ص 53.