الإدراك واللغة
(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا). عبارة فلسفية خاطئةخطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الإدراكية التجريدية (بالإدراك) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد إدراكا مجردا من لغته. فالإدراك هو تفكيرحسي لغوي وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صورتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فينا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.
ويحمل هذا التعويل الخاطيء على أن إدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الإدراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في إدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالإدراك الحسي هو لغة تمّثل تجريدي ايضا لا تختلف عن أية لغة تواصل. الإدراك هو لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الإدراك ليس بمقدرته أختراع لغة إدراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أوقوم من الاقوام او أمة معينة.. الإدراك تمثّل لغوي تجريدي للاشياء لا يتموضع بها ولا يكون جزءا منها.
وإدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق إدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة إدراكه التجريدية معه، كل إدراك حسّي عن شيء وكل إدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانا صامتا.. توجد عبارة خالدة للفيلسوف الامريكي العبقري اوليفريد سيلارز قوله (الوجود لغة). سيلارز بعبارته هذه اختزل مجلدات في مبحث فلسفة اللغة.
الإدراك الحسي يبقى لغة صمت مضموني لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبيرشكل اللغة التواصلية الاعتيادية المنطوقة.. بالمختصرالمفيد الإدراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية تعبير اللغة الافصاح عنها كموضوع. لذا يكون من المشكوك به أمتلاك الإدراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الموجود الانطولوجي بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الإدراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل. الصمت واللغة هما تعبير واحد لتفكير العقل.
التفكير الحسّي الملازم لإدراكات الاشياء المادية في حال لا يمكنه ارسال أحساسات الحواس كموجات عصبونية الى الذهن على شكل تمثّلات لغوية تصورية فلا معنى يبقى للإدراك كحلقة في منظومة العقل التفكيرية، لانعدام آلية التوصيل اللغوي المنتظم داخل منظومة العقل الإدراكية.
كما ولا معنى يستطيع الوعي إدراكه الاشياء من غير لغة تعبير عنها، أي حينما لا تتمكن اللغة أن تستوعب الإدراك الحسي والوعي بالاشياء فلا يبقى هناك أي وجود خارج الذهن لهما.. كما والاحساسات الصادرة هي لغة تعبير العقل عن مدركاته في ردود الافعال الانعكاسية الصادرة عن الدماغ.
فاذا كانت فكرة الإدراك عن شيء هي تعبير لغوي مجرد يتمّثله، فكيف يكون الإدراك بلا لغة تلازمه ويمكننا الاستغناء عنها في إدراكنا المحسوسات الانطولوجية؟ وكيف يتشّكل الوعي بالاشياء بدون لغة تعبير تلازمه؟؟وكيف تنطبع المدركات الحسية بالذهن بغير تعبير لغوي يلازمها؟ الاحساسات والإدراكات والوعي ثلاث حلقات في منظومة العقل الإدراكية هي في حقيقتها لغة تعبيرتجريدي واحد. ولا تحمل هذه الحلقات التجريدية أفصاحاتها عن مدركاتها لمواضيع العالمين الداخلي(الاحاسيس) والخارجي(الاحساسات) الا بتعبير اللغة التواصلي الدارجة مجتمعيا..الإدراك بتعريف كواين له (هو وجود الشيء المستقل انطولوجيا..)، لكنه غير المنفصل عن الإدراك به بوسيلة تعبير اللغة، عليه يكون الإدراك هو لغة التعبيرعن الشيء.. وليس كما في عبارة كواين الإدراك وجود انطولوجي للاشياء. هذه ميزة الاشياء المدركة في تعبير كواين، وليس تعريف آلية كيف يتم الإدراك.
أننا لا نستطيع أغفال حقيقة أن الاحساس بشيء لاتكفيه لغة استبطان معرفية له فقط، وكل موجود يدرك حسّيا يصبح بالنتيجة الملازمة له مدرك لغويا بداية ونهاية، هو لغة إدراكية تجريدية سليمة غير أعتباطية ولا خالية من المعنى. فالموجود الشيئي والوعي به، وانطباعه الصوري بالذهن كلها تجريد لغوي يقبل تمرير معناه إدراك العقل، والفكرالمتعالق مع الوعي فيما يعنيه، جميعها تجليّات إدراكية تقوم على تصوير لغوي يتمثل مواضيع الإدراك.، ويشمل هذا حتى الإدراك العقلي غير المريض الذي لا يتوّسل اللغة في التعبيرعن تلك المدركات بل في التعبيرغير الانفصامي الصامت عنها. الصمت السوي غير المريض لغة تفكير لا تختلف عن لغة التواصل العادية سوى بفارق حضور الصوت في تعبير اللغة.
كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالامكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في ادبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال إدراكيا عقليا. وفصل الإدراك عن تمثّل اللغة محال معرفيا. الإدراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في الافصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة في تعبيرها التجريدي عن الاشياء هو محال ايضا، فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل. والعقل لا يدرك الاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى واحد.
وتجريد اللغة في تعبيرها عن المادة تبقى اللغة كيانا لا ماديا ايضا رغم تعالقها التجريدي الانفصالي في تعبيرها عن الاشياء المادية. لا نستطيع فهم الشيء من إدراك حسي لغوي له، كما لا يمكننا فهم لغة لا تعبر عن شيء يمكن إدراكه ومعرفته. لا يمكننا فهم العالم بصورة سليمة مقبولة عقليا من غير تعبير اللغة عن مدركاتنا لموجودات العالم من حولنا. العقل في ماهيته غير البيولوجية هو (لغة) تعبير عن المعنى فقط بتعبير قدامى فلاسفة اليونان (لوغوس) اي خطاب...
ومحال أن نجد اللغة موجودا انطولوجيا ماديا خال من تعالق موضوع تجريده معه الذي هو وسيلة إدراكه. اللغة اصوات دلالية منتظمة في التعبير عن المادي الإدراكي بينما تكون الموجودات المادية ليست لغة تواصل صوتي بل لغة إدراك تفكيري صامت. لا تتموضع اللغة في تكوين الاشياء المادية بل تبقى لغة تجريد ملازمة لوجود المادة وليس جزءا منها..
أما أمكانية فصل اللغة عن الإدراك كما يذهب له السفسطائيون والمناطقة من بعدهم فهو وهم فلسفي لا يمكن البرهنة على تحققه عقليا ولا منطقيا، اذا ما علمنا أن الإدراك أستبطانيا داخليا أو إدراكا حسّيا خارجيا للاشياء والموجودات هو (لغة) في الحالتين ولا يوجد إدراك من غير لغة تحتويه كفكر تجريدي. لكن في فرق جوهري أن لغة الإدراك الجوّانية هي لغة صمت تفكيري أما لغة التعبير الحسي عن موجودات العالم الخارجي تكون من نوع اللغة التواصلية المجتمعية كلاما أو كتابة.
لا يمكن تعويض الإدراك المجرد عن اللغة القيام بمهمة اللغة والاستغناء عنها. من المحال ان يكون هناك إدراك لا تلازمه لغة. من حيث أن حقيقة الإدراك الحسّي للاشياء في وجودها الانطولوجي هو (لغة) اولا واخيرا، ولا توجد آلية تحقق إدراك انطولوجي مفهوم له معنى في الاستغناء عن تعبير اللغة الصوري التجريدي. إدراك الشيء هو لغة صامتة استبطانية، وبغير هذه الآلية لا يتوفر للعقل تحقيق إدراكات أشياء وموجودات لها معنى.
وفي حال انتقالنا الى مرحلة متقدمة أن إدراك الاشياء خارجيا هو إدراك حسّي مصدره الحواس، فهل تستطيع الحواس مع الإدراك اللغوي التجريدي ايصال الاحساسات الى الجهاز العصبي والمنظومة العقلية على وفق آلية يمكنننا بها الاستغناء عن اللغة في إدراك الموجودات الموزعة على الاشياء؟ الجواب المباشر كلا من حيث ان الاحساسات هي ترجمة لغوية مستمدة من الحواس، والاحساسات التي تربط ما تدركه الحواس بالجهاز العصبي تكون هي ايضا لغة صورية تجريدية منتظمة وليست تداعيات من الاحساسات العشوائية التي تفتقد حمولتها النظامية في المعنى المطلوب الدال من غير نسق وبنية لغوية تنتظمها.
اللغة والفكر
رغم أني عالجت مثل هذه العلاقة التي تربط الفكر باللغة في مرات عديدة توزعتها كتاباتي ومقالاتي العديدة ألا أنني أرتأيت تثبيت ومناقشة أقتباس جدير بالتوقف عنده مفاده أن كانط والمثالية الالمانية لا تهتم باللغة كشكل تعبيري، وأنما بمضمون الفكر، رغم ما يعتور هذا الطرح من اعتسافية تنال من العقل واللغة وتنفيهما على حد سواء. نحاول المسير معه لعل وعسى نحصل على جدوى من هذا الطرح.
وقد جاء هذا التعبير الكانطي في كتاب كانط الشهير الموسوم (نقد العقل المحض) فهو يعتبر علاقة اللغة بالفكر علاقة أعتباطية وبالتالي لا يمكن الاستناد الى أستنتاج الشروط الضرورية التي يمكن أن يكون هناك للفكر موضوعا فيها." 1
امام هذه المقولة المنسوبة لكانط نضع التعقيبات التوضيحية التالية :
لا يمكن الجزم القاطع أن علاقة مضمون الفكر بشكل اللغة علاقة أعتباطية غير منتظمة، فالفكر تفكير لغوي تجريدي بموضوع مادي أو خيالي، ولا يمكن تاكيد أعتباطية التفكير أنه بلا معنى لعدم امكانية اللغة التعبير خارج الخلاص من الفرضية التي تذهب الى أن علاقة ترابط الفكر باللغة أعتباطية غير منتظمة لا يعول عليها في استنتاج شروط ضرورية يمكن من خلالها تاكيد أن هناك للفكر موضوعاته المستقلة عن اللغة حسب عبارة كانط.
الفكر كمضمون لغوي هو تفكير العقل المتقدم بالاسبقية على شكل لغة التعبير، عليه لا يمتلك الفكر كمضمون منفردا موضوعاته المجردة من تعبير شكل اللغة عنها. واذا افترضنا أعتباطية الفكر حالة تلازم الإدراك والتفكير العقلي، فأن اللغة لا تتأثر بهذه الصفة كون اللغة لا تعمل في فراغ أعتباطي غير منتظم إدراكيا لمواضيعها التي هي مواضيع تفكير العقل بها، كما لا تعمل اللغة خارج التعبير عن معنى متحقق بالفكر لغويا سلفا بمعزل عنها.
اللغة لا يمكن إدراكها عندما لا تكون دلالة تفكيرية مستمدة من شيء موجود واقعيا سابقا عليها. أو موضوعا أستنفد تفكير العقل به واعطى ردود الافعال الانعكاسية الاستجابية عنه. ويحتاج أفصاح تعبير اللغة عنه خارجيا. الإدراك لا يكتفي بالفكر المجرد عن الشكل اللغوي التعبيري كون الإدراك هو تفكير لغوي لا يمكن فصل مضمون الفكر عن شكل اللغة فيه.
الحقيقة التي لا يمكن مجاوزتها بسهولة هي أن الفكر إدراك متعيّن بدلالة لغوية عن معنى، وكذلك تعبير اللغة هي إدراك متعين بدلالة الفكر، ولا يمكننا التعبير عن فكر لا تلازمه بالضرورة لغة تعبيرعن معنى.. نظام التفكير باللغة يطوّع لغة التعبيرالتداولية..
ليس من مهام اللغة التي ترتبط حسب عبارة كانط بعلاقة أعتباطية بالفكر أن تقوم هي تنظيم وتخليص الفكر من الاعتباطية التي تلازمه. بل تنظيم نسق الإدراكات الواصلة الى الدماغ تصبح مهمة تنظيمها تقع على عاتق العقل وليس على عاتق اللغة. فالعقل مضمون تفكيري بآلية اللغة. واللغة وسيلة العقل التعبير عن تلك المضامين.. اللغة تعبير أكتسب محتواه في معنى المضمون من مرجعية تفكير العقل ولا تمتلك اللغة أمكانية تنظيم مدركات العقل بمعزل عن العقل نفسه.
ما هو الفكر بيولوجيا؟
يقسم بعض الفلاسفة الفكر بأعتباره خاصية انسانوية يتفرد بها الانسان الى عنصرين هما ميزتين تطبعان الفكر من ناحية خاصيته الانسانية، الاولى هي مضمون الفكر، والثانية هي نشاط الفكر نفسه..2
من الامور التي نفهم بها خاصية الفكر التعبيرية من خلال تعالقه البيولوجي بكل من العقل من جهة، وارتباطه بتعبيرشكل اللغة من جهة اخرى. رغم حقيقتهما أنهما وجها علاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فالفكر كمضمون هو نتاج حصيلة تفكيرية يبتدعها العقل تفكيرا بموضوع، وهذا النوع من التفكير العقلي هو (ملكة) انفرادية يحوزها العقل البشري. والصفة الثانية الملازمة للفكر أنه نوع من الفعالية الحيوية الديناميكية، بمعنى الفكر هو خاصية تفكيرية قصدية ملزمة التعبير عن نفسها، يعني الفكر هو سلوك أجرائي معرفي بالحياة لا يتسم بالحيادية.
يطرح بعض الفلاسفة سؤالا غريبا بضوء علاقة الفكر المزدوجة بين العقل بيولوجيا من جنبة وبين لغة التعبيرعنه تجريديا من جنبة اخرى " هل من الممكن يتحقق تفكيرالعقل من دون لغة؟ أم نتقبل الحقيقة التي تقول أنه بدون الفكر لا توجد لغة؟ ومن خلال الفلسفة وعلم النفس تم التوصل الى فكرتين، الاولى تذهب الى أن الفكر الحقيقي غير لغوي وهذه المقولة تبناها هنري برجسون وهي تافهة . والثانية أن الفكر هو لغة ليس الا وهي خطأ ايضا . 3
للتعقيب حول هذه التساؤلات الالتباسية الجدالية على هذه الاعتباطات الفلسفية ارى:
لا يمكن التفكير بدون شكل لغة صورية تحتوي داخلها مضمون ذلك التفكير، ليس فقط بتسليم الاستناد الى حقيقة الفكر هو لغة إدراكية تفكيرية صامتة، بل اذا جاز لنا فصل الفكر عن اللغة باعتباره إدراكا تفكيريا مجردا صامتا، فيكون معنا تفكير الإدراك بمواضيعه لا يقوم على غير علاقة ترابطية بين الإدراك الفكري باللغة، ولا يمكننا التفكير المنظم في معنى عن شيء من دون لغة تصّورية. الإدراك الحسّي هو صمت لغوي من التفكير لا يخرج عن أستحالة تفكيره وأستيعابه أحساسات الاشياء والتعبير عنها كمدركات حسّية بغيرتعبيرات اللغة تجريديا عنها.
الشيء الثاني في عدم أمكانية فصل شكل اللغة عن محتوى الفكر لا بالتفكير الإدراكي العقلي الصامت ولا بالتفكير اللغوي المنطوق أو المكتوب. يأتي من كون الإدراك هو تفكير عقلي معبّر عنه باللغة. بمعنى اللغة هي أفصاح وتعبيرعن مدركات العقل. وبغير ألية تفكير العقل إدراكيا باللغة يتوقف عمل الإدراك العقلي للاشياء والموجودات. فهم العقل للوجود لايتم ولا يتحقق الا لغويا.
حين يعتبر برجسون أن الفكر الحقيقي هو غير لغوي نفهم منه هو لا يقصد آلية التفكير التي هي آلية لغوية بامتياز لا يمكن العبور من فوقها وتجاوزها، فالفكر حقيقته القصدية بالمعنى تؤخذ من لغة تعبيره عن الاشياء . والفكر من دون وعاء لغوي يستوعبه لا يتحقق من غير شكل اللغة التي تحتويه. أما كيف يكون الفكر اكثر مصداقية حقيقية من اللغة حسب عبارة برجسون، فتمريرها الحذرالمشكوك به أنما يأتي من أعتبار الإدراك العقلي للاشياء يمتلك لغة تجانس الإدراك الحقيقي في صمت التفكير وليس في تعبير اللغة الافصاحية الخارجية عن المعنى المضموني للإدراك. لذا فالفكر هو لغة لا أكثر وما يتعالق بالفكر مثل الوعي والذهن والذاكرة جميعها تفكير لغوي موزع في اشكال من التجليات المتنوعة إدراكيا كتجريدات مصدرها العقل.اما القول اللغة تخون المعنى وتضلل العقل فهذا موضوع آخر يدخلنا بفلسفة اللغة ونظرية التحول اللغوي ونظرية فائض المعنى..
كما أن الذين يرون للفكر طبيعة تختلف عن طبيعة المادة فهذا لا يغير من حقيقة لا الفكر ولا اللغة انهما جوهران تجريدان غير ماديان ولا حسّيان، وطبيعتهما التجريدية تختلف عن طبيعة المادة كموجود متعيّن انطولوجيا أمر مفروغ منه ولا يتقبل التداخل بينهما، فالفكر الذي يعبر عن المادة لا يصبح في لغة التعبير عنها جزءا ماديا تكوينيا منها متموضعا فيها. بل يبقى الفكر تجريدا لغويا تصوريا عن المادة منفصل عنها...كما هي حقيقة تجريد اللغة في تعبيرها عن موجودات العالم الخارجي. وليس هناك من قيمة جادة يحملها تعبير برجسون( كل تعبير لغوي هو تشويه للفكر). هذا التعبير يناقض مقبولية القول أن اللغة قدرة أستيعابية محدودة لا تستطيع التعبير الكامل عن محتوى الفكر.والا تكون عبارة برجسون تقفل أمامنا حقيقة أن تكون طبيعة أفكارنا هي تحقق لغوي وبغير ذلك لا يبقى تشويها للفكر لا نجده في تعبير اللغة. خيانة الفكر للمعنى اسبق من خيانة تعبيرشكل اللغة للمعنى. ومع ذلك تبقى عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر.
هل اللغة مادة؟
ذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول الذي يقول" اللغة على وجه الخصوص هي مادية (اصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية " 4
مادية اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن إدراكنا لغة التجريد كاصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست مستقلة عنها، كونها خاصية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعين حسيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبر عنه، بل تتحدد المادة بوجودها الانطولوجي كمتعين يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والارتفاع، وأضاف انشتاين له البعد الرابع الزمن. فاصبحت المادة بابعادها الاربعة بدلا من الثلاثة.
الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن اشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد إدراكي للمادة. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما شكل اللغة ومضمون الفكر مادة باكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم أمكانية إدراكنا الصوت مجردا عن دلالته البيولوجية المادية.
الفكر لا تحتويه المادة بمقدار ما يحتويه شكل لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تاكيد صوابية خطأ مقولة برجسون أن تكون اللغة خاصية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة أمكانية جواز التفكير من دون لغة وهو محال. فالمادة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا من غير تداخل تفكير اللغة التجريدي التوسيط بينهما. عليه اللغة كاصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة عن تعبيرها عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصية التعبير كاصوات وأبجدية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عنها حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن المادة والاشياء. بهذه العشوائية في نزع خصائص اللغة الجوهرية يفقد الوجود كاملا خاصيته الانتظامية في إدراكه والتعامل معه.
التسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله."4. تماشيا مع هذا التعبير الافتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادية لغوية، وليس لغة مادية وهو ما يعني أمكانية أن تعي المادة غيرها من الماديات الاخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها. المادة ليست لغة ولا تمتلك تفكيرا لغويا. وهذا أمر ليس محالا على صعيد الإدراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد الغاء خاصية التجريد اللغوي عن مدركاته التعبيرية التي هي في حقيقتها مدركات عقلية.
لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تجريدا انفصاليا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي في محاولته فهم العقل وليس العكس فهم العقل للواقع.
أن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريد تعبيري، والمادة تبقى واقعا لإدراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بالاشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي انطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة لكنه لا يحمل خصائصها ولا يتموضع تكوينيا بها..
مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر أعتبرها (دستوت تراسي) من فضائع الاخطاء التي وقعت بها الفلسفة في محاولة بعضهم تربيع الدائرة.
طبيعة الفكر وطبيعة اللغة
يذهب بعض الفلاسفة الدخول قسرا في افتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" اننا في حال اقرارنا اللغة هي الفكر، يصبح معنا امكانية الاستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة مادية تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكرعن طبيعة اللغة "5
في سطور سابقة ناقشنا خطأ أعتبار اللغة مادة تدركها وتعبر عنها لغة اخرى مجردة من خصائص اللغة التداولية، وهذا الامر محال فاذا نحن خلعنا صفة المادة على شيئ نكون أعطيناه امكانية إدراكه تجريديا بلغة، وهو ما لا ينطبق على ان تكون اللغة مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية ايضا.
والآن نناقش الاختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادر للتفكير هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة مضمون الفكرعن طبيعة شكل اللغة وبماذا؟ لم نعثرعلى أجابة على طرح مثل هذه الاشكالية الفلسفية.
اذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسمان بالتجريد أحدهما بدلالة الاخرفي إدراك العقل تمثّلهما، عندها لا يصبح واردا مناقشة أمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة الا بتجريد فكري.
لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة شكل اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..والإدراك يتبع نفس الآلية التي تتبعها الحواس في إدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل الانطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.
عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا شكل لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت أمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال امكانية انفصاله عن تعبير اللغة التجريدي عنه؟ إدراك اللغة للمادة هو إدراك تجريدي وإدراك مواضيع المخيلة المجردة ايضا يكون بنفس آلية إدراك اللغة التجريدية للمادة. الفكر انعكاس لوجود مادي محسوس، وهذه الخاصية لا يمتلكها الفكر كونه تجريد لغوي وليس وجودا انطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة. تعبير اللغة عن الموجودات المادية لا يجعل اللغة تحوز خصائص المادة.
اللغة والآلة
الاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول امتلاك كلا من الفكر وشكل اللغة طبيعة خاصة مختلفة احداها عن الاخرى، واعتبروا اللغة مادة لأنها باختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجئون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان باعتبارها ملكة وخاصيّة لا يمكن استنساخها وتحاكي التواصل بين البشر،.
الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوية من فلاسفة بينوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض أعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:
- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالاخلاق والنفس والضمير والعواطف والاخلاص والالتزام بالوعود والاستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب المبرمج بتقنية عالية من استنساخ لغة الانسان.
- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع ان تعي ما تقوله وتلفظه" 6
- طرح ايضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب ان يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟ 7
أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة ممثلا في عدم أمتلاكها (وعيا قصديا) بهديه وعلى ضوئه يتمكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرد بها الانسان، والوعي القصدي دعى له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر وليتسلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.
- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) أمكانية توليد الجمل اللغوية الابتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه التقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية الابتكار التوليدي اللغوي.
- " اقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في أعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان، وأننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة أنطبعت فينا منذ الولادة" 1، هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول امكانية استنساخ وظيفة اللغة آليا في حاسوب متطور.
- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية اللغوية ابرزهم سكينر استنساخ اللغة آليا بالحاسوب هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنين للوعي القصدي، أن توليدية الابتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن استنساخها في الحاسوب ابسطها عدم امكانية تحكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بايصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) بالتحاور مع شخص بني آدم لكن لا يفهم الحاسوب كيف يتصرف بضوء انه اعطى وعدا. ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق اجراءات سلوكية. هذا الكلام كمحاورة قصدية بين الحاسوب ومبرمجه ذات معنى حواري هادف كما يجري مع المتحاورين البشر.
علي محمد اليوسف /الموصل
الهوامش:
1.فلسفة اللغة /سليفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت :د. بسام بركة ص 211
2. نفسه ص 305
3. نفسه ص306
4. نفسه ص 301
5. نفسه ص 306
6.نفسه ص 308
7. نفسه ص 309