جولة للبحث عن مفهومي الحقيقة والحرية في قارة الفلسفة (الجزء السادس والعشرون) - أحمد رباص

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كيفية إدراك الظواهر؟ العالم الفوقحسي كمجال للقوانين
تسمح لنا لعبة القوى كجهاز مفاهيمي بتأسيس موقف جديد بالنسبة إلى الموضوعية، ما دام يُنظر إلى المحسوس بعد ذلك على أنه نتيجة لتفاعلاتها؛ لكن من الواضح أن هذه الحركة يمكن أن تظهر وكأنها اغتراب عن العالم المحسوس. بالفعل، إذا اعتبرنا نتاج لعبة القوى، فإن ما يقدم نفسه لنا يوميا ليس موجودا كما يبدو، ليس إلا ظاهرا، أو أن المحسوس ليس سوى "ظاهرة أو ظهور". لذلك يبدو أن هيجل يقترح للحظة، وللحظة فقط، رؤية أفلاطونية وثنائية بشكل أساسي للعالم من حولنا، ما دام أنه: "من الآن يبدأ في الانفتاح، فوق العالم المحسوس بقدر ما هو عالم الظواهر، عالم فوقحسي، باعتباره العالم الحقيقي، فوق العالم السفلي الذي يختفي، والعالم الآخر الذي يبقى".
لكننا لا نستطيع أن نكتفي بتفسير دوغمائي للتمييز بين الحسي والفوقحسي. بالفعل، إذا تخيلنا أننا قادرون على الوصول إلى عالم آخر من خلال الفهم، فسوف نظل بحاجة إلى معرفة كيف يجب أن يكون الأخير مأهولا، إذا جاز التعبير. مع ذلك، إذا لم نتوفر على محتوى ما يبدو لنا أنه يشكل هذا العالم الفوقحسي، فإنه يتميز بشكل أساسي بفراغه الفلكي. إن باطن الأشياء إذن هو مجرد عالم آخر فارغ بكل بساطة، ما دام أننا لم نصفه إلا بأنه سلب للظاهرة أو ما لم تكنه الظاهرة. لذلك ينكر هيجل على الفور الفكرة القائلة بأن الفهم يتوفر على نمط محدد من التفكير يرتبط بمتعارضات محددة قد تقع خارج الظواهر وقد تشكل حقيقة هذه الأخيرة؛ بهذا المعنى، بدون العطاء المحسوس، تكون معرفتنا فارغة تماما بالنسبة إليه.
لكن هناك تفسيرا لهذه النتيجة لا يرغب هيجل في سماع أحد يتحدث عنه. قد يدعي بالفعل تاويل متشكك معين للفلسفة المتعالية الكانطية أننا لا نعرف شيئا آخر غير الظواهر، بمعنى أن الحقيقة لن تكون متاحة لنا بشكل نهائي. نحن نعلم أن هيجل يؤول الفلسفة الكانطية باستمرار (وخاصة في مقدمة كتاب "الظاهريات") كنوع من الانهزامية المعرفية بسبب التمييز الشديد بين الظاهرة والنومين (الشيء في ذاته) في كل شيء. من هذا المنظور، إذا بدا لنا الباطن فارغا، فذلك "لأننا لا نستطيع فهم باطن الأشياء"، أي أن قدرتنا على فهم الحقيقة ستكون في حد ذاتها مخطئة. لكن الأمر ليس كذلك، كما يعترض هيجل، فلا يجب أن نعتقد أن العقل باطل لأنه لا يميز شيئا في الفراغ؛ على العكس من ذلك، من المناسب تصحيح صياغة المشكلة التي تم طرحها بشكل سيء، لأننا من حيث المبدأ قمنا ببناء الفوقحسي كعالم آخر أو سفلي، كشيء متميز بشكل أساسي عن الظواهر نفسها. باختصار، يجب علينا أن نتبع القلاسفة الذين أتوا بعد كانط مثل فيشته وأن نتخلى عن شبح "الشيء في ذاته" الذي ليس سوى آخر ما بقي من الدوغمائية.

يجب إذن تجذير الثورة الكوبرنيكية من خلال إظهار أن مفاهيم الفهم ليست بالتأكيد سوى وساطة نظرية، ولكنها وساطة بارزة لأنه من خلال عمل المعرفة يتم وضع المحسوس في حقيقته. ولذلك سيقترح هيجل تاويلا تأمليا مناسبا للازدواجية الدوغمائية الشهيرة بين العالم المحسوس والعالم المعقول، وكذا لتحولها النقدي:
"لكن الباطن، أو العالم الآخر المحسوس، ناتج [عن شيء ما]، يأتي من الظاهرة، وهذه الأخيرة هي التي تتوسطه؛ أو [مرة أخرى] الظاهرة هي جوهره، وفي الواقع، هي ما يملأه. الفوقحسي هو المحسوس ومدرك كما هو موضوع في حقيقته؛ لكن حقيقة المحسوس والمدرك هي كونه ظاهرة. إذن، المافوقحسي هو ظاهرة بما هي ظاهرة".
إن القول بأن الباطن مصدره هو المعقول هو تأكيد أننا لا نستطيع معرفة أي شيء دون أن نعتمد على العالم كما يظهر لنا ويعطى لنا؛ وعلى العكس من ذلك، فإن معرفة هذا العالم لا تعني مجرد سرد الملاحظات، بل تتطلب وساطات نظرية يجب إدراكها في ثقلها الحاسم، دون جعلها كيانات تسكن عالما منفصلاً. إن الأمر إذن يتعلق باقتراح تأويل لأفهوم الظاهرة لا يترجم الأخيرة في إطار الازدواجية الأنطولوجية بين المحسوس والمعقول، بل في إطار نظرية إبستبمولوجية حيث الكيانات النظرية التي يستدعيها الفهم – الفوقحسي - يسمح لنا بوضع المعقول كما هو في الحقيقة. مثلا، عبر لعبة القوى نكتشف أن العالم كما يبدو لنا هو نتاج مجموعة من العلاقات السببية المستقرة، وبهذه الطريقة يجعل استخدام القوى من الممكن تأسيس الظواهر كظواهر، حيث أن هناك بالفعل شيء يظهر أو يتضح من خلالها، أي القوانين التي تحكمها. كما استطاع هيجل أن يؤكد أن: “العالم الفوقحسي هو، بالتالي، سيادة هادئة للقوانين، صحيح أنه يقع في ما وراء العالم المدرك – لأن الأخير لا يقدم القانون إلا من خلال التغيير المستمر – لكن[ه]، في هذا العالم المدرك، "حاضر و[يشكل] نسخته المباشرة في حالة الراحة". إن ما بدا لنا على أنه انقسام بين مملكتين وجوديتين مختلفتين، هو في نهاية المطاف نفس الشيء فقط في علاقتين مختلفتين. ويعبر القانون بوضوح عن اختلاف ثابت أو علاقة ثابتة بين الكيانات القادرة على التغير. لنفكر ببساطة في حركة السقوط الحر لجسم ما، بتغير موقعه باستمرار، ولكن تبقى هناك علاقة ضرورية وثابتة بين المسافة المقطوعة وزمن السقوط، وهي نفس العلاقة التي عبر عنها جاليليو، والتي نصوغها اليوم كما يلي: h(t) = -1/2gth + h(0).
إن برنامج البحث الذي يتم افتتاحه بعد ذلك واضح جدا: فهو يتضمن إظهار أن التنوع المضطرب ظاهريا للعالم المحسوس يمكن اختزاله بالكامل إلى مجموعة من العلاقات الكونية والضرورية من نفس النوع مثل تلك التي طرحتها الفيزياء النيوتونية.
والسؤال الذي يطرح نفسه على الفور هو مسألة العلاقة بين عالم الظواهر المتغير، الدينامي والملموس بشكل أساسي، والمجال المجرد والثابت للقوانين التي من المفترض مع ذلك أن تفسر الواقع المحسوس. فهل تسمح لنا القوانين بتفسير مجمل ما يظهر لنا في خصوصيته دون أن يبقى هناك فائض غير قابل للتفسير؟ يشكك هيجل على الفور في ذلك لأنه يؤكد أن “القانون موجود في الظاهرة، لكنه ليس حضورا كاملا للظاهرة؛ له، في ظروف مختلفة دائما، فعالية مختلفة دائما. ويبقى للظاهرة مأخوذة لذاتها جانب لا يوجد في الداخل". ما يشكل خلفية التفكير الهيجلي هنا تم تحديده بوضوح في نصنا، إنه النموذج النيوتوني للجاذبية الكونية الذي جعل منه معاصروه نموذجا لأي شكل من أشكال الشرعية.
إن برنامج البحث النيوتوني يرقى في الواقع إلى محاولة تفسير، أو إعادة توجيه، مجموع الظواهر نحو القوى التي تحترم شدتها قانون التربيع العكسي. لكن علماء عصر هيجل أنفسهم تساءلوا عن كيفية تحديد الجاذبية الكونية لتفسير الواقع بكل أبعاده، مثلا قوانين التقارب التي تربط المواد الكيميائية ببعضها البعض.
لذلك اعتمد هيجل ضمنيا على المناقشات المعاصرة له، ويبدو أن حركة فكره يمكن ترجمتها على النحو التالي: إذا كانت القوانين العامة تستحق فقط ثبات باقى العوامل، ويجب، إذا جاز التعبير، "تعديلها" عندما تكون كذلك. وبالتطبيق على الحالات المفردة، نجد أنفسنا أمام تعددية من القوانين التجريبية؛ ومن هنا تنشأ مسألة وحدة مثل هذه التعددية. إذا كانت كل حالة معينة تتضمن قانونا فرديا، يتفتت مشهدنا مثل الفسيفساء ونفقد ما يجعل التفسير العلمي محددا، أي المطالبة بالكونية والضرورة. ومن ثم تتناقض تعددية القوانين التجريبية مع مبدإ الوحدة الكونية الذي يلتزم به الفهم، وبالتالي تشجعه على تصحيح ما يبدو له أنه عيب من خلال محاولة "جعل [القوانين الخاصة] تتطابق في قانون واحد"؛ في هذه الحالة، يشير هيجل بالطبع إلى التوحيد النيوتوني للقوانين التي تحكم سقوط الأجسام (جاليليو) وتلك التي توجه حركة الكواكب (كبلر) تحت نفس القانون، أي على وجه التحديد، قانون سقوط الأجسام، قانون الجاذبية الكونية.
مع ذلك، بقدر ما تزداد العمومية، بقدر ما تفقد القوانين حتميتها، وبالتالي قدرتها على احتضان الملموس، وينتهي بنا الأمر حرفيًا إلى عدم القدرة على تفسير الخاص في خصوصياته. لذلك تساءل هيجل عن بناء سيادة القوانين ذاتها، والتي، عند التفكير فيها من حيث المبدأ الوحيد للهوية الصورية للفهم، لا تؤدي في النهاية إلا إلى ذكر مبدإ فارغ تماما، وهو المفهوم المجرد البسيط للقانون باعتباره علاقة ثابتة: “توحيد جميع القوانين في الجاذبية الكونية لا يعبر عن أي محتوى آخر سوى المفهوم البسيط للقانون نفسه [...] لا تقول الجاذبية الكونية سوى هذا، وهو أن كل شيء لديه اختلاف ثابت تجاه شيء آخر".
سوف نلاحظ مع هيجل أن "المفهوم الخالص للقانون" الذي وصلنا إليه لا يسائل ببساطة العلاقة بين القوانين المحددة ونموذج الجاذبية الكونية فحسب، بل يسائل أيضا مفهوم الشرعية ذاته، وهو السبب الذي من أجله أمكن لهيجل أن يؤكد أنه " تجاوز ايضا القانون في حد ذاته". لم يتم وضع ضرورة قوانين محددة موضع تساؤل فحسب، بل مفهوم الضرورة القانونية نفسه أو ما يسميه هيجل “الضرورة الداخلية للقانون”. بالفعل، ينص القانون على علاقة ثابتة بين الحدود المختلفة، وهو بذلك يفترض الاستقلال الفعلي للأخيرة عن علاقتها؛ غير أن مفهوم القانون يتضمن بيان ضرورة العلاقة بينهما، أي أن يبين هيجل ألا وجود لأحدهما دون الآخر، وأنهما ينطلقان من وحدة واحدة. ولهذا السبب سيناقش النص قانونا يقدم نفسه بطريقتين، الأولى في الشكل الواضح والمتمايز للقانون الذي تطور، والثانية في شكل الهوية، أي قوة فريدة.
سنؤكد، لمثلا، لتفسير السقوط الحر للأجسام، أنه ناتج عن قوة، وهي الجاذبية. ولكن، عندما يتعلق الأمر بتفسير هذا السقوط بشكل أكبر، سيتعين علينا أن نحدد كيفية عمل هذه القوة وسنذكر بعد ذلك قانون هذا الفعل؛ للقيام بذلك، سيتعين علينا التمييز داخل حركة موحدة، مثلا بين الزمان والمكان كما رأينا في القانون الذي صاغه جاليليو؛ وسنبحث بعد ذلك عن العلاقة الثابتة بين هذين الكيانين لنصل إلى حقيقة أن مقادير “الزمن المنقضي والمكان المقطوع يرتبطان ببعضهما البعض كجذر ومربع”. فلو توقفت العلوم التجريبية عند صياغة مثل هذا القانون واكتفت بذلك، لن تشبع الرغبة العميقة في التفسير، ولاستمر العقل في مطالبته بالتبرير.
سوف نلاحظ مع هيجل أن "المفهوم الخالص للقانون" الذي وصلنا إليه لا يسائل ببساطة العلاقة بين القوانين المحددة ونموذج الجاذبية الكونية فحسب، بل يسائل أيضا مفهوم الشرعية ذاته، وهو السبب الذي من أجله أمكن لهيجل أن يؤكد أنه " تجاوز ايضا القانون في حد ذاته". لم يتم وضع ضرورة قوانين محددة موضع تساؤل فحسب، بل حتى مفهوم الضرورة القانونية نفسه أو ما يسميه هيجل “الضرورة الداخلية للقانون”. بالفعل، ينص القانون على علاقة ثابتة بين الحدود المختلفة، وهو بذلك يفترض الاستقلال الفعلي للأخيرة عن علاقتها؛ غير أن مفهوم القانون يتضمن بيان ضرورة العلاقة بينهما، أي أن يبين هيجل ألا وجود لأحدهما دون الآخر، وأنهما ينطلقان من وحدة واحدة. ولهذا السبب سيناقش النص قانونا يقدم نفسه بطريقتين، الأولى في الشكل الواضح والمتمايز للقانون الذي تطور، والثانية في شكل الهوية، أي قوة فريدة.
سنؤكد، مثلا، لتفسير السقوط الحر للأجسام، أنه ناتج عن قوة، وهي الجاذبية. ولكن، عندما يتعلق الأمر بتفسير هذا السقوط بشكل أكبر، سيتعين علينا أن نحدد كيفية عمل هذه القوة وسنذكر بعد ذلك قانون هذا الفعل؛ للقيام بذلك، سيتعين علينا التمييز داخل حركة موحدة، مثلا بين الزمان والمكان كما رأينا في القانون الذي صاغه جاليليو؛ وسنبحث بعد ذلك عن العلاقة الثابتة بين هذين الكيانين لنصل إلى حقيقة أن مقادير “الزمن المنقضي والمكان المقطوع يرتبطان ببعضهما البعض كجذر ومربع”. فلو توقفت العلوم التجريبية عند صياغة مثل هذا القانون واكتفت بذلك، لن تشبع الرغبة العميقة في التفسير، ولاستمر العقل في مطالبته بالتبرير.
بالفعل، من شأن الفهم الدقيق لضرورة القانون أن يكون بمثابة القدرة على إظهار أن الحركة مقسمة بالضرورة إلى مكان وزمان، وكذلك تبرير الأسباب التي تجعل الأخيرين يرتبطان ببعضهما البعض على وجه التحديد وفقا لعلاقة رياضياتية تتناسب عكسيا مع مربع المسافة. لكن لا يبدو أن العلم قادر على الإجابة على هذا السؤال. لذلك سعى هيجل إلى إظهار أن العلوم لا تميز الضرورة الحقيقية من العلاقات التي تكتشفها، السبب الذي من أجله يستطيع أن يؤكد أن متطلبات مفهوم القانون تنقلب ضد القوانين نفسها: فهي في الواقع ليست في مستوى ادعاءاتها، أو مفهومها، ما دام أن مصطلح الضرورة بداخلها يبقى"كلمة فارغة".
يصر هيجل ضمنيا في هذه المقاطع على انتقاد البرنامج النيوتوني الذي صاغه بالفعل في أطروحته حول "مدارات الكواكب" (1801) مقتفيا أثر شيلينج: تخلى نيوتن في الواقع عن أي تفسير حقيقي للأشياء ليكتفي بـ "تحديد قوانينها"، مكتفيا همذا بكيف على حساب لماذا. إن حركة التفسير ليست اختراقا لجوهر الأشياء، بل هي تتوافق مع الفهم الذي يسعى إلى جعل الأشياء مفهومة وهو يتحدث إلى نفسه: "في الشيء نفسه، لا يولد شيء جديد يتوسط لهذه الحركة، لكن هذه الأخيرة لا تؤخذ في الاعتبار إلا كحركة فهم". كنا نبحث عن ضرورة موضوعية للظواهر، وإذا بنا نكتفي مرغمين بالضرورة الذاتية البسيطة للفهم.
لكن عند هذه النقطة بالتحديد تبدأ الأمور في الاتجاه المعاكس، لأنه من المناسب أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت المشاكل التي نواجهها لا تأتي على وجه التحديد من نفس المبادئ التي توجه الفهم في نشاطه والتي تخدمه في التفكير في تنظيم العالم الفوقحسي؛ لهذا السبب، تكون الإجابات التي يقدمها لنا الفهم غير مقنعة لأنه ينصب الهوية الصورية معيارا للحقيقة (أ=أ). مع ذلك، فقد رأينا، على العكس من ذلك، أن التفسير الحقيقي لمحتوى القوانين كان يفترض أننا نستطيع إظهار الهوية الجوهرية للحدود المختلفة (مثل المكان والزمان). يكفي أن نقول إننا يجب أن نذهب إلى ما هو أبعد من الملاحظة البسيطة لعلاقة قارة وثابتة بين الحدود المستقلة، لكن هذا يزعزع تماما العالم الفوقحسي الذي يُنظر إليه على أنه مجموعة من العلاقات القارة والثابتة. إن التشكيك في معيار الحقيقة يرقى إلى تحويل موضوع المعرفة ذاته؛ ولذلك فإن العالم الفوقحسي الذي يُفهم على أنه "السيادة الهادئة للقوانين" و"النسخة المباشرة للسكون" للعالم المحسوس هو الذي يجب أن يكون موضوع تصحيح جدلي. من الواضح أنه لا يمكن إرجاع الظواهر إلى العلاقات الثابتة والأبدية للميكانيكا العقلانية، بل على العكس من ذلك، فهي تظهر عالما عملياتيا يفترض أننا نوافق على التغيير، عالم يتكون من عمليات مختلفة على وجه التحديد ويتطلب بالتالي صياغة نماذج أخرى للمعقولية غير نموذج الشرعية الميكانيكية البسيطة. العالم الأول الفوقحسي كما يتصوره الفهم مباشرة، والذي ينظمه مبدأ الهوية المجرد، يخون العالم الحقيقي الذي يتميز على العكس بـ “مبدأ التبادل [ Wechsel ] والتنوع. لذلك يجب علينا أن نجلب التناقض والتبادل إلى العالم الفوقحسي نفسه؛ الشيء الذي يؤدي في الواقع إلى تعطيل نمط وجوده بالكامل، أي إلى قلبه.
من العالم المعكوس إلى الوعي الذاتي
نشهد بعد ذلك نشوء عالم ثانٍ فوقحسي، وهو عكس العالم الأول ويفتح المجال للتناقض، عالم يحتفل باللانهاية التي تُفهم على أنها هوية لمصطلحات مختلفة أو علاقة لا تفترض شروطا مستقلة عن شروط أخرى.
الصفحات التي خصصها هيغل للعالم المعكوس صعبة بشكل خاص لأنها تشير ضمنا إلى أننا نلجأ إلى السياق التاريخي ل"ظاهرايات الروح"، وبشكل أكثر تحديدا، أننا نصر، رغم الاختلافات التي تجعلها متعارضة، على كل ما يدين به فيلسوفنا لعمل شيلينج. يشير العالم المعكوس في الواقع إلى انتقاد الآلية باعتبارها برنامج بحث غير كافٍ لتفسير العالم كما نختبره. ومن غير المجدي بلا شك أن نتذكر أنه ضمن النسق الكانطي نفسه، يؤدي البرنامج الموضح في "المبادئ الميتافيزيقية للعلم الطبيعي" إلى حرمان الكيمياء من اسم العلم. بالإضافة إلى ذلك، في ضوء معايير التفسير المستعارة من النموذج الميكانيكي الذي أصبح مهيمناً، يصبح عالم الحياة نفسه غامضاً ويبدو أنه يفلت من النشاط العلمي الذي ربما لن يعرف أبداً، حسب تعبير كانط الشهير، من نيوتن حبة خردل. لذلك يبدو أن العديد من الظواهر تطلبت، خلال حياة هيجل، نماذج أخرى للوضوح غير تلك التي احتفى بها في شخص نيوتن: بالإضافة إلى العالم العضوي، هناك ظواهر كيميائية وكهربائية ومغناطيسية. هذا هو المكان الذي يدخل فيه شيلينج والتحدي للمبدأ البسيط للهوية الصورية.
تتوافق بالفعل منطقة "الآلية البسيطة" في لعبة القوى مع نموذج حيث كل شيء يتحدد بشيء آخر خارج عنه ويثير، بالنسبة لشيلينج، الضرورة الباردة لعالم بلا حياة. يبدو أن الكهرباء والكيمياء والمغناطيسية تتطلب أشكالًا أكثر حميمية من الوحدة تشير أيضا إلى التنافس على مبدإ الهوية المجرد وتتطلب الاحتفاء بالتعارض والقطبية. هذه هي الطريقة التي تترجم بها الكهرباء "الميل نحو الهوية [Identitäts-Bestreben] لجسدين مختلفين"، أو حتى تلك المغناطيسية هي "بشكل عام فعل الرسوم المتحركة [ Beseelung ]، وهو "غرس [ Einpflanzung ] الوحدة في التنوع، لمفهوم الاختلاف" (المرجع نفسه، ص: 223). لذلك ليس من قبيل الصدفة أن المثال الذي يفضله هيجل لوصف العالم المعكوس هو مثال القطبية المغناطيسية.
في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب "علم المنطق"، سوف يؤكد هيجل بشكل أكبر على الثورة التي أحدثها تبني مبدأ القطبية في العلوم: “إذا أصبح، في الفيزياء مثلا، تحديد الفكر الذي هو القوة، سائدا، فتلك، في عصرنا، مقولة القطبية [...] التي تلعب الدور الأهم،- هي التحديد للاختلاف الذي تتحد فيه المصطلحات المختلفة بطريقة لا انفصال فيها". يبدو أن صورة الطبيعة الناتجة عن تبني المبدإ الجديد تقلب تماما النمط الميكانيكي للتفسير رأسا على عقب، ولكنه بالنسبة لهيجل يهدف قبل كل شيء إلى إعطاء صورة أكثر اكتمالًا للعالم الظاهري من خلال الدعوة إلى تعددية في نماذج المعقولية مرتبطة بطبيعة تُفهم على أنها مجموعة من مستويات التعقيد غير قابلة لاختزال بعضها إلى بعض.
يتمثل إذن رفض هيمنة النموذج النيوتوني في التأكيد على أنه لا يسمح لنا بتفسير التجربة في طابعها العملياتي، وأنه يقدم خطاطات فقيرة ومتجانسة للغاية، من خلالها يتم تشويه الطبيعة إذا جاز التعبير. مع ذلك، فمن المناسب عدم تجذير النقد الهيجلي للآلية أكثر من اللازم، مادام أن هيجل يصر على واقعة أن العالم المعكوس يحتوي على العالم الفوقحسي الأول في حد ذاته، والذي يرغب مؤلفنا بلا شك في الإشارة إلى أن مبادئ الآلية تبقى صالحة، وإن كان بطريقة مقيدة. مع ذلك، سوف نفهم بشكل أفضل، في ضوء هذا السياق، لماذا استطاع هيجل التأكيد على أنه من الضروري جلب مبدأ "التبادل والتنوع" إلى قلب العالم الفوقحسي نفسه بحيث يكون "الداخل" "مكتملاً كظاهرة"، بمعنى أنه من الضروري قلب مبادئ الفهم ذاتها واقتراح أنواع أخرى محددة من التفسيرات لاحتضان الطبيعة في تنوع هيمناتها.
هذه "الصورة" الجديدة للطبيعة تجعلها أقل غرابة بالنسبة إلينا، وبالتالي يمكننا أن نجد أنفسنا فيها، ما يشكل طريقة سطحية أولى لشرح لماذا يبدو أن مواضيعية الوعي الذاتي قد نشأت في نصنا من جدلية الجانب المعكوس. يعتمد هيجل على النموذج الشيلينجي لطبيعة تُفهم على أنها "الروح المرئية" ولروح تجسد، من جانبها، "طبيعة غير مرئية". يكون الفهم للوهلة الأولى أعمى عن النشاط المكون له، لذا فهو يفكر في العالم باعتباره غريبا عنه، وفقا للتعارض بين الذات والموضوع الذي يميز الوعي. وتؤدي تجربة هذا الفصل، كما رأينا، إلى مجموعة من التصحيحات الجدلية الهادفة إلى تقويم الطرق التي يتصور بها الفهم نشاطه والمنتجات المترتبة عنه. في نهاية المطاف، يتم دفعه إلى تشكيل صورة أخرى عن الطبيعة، وبذلك يجد نفسه أخيرا في موضوعها، والذي يمثل لهيجل ظهور الوعي الذاتي.
ربما ينبغي التأكيد على أن الوعي الذاتي، بالنسبة لفيلسوفنا، يرتبط دائما بموضوعية معاكسة أدرك من خلالها نشاطي الخاص، ولا يكون أبدا مرادفا لعودة انعكاسية بسيطة إلى الذات. في هذه الحالة، لا يمكن فصل هذا المفهوم عن الوعي المنهجي الذي يمكن أن يأخذه الفهم من قوته التأسيسية، ويطلق إذن إشارات نحو العقل. لذلك، يبدو لنا أن حركة الفصل التي وصفناها تنير الأسباب التي جعلت هيجل يضع لنفسه هدفا، في بداية التطور، لإظهار أن الوعي، في داخل متعارضه ذاته، يجب أن يصبح "وعيًا متصوِرا"، لأنه من خلال إصلاح المفهوم العام للموضوعية وهو مفهوم الفهم، أي بإجبار الأخير على التصور، وربط الحدود المنفصلة، ​​يمكننا أن نحرر أنفسنا من المعارضة الوعيوية.
بدت الطبيعة غريبة، وبدت وكأنها تخفي خلفية مزدوجة ترفض الانصياع لنا، لكن ذلك لأننا نظرنا إليها بطريقة خاطئة؛ بمجرد إصلاح الفهم، نكتشف أنه: "خلف الستار المزعوم الذي من المفترض أن يحجب الداخل، لا يوجد شيء لنراه إذا لم نذهب بأنفسنا إلى الخلف، لغاية أن نرى أن هناك، في الخلف، شيء يرى". يدرك الوعي أنه فقط من خلال مفاهيمه يمكن جعل الموضوعية معقولة، وأنه عندما يتم تصور تلك المقاهيم تأمليا، لا يكون العالم نفسه غريبا عن جوهره الخاص؛ وبهذه الطريقة، يصبح الوعي واعيا بنفسه حرفيا في العالم الذي يوجد أمامه.
ثم تنفتح أمامنا "مملكة الحقيقة الأصلية"، أي مملكة الوعي الذاتي، لكن هيجل يحثنا مباشرة على توخي الحذر من خلال تذكيرنا بأن هذه الحقيقة لا توجد بشكل مستقل عن المسار الذي يسمح لنا بالوصول إليها وما زالت تتطلب العديد من التطورات الأخرى ليتم استيعابها بالكامل. يؤكد، بالفعل، في نهاية فصلنا، أن “معرفة ما يعرفه الوعي باعتباره يعرف نفسه تتطلب كذلك ظروفا أخرى، يتشكل شرحها مما يلي". إن القول بأن الوعي الذاتي هو حقيقة الوعي الموضوعي يمكن أن يفسح المجال بالفعل لتفسير مشوه يؤدي إلى مثالية ذاتية شعثاء أو نزعة فردانية محمومة. النتيجة التي يمكن الخروج بها هي أن الوعي الذاتي الخاص، وعي الفرد المفرد بنفسه، صالح تماما باعتباره الحقيقة النهائية. هذا هو السبب وراء رغبة هيجل في أن يوضح، في الفصل الرابع، أن الوصول إلى الوعي الكوني، أي وصول كل واحد منا إلى الموضوعية (بمعنى ما هو كوني وضروري)، ليس واقعة فعلية. نحن لم نولد، إذا جاز التعبير، مزودين بالوعي المكوِن. يتطلب إمكان هذا الأخير والانطلاق مما يمكن أن نسميه بالموضوعية المعرفية الأصيلة نظاما للتكوين الفردي، وهو عمل سلبي يدعو إلى اتباع مسار جديد للوساطة يكشف شروط الإمكان التاريخية والعملية والسياسية التي تشكل خلفية المنظور النظري الذي كثيرا ما نفكر فيه بطريقة غير مجسدة، أي بشكل مستقل عن تكونه الملموس.
(يتبع)
نفس المرجع