الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية: نقاش متصاعد بين شركات التكنولوجيا والأسر والخبراء

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

يشهد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس الأمريكية توسعًا متزايدًا بدعم من شركات التكنولوجيا الكبرى وصناع القرار، الذين يرون في هذه الأدوات وسيلة لتطوير العملية التعليمية وإعداد الطلبة لعالم يتزايد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التوجه يواجه معارضة متنامية من أولياء الأمور وخبراء التربية وعلم الأعصاب، الذين يحذرون من غياب الأدلة العلمية الكافية التي تثبت فعالية هذه التقنيات في تحسين تعلم الأطفال، بل يشيرون إلى احتمال تأثيرها سلبًا في تنمية قدراتهم المعرفية واستقلالية تفكيرهم.
بدأ الجدل يتصاعد بعد إدراج أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الدراسية. ففي إحدى المدارس الإعدادية بمدينة نيويورك، طُلب من أحد التلاميذ إجراء تجربة علمية ثم الاستعانة بروبوت المحادثة Google Gemini للحصول على ملاحظات حولها. إلا أن والدته، كيلي كلانسي، اعترضت على هذا التوجه، معتبرة أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في مثل هذه المهام يشجع التلاميذ على إسناد التفكير إلى الآلات بدلًا من تنمية قدراتهم على الحوار والعمل الجماعي وتحليل الأفكار بصورة مستقلة. وانطلاقًا من هذه القناعة، أسست مجموعة تدعو إلى فرض وقف مؤقت لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس الحكومية بمدينة نيويورك لمدة عامين.
ولا تقتصر هذه المعارضة على نيويورك، إذ شهدت ولايات أخرى تحركات مماثلة. ففي ولاية أوريغون وقع أكثر من 1100 من أولياء الأمور عريضة تطالب بإزالة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي من الأجهزة التي يستخدمها الطلبة، كما دعت منظمة Fairplay، المعنية بالدفاع عن حقوق الأطفال، إلى فرض وقف يمتد خمس سنوات على استخدام منتجات الذكاء الاصطناعي الموجهة مباشرة للأطفال من مرحلة ما قبل المدرسة حتى نهاية التعليم الثانوي.

في المقابل، تواصل شركات التكنولوجيا والإدارة الأمريكية تشجيع دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم. فقد نُظمت لقاءات رسمية للترويج للتقنيات التعليمية الحديثة، كما قدمت شركات مثل Microsoft وOpenAI وAnthropic دعمًا ماليًا لتدريب المعلمين على استخدام الذكاء الاصطناعي. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 40% من معلمي التعليم الأساسي والثانوي أفادوا بأن طلابهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الفصول الدراسية مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا.
ومن أبرز المنصات المستخدمة في المدارس الأمريكية منصة MagicSchool، التي تعاقدت مع عدد كبير من المناطق التعليمية، وتوفر أدوات متنوعة، من بينها روبوتات محادثة للتفاعل مع الطلاب، وأدوات لمراجعة الكتابة، ومساعدات لإعداد الأنشطة التعليمية. وترى الشركات المطورة لهذه الأدوات أن الذكاء الاصطناعي يساعد على تحسين التفاعل داخل الصف، وتكييف الأنشطة مع احتياجات المتعلمين، وزيادة كفاءة التدريس، مع الحفاظ على جودة العملية التعليمية.
كما يؤكد مؤيدو استخدام الذكاء الاصطناعي أن هذه التقنيات تتيح للطلاب فهم الموضوعات المعقدة من خلال إعادة صياغتها وربطها بأمثلة من حياتهم اليومية، الأمر الذي قد يسهم في تقريب المفاهيم العلمية والتاريخية إليهم. ويرى بعض المختصين في محو الأمية الرقمية أن الطلاب بحاجة إلى اكتساب مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، لأن سوق العمل المستقبلي سيجعل الإلمام بهذه الأدوات شرطًا أساسيًا في كثير من الوظائف.
في المقابل، يستند المعارضون إلى نتائج دراسات حديثة في علوم التربية والأعصاب تشير إلى احتمال حدوث ما يعرف بـ"التفريغ المعرفي"، أي اعتماد الأفراد على أدوات خارجية لإنجاز العمليات الذهنية بدلًا من ممارستها بأنفسهم. وخلصت دراسة نشرت عام 2025 إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و25 عامًا أظهروا اعتمادًا أكبر على أدوات الذكاء الاصطناعي، مع انخفاض في مستويات التفكير النقدي مقارنة بالفئات العمرية الأكبر. كما أشار تقرير صادر عن جامعة ستانفورد إلى محدودية الأدلة المتاحة بشأن أثر الذكاء الاصطناعي في تعليم الأطفال، وعدم وضوح ما إذا كانت هذه الأدوات تساعد على بناء تعلم طويل الأمد أم تقتصر على تسهيل إنجاز المهام الدراسية.
ويرى عدد من علماء الأعصاب أن الذكاء الاصطناعي لم يُصمم أساسًا ليكون أداة تعليمية، بل أداة إنتاجية تساعد الخبراء على إنجاز أعمالهم بكفاءة أكبر. ومن ثم، فإن استخدامه من قبل المتعلمين المبتدئين قد يقلل من فرص اكتساب المهارات الأساسية، لأن التعلم الحقيقي يتطلب ممارسة التفكير، وحل المشكلات، والخطأ والتصحيح، وهي عمليات قد تتراجع عندما يتولى الذكاء الاصطناعي جزءًا كبيرًا من العمل الذهني.
ومع ذلك، يعترف بعض المؤيدين بوجود فوائد حقيقية في حالات معينة، ولا سيما بالنسبة للطلاب ذوي صعوبات التعلم. فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي تحويل النصوص إلى مواد صوتية، أو تبسيط المحتوى، أو تقديم وسائل مساعدة للطلاب المصابين بعسر القراءة. لكن المعارضين يردون بأن مثل هذه التقنيات المساندة كانت متوافرة قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا يوجد دليل واضح على أن دمج الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى تحسينها بصورة جوهرية.
كما أثارت بعض التطبيقات مخاوف تتعلق بالجوانب النفسية والاجتماعية، خاصة عندما تتخذ روبوتات المحادثة شخصيات تحاكي البشر، مما قد يدفع الأطفال إلى بناء علاقات عاطفية معها خلال مراحل حساسة من نموهم. واستجابة لهذه الانتقادات، أعلنت منصة MagicSchool إزالة الشخصية الافتراضية الخاصة بروبوتها واستبدالها بمساعد تعليمي محايد لا يتضمن سمات إنسانية.
وقد دفعت هذه المخاوف بعض المناطق التعليمية إلى مراجعة سياساتها. ففي ولاية أوريغون، اعتمد مجلس التعليم قرارًا يقضي بوضع معايير واضحة لاستخدام التكنولوجيا التعليمية، مع حذف التطبيقات التي لا تستند إلى أدلة علمية تثبت فائدتها التعليمية. كما دعا الاتحاد الأمريكي للمعلمين، رغم تلقيه دعمًا ماليًا من شركات التكنولوجيا، إلى إزالة أدوات الذكاء الاصطناعي الموجهة مباشرة لتلاميذ المرحلة الابتدائية، بينما طالب أكثر من نصف أعضاء مجلس مدينة نيويورك بفرض وقف مؤقت لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس، باستثناء تدريسه بوصفه موضوعًا يتعلق بفهم مخاطره وحدوده. وأدت الضغوط المجتمعية أيضًا إلى إلغاء مشروع إنشاء مدرسة ثانوية متخصصة في الذكاء الاصطناعي بمدينة نيويورك.
وفي المقابل، يرى بعض الخبراء أن فرض حظر كامل قد لا يكون الحل الأمثل، لأن الطلاب سيستخدمون هذه الأدوات خارج المدرسة على أي حال. ولذلك يدعون إلى التركيز على تعليمهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة نقدية، وفهم آليات عمله، وحدوده، ومواطن الخطأ فيه، حتى لا يتحول إلى مصدر يعتمدون عليه بصورة غير واعية.
ويعكس هذا الجدل صراعًا بين رؤيتين مختلفتين: الأولى ترى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لتحديث التعليم وإعداد الطلبة لمتطلبات المستقبل، والثانية تؤكد أن الأولوية يجب أن تبقى لتنمية المهارات الأساسية، مثل القراءة والكتابة والتفكير النقدي وحل المشكلات، قبل الاعتماد على أدوات ذكية قد تعوض جزءًا من العمليات الذهنية التي ينبغي للمتعلمين اكتسابها بأنفسهم. ولا يزال غياب الأدلة العلمية الحاسمة حول أثر الذكاء الاصطناعي في تعلم الأطفال يجعل مستقبل استخدامه داخل المدارس محل نقاش واسع بين صناع القرار، والمؤسسات التعليمية، والأسر، والباحثين.