أما موضوعها فهو موضوعنا جميعاً في الماضي والحاضر وللأسف حتى المستقبل المنظور على الأقل.. موضوع الاستلاب والغبن التاريخيين اللذين لحقا بنا وصارا دمغة خاصة بنا.. تارة باسم الدين والأخلاق والعادات والتقاليد، وأخرى باسم القومية والعروبة، وثالثة وليست الأخيرة باسم الثورية والماركسية.. حتى صرنا لا نميز في الحقيقة مضامين كل هذه الأشياء.. وما مدى حاجتنا لها.. إذا كنت مغبوناً، مستلباً، جائعاً، ذليلاً، منكسراً.. في الأخير مغلوباً على أمري في بلدي وبين ظهراني شعبي وناسي، وتحت كل هذه اللافتات المرفوعة، ما حاجتي لكل هذه الأشياء، وكيف لا تتحول هذه المفاهيم في ذهني إلى مترادفات لغبني وجوعي وذلي وانكساري.. أرادت الرواية أن تعالج بعض هذه المفاهيم وتضعها تحت المجهر.. والمجهر في حالتنا هو خيال الروائي فقط.. وأقول فقط، لأن الكاتب تحدث عن ملابسات تجربة هو لم يعشها، تحدث عن تجربة عراقية بحتة وهو السوري.. تجرأ في الحديث عن أغوار ومستنقعات ومشاكل جنوب العراق كما لم يجرؤ كاتب عراقي على ذلك.. مثلما تحدث عن الجزائر وثورتها المغدورة كأنه جزائري.. وهنا يكمن الإبداع الانساني، هنا يكمن الأفق اللامحدود للإبداع.. أفق الرؤية، الاستقراء.. ليعرف الإنسان في النهاية موطئ قدمه الحالي.. لقد مازج الروائي بين تجربتين تبدوان متباعدتين، تجربة ثورة انتزعت البلد من استبداد الاستعمار الفرنسي وأخرى تحاول انتزاع البلد من فك المستبد الوطني، القومي، العروبي، المؤمن..الخ التجربتان فشلتا فشلا ذريعاً:
الأولى في تحويلها الاستبداد الاستعماري إلى استبداد وطني.. والثانية فشلت في المهد لتسرعهاوانبهارها بتجارب ثورية عالمية أرادت استنساخها على عجل.. والنتيجة؟ ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة هي الهزيمة، وهنا تدخل جرأة الكاتب في حديثه عن بواطن وكوامن الإنسان المهزوم.. ماذا يفعل مثل هذا الإنسان وهو تحت وطأة فقدان أكبر أمل في حياته.. كان (مهيار الباهلي) الشخصية العراقية الشيوعية في الرواية، و(فلة العنابية) الشخصية الوطنية الجزائرية، داخلين في نسيج تجربتيهما لحد التماهي.. ماذا ستكون ردود أفعالهما وهما يراقبان انهيار وتكركب التجربة على رأسيهما. ماذا ستكون ردود فعل المهزوم؟ ونحن يا سادتي الصارخين كلنا مهزومون، مهزومون أمام أعدائنا الخارجيين (الاسرائيليين وكل حلفائهم)، ومهزومون أمام حكوماتنا وأنظمتنا الاستبدادية المتجبرة على حياتنا ومنافذنا المنظورة وغير المنظورة.. ومهزومون أخيراً وهي الطامة الكبرى أمام أنفسنا.. هكذا بدل المقاومة للدفاع عن النفس وهو أضعف الإيمان، لجأنا إلى الانكفاء، تارة غوصاً في ماض نعتقد أنه كان باهراً لاستعادته من رفوف التاريخ.. وأخرى غوصاً في ذواتنا باحثين في مجاهلها عن تعويض ما.. ماذا سنجد في هذه الذوات غير تلك الانعكاسات الشرطية لمشاعر الكبت والحرمان التي تحاول التعبير عن نفسها بأي طريقة وبأسرع وسيلة.. ها هي ( فلة العنابية) في الرواية تلجأ إلى العهر وسيلة للنسيان، و(الباهلي) الشيوعي المهزوم يغرق في تجاربه الجنسية (عهر أيضاً) والالتذاذ عبر استعادتها كل مرة بشكل آخر لذات السبب.. النسيان. حتى يتحول النسيان الى إكسير نحاول به تضميد جراحنا وتعويض ما فاتنا.. هذا هو موضوع الرواية بشكل عام .......
هذا هو موضوع الرواية.. لم كل هذا الصراخ؟، ألا يعد هذا مظهر آخر صارخ لحجم الخسارة التي ألمت بنا جميعاً، حين فقدنا كل وسائل المقاومة والدفاع عن النفس، ولم يتبق في أيدينا غير اللجوء الى الصراخ والعويل والتهديد الاجوف بالويل والثبور. في حين أن أغلب أولئك الصارخين إن لم أقل جميعاً لم يقرؤوا الرواية، بل حتى لو تجرأ أحدهم وبحث عنها وقرأها تيقنوا أنه سيقرأها بذهنية المتربص الباحث عن الانتقام.. والرواية، أي رواية هي عالم مليء بالرموز والايحاءات والتشابيه والاحاجي، واخيراً التنوع وهذا هو المهم في الرواية لأنها تحاول أن تعكس الحياة، وهذه من التنوع والغنى ما يصعب على الانسان الاحاطة بكل مفرداتها، باستثناء بعض المبدعين من الفنانين والروائيين والشعراء، الذين يمتلكون حقاً ناصية الابداع، والأهم الموهبة.. سيخرج علينا المتربص بقائمة تطول من تعابير وتشابيه وألفاظ تخدش الحياء، او لا تتماشى مع الدين الحنيف، وهنا لا يسعني إلا أن احيل المتربص والقارئ إلى اقرب سوق يصادفه في بلد عربي أو إسلامي، ليستمع ويخبرني بماذا وكيف كان يتحدث الناس في السوق..