أگلمام ن سيدي علي: جوهرة طبيعية وثقافية في قلب الأطلس المتوسط - عدي الراضي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

يضم المغرب، ولاسيما مناطقه الجبلية، عددًا مهمًا من المواقع السياحية والمناظر الطبيعية التي تتميز بمقومات بيئية وإيكولوجية ذات قيمة عالية. غير أن هذه المؤهلات لا تحظى جميعها بنفس الدرجة من التثمين والاستثمار؛ فبعض المواقع يحتاج أساسًا إلى تعزيز التسويق الترابي والتعريف بمؤهلاته الطبيعية والثقافية، في حين أن مواقع أخرى تتطلب، قبل ذلك، توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية الكفيلة باستقبال الزوار في ظروف ملائمة، ثم مواكبة ذلك باستراتيجيات فعالة للتسويق الترابي.

وفي هذا الإطار، نحاول من خلال هذا المقال المتواضع التعريف ببحيرة أكلمام ن سيدي علي باعتبارها إحدى أبرز المعالم الطبيعية بالأطلس المتوسط، لما تزخر به من مؤهلات بيئية ومناظر طبيعية خلابة تجعلها وجهة سياحية واعدة. ورغم ما تحظى به من أهمية طبيعية وإيكولوجية، فإنها ما تزال في حاجة إلى مزيد من العناية والتأهيل، وإلى اعتماد مقاربة فعالة للتسويق الترابي من شأنها التعريف بهذه المعلمة الطبيعية وإبراز قيمتها السياحية والبيئية، بما يسهم في تحقيق تنمية محلية مستدامة تعود بالنفع على الساكنة والمجال على حد سواء.

تُعد بحيرة أگلمام ن سيدي علي (1)واحدة من أجمل البحيرات الطبيعية بالمغرب وأكثرها حضوراً في الذاكرة الجماعية لسكان الأطلس المتوسط. تقع هذه البحيرة ضمن النفوذ الترابي لجماعة إيتزر التابعة لإقليم ميدلت، على مقربة من الحدود الإدارية لإقليم إفران، وترتفع بحوالي 2100 متر عن سطح البحر. وتغطي مساحة تقارب 500 هكتار، بينما يصل عمقها في بعض أجزائها إلى نحو 36 متراً(2)، مما يجعلها من أكبر البحيرات الجبلية بالمملكة. وتحيط بها المراعي الواسعة وغابات الأرز والبلوط  والتكوينات الجبلية التي تضفي على المكان جمالاً استثنائياً، وتجعله وجهة مفضلة لعشاق الطبيعة والهدوء والتصوير. وأقرب المدن إلى البحيرة تمحضيت وإيتزر.

وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن البحيرة تشكلت نتيجة التحولات الطبيعية التي عرفتها منطقة الأطلس المتوسط عبر آلاف السنين، في ارتباط بالبنية الجيولوجية والبركانية للمنطقة(3). وقد ساهمت هذه الخصائص الطبيعية في ظهور نظام بيئي غني ومتنوع يحتضن العديد من أنواع الطيور المهاجرة والنباتات الجبلية والكائنات الحية التي وجدت في البحيرة ومحيطها موطناً ملائماً للاستقرار والتكاثر. كما شكلت البحيرة على امتداد التاريخ مورداً مائياً أساسياً للرعاة والقبائل التي كانت ترتاد المنطقة خلال مواسم الانتجاع.

غير أن أگلمام ن سيدي علي ليست مجرد مجال طبيعي أو جغرافي، بل هي أيضاً فضاء ثقافي ورمزي غني بالأساطير والحكايات التي نسجها الإنسان المحلي في محاولته لفهم المكان وتفسير نشأته(4). ويحمل الموقع اسم الولي الصالح سيدي علي أومحند الذي يوجد ضريح منسوب إليه بالقرب من البحيرة، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة التي ربطت المجتمعات الجبلية المغربية بالأولياء والزوايا باعتبارها مؤسسات روحية واجتماعية ساهمت في تأطير حياة السكان عبر قرون طويلة.

وقبل ظهور أنماط الاستقرار الحديثة، كانت المنطقة المحيطة بالبحيرة مجالاً للانتجاع الرعوي الموسمي. وكانت الأسر الأمازيغية تنتقل بقطعانها نحو المراعي الخصبة خلال فترات معينة من السنة، وتقيم خيامها متقاربة في محيط الموقع. وفي وسط هذا المجال الرعوي كانت توجد مصادر الماء التي تمثل محور الحياة اليومية ومركز النشاط الجماعي. ولم يكن الماء يؤدي وظيفة اقتصادية فقط، بل كان أيضاً فضاءً اجتماعياً وثقافياً تتقاطع عنده العلاقات الإنسانية. ففي الثقافة الأمازيغية التقليدية ارتبطت منابع المياه والآبار بما يعرف بـ"تاقرفييت"(5)، وهي كلمة تحيل إلى اللقاءات الهادئة والعفوية التي كانت تجمع الشباب والشابات أثناء التوجه إلى الماء أو العودة منه، في إطار الأعراف الاجتماعية المتعارف عليها. وكانت هذه الفضاءات تشكل إحدى المناسبات الطبيعية للتعارف وتبادل الحديث والنظر بين أبناء الأسر والقبائل المختلفة، الأمر الذي منحها مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية لسكان الجبال.

وفي هذا السياق الاجتماعي والثقافي تندرج الأسطورة الأكثر شهرة حول نشأة أگلمام ن سيدي علي، وهي رواية شفوية ما تزال متداولة بين بعض رعاة المنطقة وكبار السن من سكان الأطلس المتوسط. وقد استُقيت هذه الرواية من راعيين للأغنام صادفناهما بالقرب من البحيرة أثناء رعي قطيعهما، وعند سؤالنا لهما عن أصل البحيرة وما يقوله الأوائل بشأن تشكلها، نقلا إلينا حكاية متوارثة جيلاً بعد جيل.

وتحكي الرواية أن المكان الذي تحتله البحيرة اليوم لم يكن سوى سهل أخضر فسيح تنتشر فيه خيام الأسر المنتجعة بقطعانها، وكانت هذه الأسر تعتمد على بئر كبيرة تقع في قلب المجال للحصول على الماء. وكان الأجداد قد أوصوا بضرورة إغلاق فوهة هذه البئر بباب أو غطاء خشبي بعد كل استعمال، لما كان يُعتقد أنه خطر كامن في تركها مفتوحة. وكانت تلك الوصية تُحترم بدقة باعتبارها جزءاً من الحكمة الجماعية المتوارثة.

وتختلف الروايات في اسم بطلة الحكاية؛ فبعض الرواة يسمونها مولاتي ، بينما يطلق عليها آخرون اسم يطو(6)، وهو اختلاف طبيعي في الروايات الشفوية التي تنتقل عبر الأجيال وتخضع لتحولات محلية تبعاً للبيئات والقبائل التي تحفظها. أما بطل القصة فهو شاب يدعى إلياس. وتروي الحكاية أن لقاءات الحب كانت تجمع بين إلياس وحبيبته عند البئر، وهو أمر يبدو منسجماً مع الدور الاجتماعي الذي كانت تؤديه أماكن الماء في إطار ما يعرف بتاقرفييت. وفي أحد الأيام كان الشابان عند البئر حين لمح إلياس إخوة الفتاة أو أهلها يقتربون من المكان، ففر مسرعاً خوفاً من انكشاف أمر اللقاء. وفي خضم الارتباك والاستعجال نسيت الفتاة، سواء كانت مولاتي أو يطو بحسب اختلاف الروايات، أن تعيد الباب الخشبي إلى مكانه فوق فوهة البئر كما أوصى الأجداد.

وما إن تُركت البئر مفتوحة حتى اندفعت المياه بقوة هائلة لم يستطع أحد إيقافها، فغمرت السهل والمراعي والخيام، وتحولت الأرض كلها إلى بحيرة واسعة. وتضيف بعض الروايات أن عدداً من الأشخاص، ومن بينهم إخوة الفتاة، غرقوا في الفيضان، بينما تمكن إلياس وحبيبته من النجاة، لتظل قصتهما مرتبطة إلى الأبد بميلاد البحيرة التي أصبحت تحمل ذاكرة ذلك الحدث المأساوي(7).

ولا يستبعد أن يكون اسم إلياس الوارد في الأسطورة حاملاً لصدى ذاكرة تاريخية أقدم من الحكاية نفسها. فبحسب ما تحتفظ به الذاكرة المحلية، تنتجع خلال فصل الصيف مجموعات وقبائل تُعرف باسم آيت إلياس بالمجال الممتد حول أگلمام ن سيدي علي نحو سنوال والبقرية وأدعداع (8)وغيرها من المراعي الجبلية بالأطلس المتوسط، قبل أن تعود خلال فصل الشتاء إلى مجالها "أزغار" القبيلة، المتمثل في السهول والأراضي المنخفضة الواقعة ضمن أحواز سوق الحد الحالية. ومن ثم يمكن افتراض أن شخصية إلياس في الرواية الشفوية قد لا تكون مجرد بطل أسطوري، بل ربما تمثل أثراً رمزياً لجد مؤسس أو لشخصية تاريخية ارتبط اسمها بهذه المجموعات البشرية وبالمجال الذي استغلته عبر أجيال طويلة.

وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة إذا استحضرنا أن المجتمعات الرعوية كثيراً ما تحفظ تاريخها في صورة حكايات وروايات شفوية تختلط فيها الوقائع التاريخية بالخيال الرمزي. وهكذا قد تكون الأسطورة قد احتفظت، في ثناياها، بذكرى تحركات آيت إلياس الموسمية بين المرتفعات الصيفية وأزغار الشتوي، قبل أن تعيد المخيلة الجماعية صياغة تلك الذكريات في قصة حب تربط بين الإنسان والماء والمجال الطبيعي.

وتزداد أهمية هذه الرواية حين نقارنها بالأسطورة الشهيرة المرتبطة ببحيرتي إزلي وتزليت بمنطقة إميلشيل، حيث يؤدي الحب أيضاً دوراً محورياً في تفسير نشأة معلم مائي طبيعي. ففي كلتا الحالتين نجد حضور العاطفة الإنسانية والماء والتحول المفاجئ الذي يغير معالم الطبيعة ويخلد ذكرى شخصيات أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية. ويعكس هذا التشابه وجود بنية رمزية مشتركة داخل المخيال الأمازيغي الجبلي، حيث يرتبط الماء بالحياة والحب والخصوبة  والذاكرة ؛ ولهذا فقد تعاطى المخيال الثقافي الإنساني مع الماء ورفعه من الشيء الطبيعي إلى الكيان الرمزي والثقافي . (9) . ومن منظور أنثروبولوجي، لا تكمن قيمة هذه الأسطورة في مدى مطابقتها للوقائع التاريخية أو الجيولوجية، بل في ما تكشفه من تصورات المجتمع المحلي حول الطبيعة والحياة والإنسان. فالبئر في الحكاية ليست مجرد مصدر للماء، بل تمثل رمزاً للحياة والاستقرار والتوازن الجماعي. أما الباب الخشبي فيجسد احترام وصايا الأجداد والحفاظ على النظام الذي يضمن استمرار الحياة. ويأتي الفيضان بوصفه نتيجة رمزية للإخلال بهذا التوازن. كما تكشف الرواية عن المكانة المركزية التي احتلتها المياه في الثقافة الأمازيغية باعتبارها مجالاً للعيش ورمزا للحياة  والتعارف والتواصل الاجتماعي.

وهكذا تبدو أگلمام ن سيدي علي أكثر من مجرد بحيرة جبلية جميلة؛ فهي فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا بالتاريخ، والطبيعة بالثقافة، والعلم بالأسطورة. فبينما يفسر العلم نشأة البحيرة بعوامل جيولوجية وطبيعية تعود إلى آلاف السنين، تروي الذاكرة الشعبية قصة إلياس ومولاتي أو يطو، والبئر التي نُسيت مفتوحة، ووصية الأجداد التي لم تُحترم، لتظل البحيرة شاهداً على واحدة من أجمل الحكايات التي حفظها التراث الشفهي بالأطلس المتوسط، وعلى العلاقة العميقة التي نسجها الإنسان الأمازيغي مع الماء والمجال والطبيعة عبر الأجيال. ولعل سر جاذبية أگلمام ن سيدي علي لا يكمن فقط في زرقة مياهها واتساع أفقها الجبلي، بل أيضاً في قدرتها على اختزال قرون من الذاكرة الجماعية التي ما تزال حية في روايات الرعاة وكبار السن، وفي الحكايات التي تتردد على ضفافها كلما اجتمع الناس لاستحضار ما يقوله الأوائل عن أصل هذا المكان الفريد.

وغير بعيد عن البحيرة يوجذ  موقع عيون  تكلمامين إحدى أبرز المحطات السياحية على الطريق الوطنية رقم 13 الرابطة بين مكناس وتافيلالت، حيث يستقطب الزوار والمسافرين بفضل موقعه الطبيعي المتميز وما يزخر به من مؤهلات بيئية وسياحية. وقد عرف الموقع خلال السنوات الأخيرة عمليات تهيئة وتأهيل شملت فضاءات للاستراحة والاستقبال، بهدف توفير خدمات أفضل للمسافرين العابرين لهذا المحور الطرقي الحيوي. وفي نفس المجال وبالتوغل بأرض قبيلة أيت إلياس نجد شلالات "تمشاشاط "وكدلك مروج أدعداع التي تقام فيها مواسم سنوية مثل موسم سيدي موسى موعد غلتقاء فروع أيت إلياس خصوصا إشواون وأيت سيدي موسى. فضلا عن الممرات الغبوية المؤدية من البقريت إلى عيون أم الربيع وكل هذه المواقع الطبيعية بالربط بينها وتهيئة بنياتها التحتية سوف تكون مدارا سياحيا سوف يساهم بالنهوض باقتصاد المنطقة وتنميتها. ولهذا فالبحيرة وتكتسب أهمية سياحية خاصة بحكم موقعها الاستراتيجي وسط شبكة من المواقع والمنتجعات السياحية الشهيرة، لاسيما مدينة إفران، الأمر الذي يضاعف من قدرتها على استقطاب الزوار ويعزز مكانتها ضمن المشهد السياحي بالأطلس المتوسط ؛ ويضم محيط البحيرة وحدة فندقية مصنفة ؛ كما تم إنجاز درج خشبي يربط بشكل سلس بين الطريق والبحيرة، مما يسهل ولوج الزوار إلى الموقع ويعزز جاذبيته السياحية. ، إلى جانب مرافق للإيواء شُيدت على شكل خيام إسمنتية بمحاذاة ضفاف البحيرة، في محاولة للحفاظ على الهوية المعمارية المحلية وإضفاء طابع جمالي ينسجم مع خصوصية المكان الطبيعية. وتشكل العناية بالبحيرة وتطوير بنياتها التحتية رافعة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والسياحية بالمنطقة، لما يزخر به الموقع من مؤهلات طبيعية قادرة على استقطاب الزوار وتنشيط الحركة السياحية. كما من شأن تعزيز التجهيزات والخدمات المتوفرة به أن يمنحه دفعة قوية تسهم في تثمين مؤهلاته وتحويله إلى وجهة سياحية أكثر جاذبية على المستويين الجهوي والوطني.

الإحالات والهوامش:

  1. أ كلمام وتنطق أيضا أكلمان كلمة أمازيغية يُرجَّح أن أصلها أكلوكل ن ومان، أي "تجمّع المياه"، وهي تسمية شائعة في الأطلس المتوسط. أمّا عند قبائل أيت حديدو فتُعرف البحيرة باسم إزلي، أي "المحصور أو المخنوق"، في إشارة إلى المياه المتجددة المحصورة في منخفض طبيعي، بخلاف أمدا أو تمدا اللتين تدلان على المياه الراكدة غير المتجددة. وتُنسب تسمية أكلمام سيدي علي إلى أحد الأولياء الصالحين المدفونين بالقرب من البحيرة وفق الرواية المحلية المتداولة بين سكان المنطقة.
  2. معلومات مقتبسة من موقع ويكيبيديا.
  3. توجد البحيرات في العديد من مناطق العالم وأشهرها بحيرة فكتوريا بشرق إفريقيا وبايكال في روسيا....، ويعود تكوين عدد كبير منها إلى عصور جيولوجية موغلة في القدم. ويرى علماء الجيولوجيا أن نشأة البحيرات ارتبطت بعمليات طبيعية متنوعة، مثل الحركات التكتونية، والنشاط البركاني، والتعرية الجليدية، وانخساف القشرة الأرضية، مما أدى إلى تشكل أحواض امتلأت بالمياه عبر آلاف أو ملايين السنين.
  4. يشكل البعد الأسطوري والميتافيزيقي أحد أقدم أنماط تفسير تشكل البحيرات في الوعي الإنساني، حيث نُسبت نشأتها في العديد من المجتمعات التقليدية إلى تدخل قوى فوق طبيعية أو أحداث مرتبطة بعوالم الغيب والآلهة والأرواح والكائنات الخفية. وتُعد هذه التصورات جزءاً من منظومة ميثولوجية أوسع هدفت إلى تفسير الظواهر الطبيعية وإضفاء المعنى عليها في سياق معرفي سابق لظهور التفسيرات العلمية الجيولوجية والهيدرولوجية. ومن ثم فإن دراسة هذه الروايات لا تكشف عن أصل البحيرات بقدر ما تكشف عن تمثلات الإنسان للطبيعة وعلاقته بالمقدس والمجهول، وعن الوظائف الرمزية والثقافية التي أدتها البحيرات داخل المخيال الجماعي.
  5. تُعدّ "تاقرفيت " أو "تجماعت " حسب المناطق بمثابة " عادة تقليدية في الثقافة الأمازيغية، تقوم على الحوار والتعارف بين الفتيان والفتيات في إطار تحكمه الأعراف والقيم الجماعية. ويُرجَّح أن يكون أصل الكلمة مرتبطًا بالجذر "أقراف" الذي يدل على البرودة، في إشارة إلى الحديث الهادئ الرزين البعيد عن التوتر أو التجاوز. وتمثل تاقرفيت شكلاً من أشكال التربية العاطفية والجنسية غير المباشرة، حيث تتيح للشباب فرصة التعرف إلى بعضهم بعضًا واختبار الانسجام الفكري والأخلاقي بينهم، بما يساعد على اختيار شريك الحياة في جو من الاحترام المتبادل والقبول الاجتماعي. وبذلك تؤدي هذه الممارسة دورًا مهمًا في تنظيم العلاقات بين الجنسين وضمان اندماجها ضمن المنظومة الثقافية للمجتمع القبلي الأمازيغي.
  6. من بين الأسماء النسائية الأمازيغية التي حظيت بمكانة متميزة في المجتمع التقليدي اسما يطو ومولاتي، وهما اسمان ارتبطا بالوجاهة الاجتماعية والرمزية الثقافية داخل الأسرة والقبيلة. وقد جرى العرف في بعض المناطق الأمازيغية على إطلاقهما على المولودة الأولى، لما يحمله كل منهما من دلالات مرتبطة بالمكانة والبركة والاحترام. غير أن انتشار الثقافة الإسلامية العربية وتعاظم حضور الرموز الدينية في التسمية أدى تدريجيًا إلى تراجع هذه الأسماء التقليدية لصالح أسماء إسلامية، وفي مقدمتها اسم فاطمة، الذي اكتسب مكانة خاصة لارتباطه بالسيدة فاطمة الزهراء. وهكذا أصبح اسم فاطمة الاسم المفضل للبنت البكر في كثير من الأسر المغربية، مع استمرار بعض الأسماء الأمازيغية التقليدية في مناطق محدودة محافظة على موروثها الثقافي. أما من الناحية اللغوية، فـيطو من أشهر الأسماء النسائية الأمازيغية في الأطلس الكبير والمتوسط، بينما مولاتي مشتق من لفظة "مولاتي " بالعربية وتناسبه "لالاّ" في الأمازيغية بمعنى السيدة أو صاحبة المقام، وهو اسم يحمل دلالة الاحترام والتوقير.
  7. تُفسَّر أسطورة تشكّل بحيرة أكلمام سيدي علي في المخيال الأمازيغي بوصفها تجسيداً رمزياً لقوة الحب وقدرته على التأثير في الطبيعة والمجتمع معاً. فالرواية الشعبية المرتبطة بالعاشقين إلياس وإيطو تندرج ضمن نمط ميثولوجي واسع الانتشار في جبال الأطلس، حيث يؤدي رفض الجماعة أو القبيلة لارتباط العاشقين إلى نهاية مأساوية تتحول آثارها إلى معالم طبيعية خالدة. وفي هذا السياق لا تُعد البحيرة مجرد ظاهرة جغرافية، بل تمثل ذاكرة جماعية متجسدة في المكان، تحفظ قصة الحب المجهض وتحوّل معاناة العاشقين إلى عنصر دائم في المشهد الطبيعي. وتكشف هذه الأسطورة عن وظيفة اجتماعية وأخلاقية مهمة، إذ تنطوي على نقد ضمني لسلطة الجماعة عندما تتجاوز حق الأفراد في الاختيار، وتؤكد أن الإخلال بالتوازن بين متطلبات القبيلة ومشاعر الإنسان قد يفضي إلى نتائج مأساوية تنعكس رمزياً على المجتمع بأسره. ومن ثم فإن بحيرة أكلمام سيدي علي، شأنها شأن بحيرتي إزلي وتزليت، تمثل في الوعي الأسطوري الأمازيغي شاهداً طبيعياً على مأساة الحب الممنوع، وتجسيداً لفكرة أن العاطفة الإنسانية قادرة على تجاوز حدود الزمن لتُخلَّد في الذاكرة وفي الجغرافيا معاً.
  8. أدعداع : طوبونيم أمازيغي يُطلق على المرج الرطب أو المروج الطبيعية المشبعة بالمياه، حيث تختلط النباتات العشبية بالمستنقعات والعيون الجارية، مما يجعلها فضاءات رعوية وبيئية ذات أهمية كبيرة في مناطق الأطلس المتوسط. وتنتشر مواقع تحمل هذا الاسم في عدة جهات من المجال الأمازيغي الجبلي، غير أن أشهرها يوجد بناحية البقريت ضمن المجال القبلي لأيت إلياس، حيث يشكل فضاءً اجتماعياً وثقافياً بارزاً تُقام فيه الأعراس الجماعية التقليدية، كما يحتضن موسم سيدي موسى الذي يعد من أهم المواسم الدينية والاحتفالية بالمنطقة. ويجمع «أدعداع» بين وظائفه البيئية كمجال للماء والكلأ، ووظائفه الاجتماعية بوصفه فضاءً للتجمع والتبادل وإحياء الطقوس والمناسبات الجماعية.
  9. حسن جبران ؛ وفيصل الحساني ؛ الماء الطبيعي والماء الثقافي في الواحات المعربية ؛ ضمن كتاب جماعي وحات زيز وغريس – المجال والإنسان والمجتمع –مطبعة شمس برينت ؛ الطبعة الأولى 2012 ؛ ص 124.

عدي الراضي.
باحث في التاريخ والتراث.