1- مقدّمة:
تعدّ نظريّة إيرفنغ غوفمان الدّرامية (Dramaturgical Theory)[1] مدخلاً سوسيولوجياً درامياً متطوراً لفهم السّلوك الاجتماعي وتحليل التّفاعلات الإنسانية في مسار الاستكشاف الأعمق لخفايا السّلوك الإنساني ونوازعه العصية على الفهم والتحليل. وتشكل نظريته هذه بلورة مكثّفة لمختلف الاتّجاهات الأساسية في نظريات التّفاعل الاجتماعيّ والرمزيّ على حدّ سواء. وتكمن عبقرية غوفمان في تناوله لمختلف الظواهر الاجتماعية وفق طريقة مبتكرة تعتمد التّمثيل المسرحي الرمزي منهجية صميميّة في استكشاف أبعاد السلوك الإنسانيّ نفسياً واجتماعيّا. وهو في مختلف جوانب هذه النظرية يوضّح لنا كيف يتفاعل الناس وكيف يتشكلون بأنفسهم، ويشكّلون الحقيقة الاجتماعية وفق الفعاليات الرّمزية الدرامية التي تنطوي على عمليات سيكولوجية صميمية تأخذ طابعاً رمزياً مكثفاً فاعلاً في إنتاج الهويّة والمعنى والدّلالة، وفي تشكيل الفعل الاجتماعيّ بمختلف تجلياته وتمظهراته.
وتتميز نظرية غوفمان بقدرتها الفائقة على التوغّل في أعماق النّفس الإنسانية ، واستكشاف أغوارها العميقة ، وقد جعلت من التّفاعل الإنساني الدّرامي قضيتها الأساسية وميدانها الحيوي لممارسة نشاطها المعرفي. إذ يرى غوفمان أن التّفاعل الرمزي يشكل البوتقة التي تتفاعل فيه إيماءات الجسد، وتهدّجات الصّوت، وحركات اللّسان، وومضات الدلالة، وبريق الرموز وتوهّجات المعاني. وعلى هذا النحو، وفي هذا الميدان التّفاعلي، يدرس غوفمان الإنسان كبنية دينامية سيكولوجية لغويّة رمزية تتشكل في سياقات التّفاعل مع الآخر تكيفاً مع مواقف الحياة اليومية ووضعياتها الاجتماعية.
وقد أثمرت جهود غوفمان العلمية في هذا المجال السوسيولوجي ليكون أحد أهم علماء الاجتماع في القرن العشرين، واستطاع أن يخطّ مساره المبتكر في سوسيولوجيا التّفاعل الرمزيّ، وأن يرسّخ نظريته المتفردة في مجال التّحليل الدراميّ للسّلوك الإنساني. وقد عُرف بأفكاره المبتكرة حول سلوك الإنسان في الحياة الاجتماعية والمجتمع، وقدّم رؤى واضحة حول دور الرموز والإشارات في التّفاعل بين الأفراد. وقد استحقّ بجدارة فائقة أن يلقّب اليوم بالأب المؤسّس لنظرية التّفاعل المسرحي الدراماتورجي (Dramatyrgy)[2].