يعتبر الإطار التحليلي بمثابة البوصلة المعرفية والمنهجية لتوجيه سير مراحل الدراسة، فالهدف المنشود من تطوير إطار تحليلي نظري هو تحليل النتاج الفكري والمعرفي لرواد الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر موضوع دراستنا الحالية. لذلك فإننا قبل الخوض في تحديد ملامح العناصر البنائية لإطارنا التحليلي (الاتجاهات النقدية المعاصرة)، سنحاول عرض لمحة تاريخية موجزة لعدد من الأطر التحليلية التي تبناها بعض المشتغلين بالنظرية السوسيولوجية([1])، وهي كالآتي:
- الإطار الأول: يستند إلى تحليل النظرية السوسيولوجية بالنظر إلى سياقها الاجتماعي الذي برزت منه، في محاولة أولية لفهم قضاياها النظرية، ويعتبر هاري بيرنزBarner في كتابه " الفكر الاجتماعي من البدعة إلى العلم " Social Thought From Lover to Science من المحاولات الأولى في هذا المجال، ويضاف إليها محاولة هانز موس Hans Mauss في كتابه " تاريخ الفكر الاجتماعي " of Social Thought History.
يعتمد هذا الأسلوب في تحليله للنظرية السوسيولوجية بالاعتماد على السياق الاجتماعي الذي انبثقت منه النظرية، كمثال على ذلك دراسة النظريات التي ظهرت في المجتمع اليوناني، أو المجتمع الإيطالي، أو الإنكليزي، أو الفرنسي...إلخ. حيث يسعى هذا الأسلوب إلى ربط بعض القضايا ببعض أحداث السياق الاجتماعي، وأحياناً أخرى يعالج النظرية بتحليل مفاهيمها وقضاياها الأساسية دون ربطها بأحداث معينة في السياق، من خلال إبراز انتمائها لهذا المجتمع أو ذاك فقط([2]).
يعاب على منهجية هذا الإطار في تحليله لأبعاد النظرية الاجتماعية، إغفال فاعلية السياق الاجتماعي، سواء المحلي أو الأشمل، حيث نجد أن قضايا كثيرة من النظريات ليست سوى تجريد لبعض التفاعلات الواقعية هذا من جهة. ومن جهة أخرى يتجاهل هذا الأسلوب في غالب الأحيان وضع النظرية السوسيولوجية في سياقها الفكري، فالنظرية السوسيولوجية هي حلقة في تطور نسق التفكير العلمي، حيث نجد أن كثيراً من مفاهيم هذا النسق وقضاياه قائمة في بناء النظرية موضع الدراسة ولو في إطار نسقي جديد، إضافةً إلى أن هذا الأسلوب في التحليل يتجاهل الوظيفة الإيديولوجية للنظرية الاجتماعية، وهي الوظيفة التي برزت بوضوح في فترة الحرب الباردة([3]).