عبّر رايت ميلز من خلال كتاباته عن التزامه الأخلاقي والحرية الأكاديمية بهدف تحقيق إنسان الإنسان المهدورة، فكان دائم الحرص على إبراز قيم الصدق والتأمل والحرية، لذا سعى إلى أن تتجسد هذه القيم على أرض الواقع الاجتماعي وواقع الفكر الحي الخلاق. لأن الالتزام بهذه القيم هو وحده القادر على تحويل الأفراد المنعزلين إلى أشخاص يشكلون جمهور حقيقي.
قدم ميلز دليلاً على راديكاليته في هذا الجانب، حين عرض موقفه من دور الباحث في العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وعلم الاجتماع بصفة خاصة. من خلال نقده للدور الكلاسيكي الذي يقوم به عالم الاجتماع، ومن ثم الثورة على أهداف البحث والتنظير في العلم، حيث يكشف ذلك عن ضرب من ضروب النقد السوسيولوجي. وفي جانب آخر تصور ميلز دوراً جديداً لعالم الاجتماع في المجتمع الحديث الذي يسعى من خلاله إلى نقد الواقع، وكشف ما يتحكم في بنائه من قوى، وما يرتبط به من مشكلات ونواقص، حيث يمثل ذلك أسلوباً من أساليب النقد الاجتماعي. وهنا نتساءل ما هو الدور المنوط بالعالم المتخصص بالعلوم الاجتماعية؟ لا شك أن دور العالم يختلف باختلاف الإطار الاجتماعي والتاريخي المحيط به، وباختلاف طبيعة الضغوط التي يفرضها هذا الإطار المحيط. فالعقل البشري يمكن أن يوجه لخدمة أغراض متعددة، ويمكن أن يقوم بأدوار متعددة ذات طبيعة وأهداف مختلفة، لذا نجد أن ميلز قد حصر دور الباحث في العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وفي علم الاجتماع بصفة خاصة، في ثلاثة أدوار رئيسية مختلفة الأغراض والأهداف.
- الأول: يستطيع الباحث في علم الاجتماع أن يصبح فيلسوفاً للحاكم، فمنذ أوغست كونت وحتى كارل مانهايم يستطيع المرء أن يجد محاولات مستميتة لتنظيم دور العقل. وعندما ينخرط هذا الباحث المنظر في الأمور السياسية، أو يوجه نظرياته لخدمتها، يصبح فيلسوف للحاكم، وتصبح جودة الممارسة السياسية مرتبطة إلى حد كبير بكفاءة المفكرين المدافعين عنها.
- الثاني: يستطيع الباحث في علم الاجتماع أن يصبح مستشاراً للحاكم في الدولة، وفي هذه الحالة تصبح العلوم الاجتماعية أداة رشيدة في يد الدولة لممارسة الضبط والرقابة على الأفراد، وبذلك يفقد الباحث الحياد الأخلاقي، ويوجه بحوثه من أجل تحديد الأدوات الإدارية وأساليب السيطرة أو التحريك الخفي للجماهير.
- الثالث: يستطيع الباحث في علم الاجتماع أن يصبح مستقلاً عن الحاكم وعن الدولة، وأن يختار الأبحاث التي يعمل فيها بنفسه، وكذلك المشكلات التي يتناولها بالدراسة، وأن يخضع القوة والجماهير للدراسة في ذات الوقت. كل ذلك في إطار من الالتزام .