"العناية الجنائزيّة ، واختيار المدافن، وموكب مأتمّي بهيج، أقل ضرورة لسلام الموتى منه من تعزية الأحياء" أوغسطينوس St Augustin, La cité de Dieu 1,12[1]
"ان الواقع هو طعام قبل كل شيء"[2] باشلار
الكلمات المفتاحية: مآدب المآتم – طقوس الانتقال - استئناس الموت – التبادل الرمزي –– الروابط الاجتماعيّة – المخيّال الجماعي - التخاصصية
تقديم عام:
لا تنحصر مسألة الأطعمة فيما هو طبيعي وبيولوجي فحسب بل هي ممارسة ثقافية وذات دلالة سيمائية ورمزية اكتسبها الانسان لحظة "الأكل من الشجرة"[3] فمن لحظة خروجه من الجنّة إلى حين لحظة جوعه وبحثه عن سدّ رمقه، بدأ في اكتشاف النبات وتعلّم قطف الثّمار والقنص والصيد (برا وبحرا وجوا)، وتسمّى هذه المرحلة من تاريخ البشرية بمرحلة القطّافين الصيّادين (Les pécheurs cueilleurs ). ومنذئذ تفنّن في إعداد المطبخ بحسب مراحل تطوره لأدوات الطبخ واستعمالاتها وفق ما اكتسبه من أنساق الثقافة وأنظمة الاجتماع[4] والتي حدّدت سلوكه الغذائي ونمطته وفق حاجياته، من أجل سدّ رمقه بما توفّره بيئته، وذلك في إطار توافق مع اعتقاداته ومعيشه اليومي من جهة، ومع المقدس والمتخيّل من جهة أخرى (بما فيه من سرديّة وردت عن طعام أهل الجنّة او عن طعام الميت[5]). ولقد اتضح ذلك أساسا في طقوس الانتقال/العبور (الولادة-الزواج-الموت)[6] فتتمايز حينئذ استعمالات الأطعمة بحسب تنوع الأديان (حلال/حرام) وتختلف بحسب الأمكنة والأزمنة وتعكس تفاوتا طبقيا بين الأفراد والجماعات والأمم. وهذه اللّامساواة أمام الحق في الغذاء، مثلت تهديدا للأمن الغذائي فنشبت حروب لم تتوقف. وآلت إلى نزف ثروات. ومايزال الاستعمار ينهب خيرات الشعوب، مما أدى إلى تحوّلات في السلوكيات الغذائية. وانتقلنا من التدبير الاقتصادي المنزلي الممركز حول ذاته، إلى التبذير التّابع لاقتصاد السوق. (انتقال من منتوجات بيولوجية بمورثات أصلية إلى معلبات بمورثات هجينة -من الاكتفاء الذاتي بالضروريات إلى التبعية للكماليات- ممن يمتلك فائض اللّذات إلى غيره الذي يعاني فائض الحرمان- ممن يموت بالتخمة إلى غيره ممّن يموت من الجوع-
فالاستعمار الفرنسي مثلا في تونس[7] أرسى نمطا استهلاكيا وعادات ذوقية غذائية جديدة (فكّكت ثقافة التدبير المنزلي واستبدلها باقتصاد السوق الاستهلاكي. فحول استعمالات الأطعمة المحليّة والصحيّة إلى سلوك غذائي سريع ومضرّ بالصحة وفاقد للمعنى). مما ساهم في تدمير وحدة الربط بين الأطعمة والأنظمة الرمزية الخصوصية، أي هويّة الطعام التونسي، واستبدالها بقيم مستوردة باسم الحداثة. وحدَّثت أساليب المطبخ، مما جعل ما عُرف بالجلاء الزراعي لم يكن جلاء في المطبخ التونسي ولا حفاظا على أمّننا الغذائي (لأنّ رهان الطعام هويّة شعب وتنمية مستدامة). لكن ما هو مثير للانتباه أن المجتمع في ظلّ الاحتفالات الدينية يستعيد ما يميزه عن غيره، ويجعله يتشبث بعاداته وتقاليده، مما يعني أنّ الطقوس الجماعية للطعام هي مناسبة يحرص فيها المجتمع على أن يبقى وفيا لخصوصيته ويستهلك التقليدي من الأشياء، ذلك أن طعام المناسبات الدينية أو الاحتفالات العائليّة ما هي إلاّ " تعابير هوية تعزز الشعور بالانتماء وتعيد تشكيل التضامن وليس طابعها الإلزامي مجرد مسرحية وإنما هو شكل من أشكال الخطاب الذي يتوجه المجتمع به إلى نفسه."[8] ويمكن لنا أن ندرج مآدب المآتم في هذا السياق الذي يحتاج منا تفكيرا وتدقيقا في كيفية عيش المجتمع التونسي الحالي لطقوسه من أجل فهم مدى محافظته على خصوصيته في الحداد والاحتفاء بالميت في ظلّ تحولات اجتماعيّة متسارعة مسّت كلّ مظاهر حياته.