يجد القارئ نفسَه في هذا الكتاب الرصين أمام بعض القضايا النظرية، وأمام مختبر المترجم وبعض “أسرار” اشتغاله على نصوصه المنتقاة التي يرى إليها كبنيات ثقافية شاملة، أي غير منفصلة عن مجالها السوسيوثقافي، وليس فقط كنصوص لغوية (بمستوياتها التركيبية والنحوية والصرفية والصوتية)؛ مثلما يقف (القارئ) على أسئلة وأجوبة وإضافات واستدراكات همت تحولاتِ النص وهوَ يعبُر منْ لغةٍ إلى أخرَى، مِثلما همت موضوعَ ارتباطِ "الخِيانة" بالترجَمة، وَهو أَمر لَا يَخلُو مِن الْتِباسٍ، يقول المحاوِر، فِيما لَا يَنظر إلَيه المترجم جمال خيري كشيءٍ معيبٍ، بل يعتبرُ “الخِيانةَ” (دونَ أن يُسميها كذلِك) أَمرا ملتصقا عضوِيا بِعملية الترجمَة. وسيقف القارئ إضافة إلى هذا، عَلى قضايَا أُخرى علَى قَدرٍ من الأهَميةِ كبيرٍ، لَامسهَا المحاوِر والمترجِمُ بِإسهابٍ مِثل بعضِ المفاهِيمِ والمُصطلحاتِ العِلمية والأدبيةِ وَالنقديةِ الّتِي تَظل ترجمتُهَا أمْرا عَالِقا ويعسرُ استِيعابُها لِارتِباطهَا بِنظرياتٍ وعلومٍ نشَأت فِي غيرِ السياقِ العَرَبِي. وسيتاح للقارئ أن يقترب من العُدة اللازِمَة للمتَرجِم وَالمتطلباتِ التِي يَقتَضِيها فِعل الترجَمةِ، إلى جانبِ قضايَا أُخرَى وَقف عِندهَا جمال خيري بالشرحِ والتوضِيحِ وَالتقابُل وَالمقارنةِ، كما يقول المحاوِر.
الملاحظ في هَذا الكتاب أن الْحِوار يتنَامَى بشكل تفاعلي بين أسئلَته وأجوِبتِه، ما يضفي عليه حيوية لافتة، بمعنى أن العمل كان فيه إنصات جيد من الطرفين فكان السؤال يخرج من صلب الجواب وكان الجواب يتدبر أمر السؤال بما يقتضيه الأمر من روية وإمعان نظر.
وقد ارتأى الصحافي زهير فخري والشاعر والمترجم جمال خيري أن يُذَيَّلَ الكتاب
بملحَق يضم مُنتخباتٍ ممَّا يَستهوي المترجم منَ الشّعر العَالمي، الذِي ينكبُّ عَلى تَرجَمته ويَتهيأُ لإعدَاد بعضٍ منهُ كمختَاراتٍ شِعرية للنَّشر.
وجاء في الإضاءة التي صدَّر بها المحاوِر هذا الملحق، أن “تذييل هَذا الحوَار بمقتطَفاتٍ منَ المنجَز الترجَمي لجمَال خَيري تُسوِّغه رَغبة الأخِير في إِطْلاعِ القَارئِ علَى طَبيعةِ ذَائقتهِ التي تحكَمتْ، قَليلاً أَو كَثيراً، في انتقائِه نُصوصَه المستهدفَة“؛ ولهذا الغرض بالذات انتخب الأخير عينات مُتنَوعة من الشعرِ الفرنسي المعاصر تفرق في بعضِها، يقول المحاوِر، مِن أسبَاب المتعَة، مَا قدْ يكونُ اجتمعَ في بَعضهَا الآخر. وبهَذا سَيكونُ القارئُ، منْ جهَة، أمامَ نصوص سَلسة ووَاضحَة معجَميا، لكنها عميقةُ الدلالاتِ وساحرةُ الصُّورِ الشعرية التِي تتخفَّى وَراءَها أسرارُ مُتعتها، ومنْ جِهة أخرَى، أمام نصوص مُعتِمة ومُستغلَقَة، تُقلق وتُحرِّض علَى التأمُّل وَلَن يَأتيَ علَيها القارئُ ويظفرَ ب”لذتها” إلَّا بعدَ تَقليب وَصَبر وعَذابٍ. وفي استخلاص أخير يقول زهير فخري: "إنَّ هَذه النُّصوصَ جَميعَها، وقَد تَحوَّلَت إلَى لُغةٍ جَديدةٍ، أَضحتْ تَحيا برُوحَيِ الثَّقافَتين الفَرنسيّة والعَربيّةِ. تلكَ حُظوَتُها، وَتلكَ حُظوةُ القارِئ العَربيِّ فِي الآنِ ذاتِه".