*شكَّل كتاب ''التحليل النفسي للنار''(1938)، منعرجا نوعيا قياسا إلى التراث الباشلاري السابق، وإن اعتُبِرت هذه الدراسة حقيقة امتدادا لنفس منحى العقلانية العلمية، بحيث استلهم باشلار التحليل النفسي اليونغي أساسا، قصد تخليص الوعي الإنساني؛ بخصوص معرفة النار، من العوائق اللاواعية التي تعيق موضوعيا بلوغ نتائج يقينية، فكان تناوله لعقد بروميثيوس، أمبادوقليس، نوفاليس، هوفمان…
عنصر النار، الذي لعب دورا جوهريا على مستوى تشكُّلات كيمياء الفكر الإنساني. سيادة مادية ورمزية، على امتداد مختلف الحقب والأزمنة، تستدعي حتما إخضاع كنه النار، إلى فهم موضوعي، بهدف انتشال العقل من إمكانية السقوط في أخطاء نرجسية البداهة الأولى…
*سنة 1961، أصدر باشلار كتابه الثاني عن النار، تحت عنوان''شعلة قنديل''، درس من خلاله، التأمُّل الشارد عند الحالم أثناء تأمُّله، منعزلا، منزويا، أمام لهيب شعلة، محيلا في هذا الإطار على نصوص هنري بوسكو، بليز دو فيجينير، جوهان أوغست ستريندبيرغ، جيوغ تراكل…
*أما اللحظة الثالثة والأخيرة، فتكشف عنها الترجمة العربية الحالية، المتاحة منذ الآن أمام القارئ، بفضل هذا الإصدار، قصد سبر أغوار، آخر مسودَّة دبَّجها باشلار حول موضوع النار، وفق عنوان ملهم للغاية، اختبر تغييرات أكثر من مرَّة قبل الانتهاء إلى صيغته المعلومة :''شظايا شعرية النار''. دراسة لم تبرز مختلف جوانب تصوُّرها المفترض لدى باشلار، بحيث لم يمهله الموت، وتوفيَّ يوم16 أكتوبر 1962.
هكذا، استمرَّت الأوراق التي خَطَّها باشلار متوارية لسنوات ضمن أدراج أرشيفه، غاية سنة 1988، عندما بادرت ابنته الوحيدة سوزان باشلار- الأستاذة الجامعية المتخصِّصة بعمق في فكر إدموند هوسرل، وتوفيت في باريس يوم 3 نونبر2007، عن سنِّ الثامن والثمانين، ثم دُفِنَت إلى جوار أبيها في قريتهما الأصلية''بار-سور-أوب''- إلى إخراج الوثيقة الثَّمينة، بعد تجميعها وترميم هيكلها وتنظيمها وتوضيبها، ثم كتابة مقدِّمة طويلة ومفصَّلة، تشرح في إطارها، مختلف مراحل المسودَّة أطوار كتابتها، والذِّكريات التي عاشتها رفقة باشلار غاية إخراجها النهائي، وفق بناء تضمَّن ثلاث فصول كبيرة، تناولت الأساطير التالية؛ انطلاقا طبعا من تيمة النار وإحالة لامتناهية على خيالاتها :
طائر العنقاء، بروميثيوس، أمبادوقليس.