تحويل الحدث المسيحيّ -وفق مراد المؤلِّف- إلى مقالٍ هادفٍ، وإخراجه من التناول المحصور بالمنابر الدينيّة أو الأوساط الأكاديمية، كان من الأهداف التي تبنّاها المؤلِّف لتقليص الفجوة بين مجاليْ "تاريخ الأديان" و"حاضر الأديان". فبموجب اِشتغال صاحب الكتاب في مجال دراسات الأديان، يدرك ما لهذا التمايز من نفاذٍ وسطوةٍ. فتتبّع الشأن المسيحيّ العربيّ والعالميّ، لا يحوز المكانة اللائقة به في الأوساط الثقافية العربيّة. حيث تفتقر الساحة إلى تقليد "الفاتيكانيست" (الخبير بالشأن الفاتيكانيّ)، أو ما شابهه. كما أن الإعلام الدينيّ العربيّ يبدو شديد التمازج والتداخل بالشأن الدعوي، ما جعله مقصِّرا في أداء دوره المعرفيّ، الحياديّ والرصين.
ومن جانب آخر، لا يمكن أن ندّعيَ المحافظة على كيان المسيحيّة العربيّة، وننشد أداءها رسالتها، وأساليب وعينا بمخزوننا الحضاريّ بالية. فالمسيحيّة إرثٌ جمعيٌّ، وقضاياها ليست حكرًا على شريحة بعينها، بل تتخطّى من يَدِينون بها. كما أنّ هناك خطابًا كارثيّا رائجًا، مشبعٌ بالنحيب عن مصائر هذه المسيحيّة، لا يذهب بعيدا في تلمّس الحلول وتخطّي الصعاب. لا أودُّ المكوث تحت حائط مبكاه، إيمانًا بضرورة تطوير أدواتنا الفكرية في التعاطي مع واقعنا الدينيّ، كسبيل للحيلولة دون حصول الأسوأ. فهذا الظرف الصعب نقدّر أنّه عائد، في جانب واسع منه، إلى افتقاد رؤية حديثة للمسيحيّة في الثقافة العربيّة. ذلك أنّ هذه الديانةَ، سواء كان أتباعها في الاجتماع العربيّ أم خارجه، لا يزال التعامل معهم بمنظور عقديّ، يستوجب تطعيمه برؤى حديثة، بقصد الخروج من ضيقه وأسْره.
نبذة عن المؤلف
عزالدين عناية، أستاذ من تونس يدرّس في جامعة روما (إيطاليا). نشر مجموعة من الأعمال تتناول دراسات الأديان منها: "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، توبقال، المغرب؛ "الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن"، توبقال، المغرب؛ الإمام والكردينال، منشورات المتوسط، إيطاليا. ومن ترجماته: "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان، المركز الثقافي العربي، لبنان؛ "علم الاجتماع الديني" للإيطالي إنزو باتشي، مشروع كلمة، الإمارات العربية.