من الامور التي نحاول القفز من فوقها وتجاهلها أن الثقافة لا تزدهر مع الفقر والجهل والتخلف المجتمعي الذي يكون فيه البحث عن معنى الحياة والوجود بلا معنى. ظهور مبدع كبير من بيئة التخلف والفقر في مجال ثقافي أو أدبي معيّن لا يلغي حقيقة أن مئات العباقرة ماتوا ودفنتهم مآسي الحياة بتجهيلها وفقرها أن يأخذ اولئك العظام فرصة نبوغهم بالحياة عندما يعدم الفقر إمكانية تحقيقها أمامهم في تكملة تحصيلهم الدراسي والثقافي.
2.القلق الثاني لا نجده مجديا هنا بديل هذا التبرير الزائف في تعاليه, ولماذا لا يكون لنا لغة خاصة فكرية ثقافية بنا تفصلنا عن لغة غريبة في الاصل عنا قبل الترجمة وغريبة في الاصل عنا ايضا بعد الترجمة العربية الهزيلة فكريا لها؟ الجواب الذي يحمل مباشرة حقيقته تبدو فجّة يتمثل في التساؤل هو هل عندنا فلسفة خاصة بنا عربية ؟, وهل لدينا فلاسفة عربا غير منفصلين عن الاعتياش الفلسفي في كتابة هوامش وشروحات وعروض مقدسة في عبقريتها لآراء فلاسفة أجانب غيرنا ويطلق العديد عليهم القاب مفكرين وفلاسفة عربا؟. الجواب ليس في عجز مطاوعة اللغة العربية التكافؤ الندي مع غيرها من لغات أجنبية قبل مساءلة انفسنا توفير أين هي الفلسفة العربية الخاصة بنا التي لا تمّثل لغة تعبير الافكار لها عدم مجانسة مضمونية وشكلية بينها وبين لغة التعبيرعنها.؟خلاصة القول كتاب ومفكري الفلسفة العرب عندنا هم مستلبي الانتماء الحقيقي بين مفاهيم فلسفية متداولة عالميا لا تجد لها ارضا عربية عندنا من منطلق حداثة فكرية نبتعد عنها ومسبوقين بها ازمانا طويلة, والذي يزيد المشهد الفلسفي ارباكا هو أن مباحث الفلسفة المعاصرة بدأت تأخذ منحى مغايرا عن تاريخ الفلسفة المعهود تداوليا الذي نفهمه وندرسه تاريخا مقدسا في تعالقه مع الموروث الفلسفي العربي الاسلامي الذي أنتهت صلاحيته بخروج اوربا من تخلف العصور الوسطى ودخول المنطقة العربية فيه بلا خلاص ولا رجعة. دخلت فلسفة اليوم الحداثة وما بعدها كما تردنا ترجمة في تداخل معرفي متشابك لم نعهده سابقا مثل محور اللغة وعلاقتها بكل من المعرفة بانواعها, علاقة اللغة مع علوم الطبيعة وعلم النفس والعقل, علاقة الفلسفة بتساؤلات الايمان الديني المعاصر , علاقة الفلسفة بالبيئة, علاقة الفلسفة بعلم التاريخ والانثروبولوجيا وعلم الاساطير, علاقة الفلسفة بالحداثة, علاقة الفلسفة بالهوية, علاقة الفلسفة بالسياسة والاقتصاد الخ الخ. هذه المباحث غريبة عنا بين مزدوجتين ولا نجد لها حلا عربيا في ازدواجية غربتنا عن لغتها الاجنبية الخاصة بها في منهج تناولنا الفلسفي لتلك التداخلات الفلسفية, في منهج متقاطع معها سببه ازمة اشكالية الحداثة عندنا. وازدواجية قصورنا معالجة مضامينها الغريبة عنا بنوع من الاحساس المتراجع دوما الى الوراء في عجزنا ممارسة نقد فلسفي يكون لنا فيه بصمة عربية تكافيء المنقود الاجنبي بسبب رغبتنا شد وأرجاع كل معرفة تردنا بمقايستها المعيارية بماضينا التراثي الذي يدور في فلك مفهوم تضاد الدين مجتمعيا مع العلمانية ممثلة بافراد قلائل.. حتى الذين كتبوا بالفكر والفلسفة محسوبين على العرب المغتربين في المهجر لم يكونوا يطمحون تاسيس انفرادية فكرية خاصة بهوية عربية مميزة حيث كانوا يقرأون الفلسفة الغربية بعيون أجنبية وليس بعيون عربية وبافكار دوغمائية تعيش الماضي مستقبلا وليس بافكار علمية عصرية تعيش الحاضر مستقبلا, ولم يكن واردا امامهم هدف تحديث اوطانهم التي تغربوا عنها بمقدار أهتمامهم جذب انظار من يزاملوهم في الجامعة الاجنبية أو في بلد المهجر كمفكرين اندادا لهم يبتغون شهادة الاعتراف بهم كفلاسفة ومفكرين بعد نيلهم الشهادة الجامعية ولا ضرورة تسميتهم باسمائهم لانهم اساسا لم يكونوا معترفا بهم من قبل مفكرين وفلاسفة أجانب داخل الكلية الواحدة أو الجامعة الواحدة في بلاد المهجر. طبعا هذا التشخيص يستثني عديدين من فلاسفة مفكرين امثال محمد عابد الجابري وعشرات غيره من الذين استهدفتهم سهام القاطنين في باريس وعواصم عالمية أخرى بعدم انصافهم وهم لم يبرحوا مواطنهم وبلدانهم العربية من قبل أجانب فلاسفة أهملوا باحثين عربا ممن يشاطروهم البلد في العيش أو الجامعة الواحدة التي تجمعهم. وهذا لا يشمل الجابري وآخرين على صعيد الاقطار العربية مثل مفكري المغرب , تونس, الجزائر , الاردن, لبنان , ومصر. فقد مارسوا مفكري هذه الاقطار بعضهم وبخاصة في مصر البحث الفلسفي باصالة فكرية وبصمة عربية تحسب لهم. والمفتقد المطلوب هو توحيد هذه الجهود الكبيرة في تأسيس بداية نهضة فكرية ثقافية فلسفية جامعة لها وزنها بين ثقافات شعوب العالم.لا اعرض مقالات ودراسات الكتاب التي تقع في (26) مبحثا فلسفيا مختارا بعناية تناولتها من منطلق رؤية نقدية عربية خاصة استطيع القول مفقودة عندنا التي تكتفي في عروضات الفلسفة الغربية المعاصرة التي يغلب عليها الترجمات الاكاديمية التي من السهولة ملاحظتها أنها تتغافل كل حس نقدي ويكفي أن تكون مباحث هذا الكتاب واحدة من المجهودات العربية القليلة في ممارسة النقد الفلسفي العربي للفلسفة الغربية المعاصرة..
المحتويات
المقدمة
الفصل الاول : العقل الفلسفي وتجريد البيولوجيا
الفصل الثاني :المعرفة القبلية و البعدية :العقل والادراك
الفصل الثالث: اسبينوزا : الجوهر في وحدة الوجود
الفصل الرابع: المعرفة والوعي في الفلسفة الامريكية المعاصرة
الفصل الخامس:الوعي القصدي والمعنى اللغوي
الفصل السادس: اللغة في الوضعية المنطقية
الفصل السابع: متناقضات لغوية : سوسير ودريدا
الفصل الثامن : ميتافيزيقا ديكارت
الفصل التاسع: هيدجر والوجود
الفصل العاشر: وحدة الوجود في الفلسفة والصوفية
الفصل الحادي عشر: التاريخ صراع الفلسفة والايديولوجيا
الفصل الثاني عشر:ايدولوجيا الاسلام السياسي ومأزق العصر
الفصل الثالث عشر: وليم اوكام : النزعة العلمية والميتافيزيقا
الفصل الرابع عشر: تاريخانية الفلسفة البنيوية
الفصل الخامس عشر: زمن الحاضر الوهمي
الفصل السادس: سرمدية الزمان
الفصل السابع عشر: ريتشارد رورتي وفلسفة العقل
الفصل الثامن عشر:المنهج وتفكير العقل
الفصل التاسع عشر: شذرات نقدية في الفلسفة
الفصل العشرون: قراءة في منهج ديكارت
الفصل الحادي والعشرون: الوعي سجالات فلسفية
الفصل الثاني والعشرون: كانط والزمن
الفصل الثالث والعشرون :المرأة والثروة
الفصل الرابع والعشرون: المادية التاريخية :سارتر والبنيوية
الفصل الخامس والعشرون: الفلسفة التحليلية الانجليزية
الفصل السادس والعشرون: كلمات وشذرات فلسفية