ولم يكن إنجاز هذا العمل سهلا، بالنظر إلى طبيعة النص الأصلي، المتشبِّع بثقافة متجذّرة في تربتها، والموظِّف لحامل لغوي يَمْتَحُ علاماتِه وألفاظَه من تراث حكائي عريق في تقاليده وطقوسه، ومن قواميسَ شعبيةٍ ثريةٍ بأبعادها الجمالية، وصورها البلاغية، وقيمها الاجتماعية، والحضارية.
ومن الصعوبات التي واجهتنا، بدايةً، المصطلح. فهل نُسَمّي عملنا هذا ترجمة، أو تعريبا، أو تفصيحا؟ ثم اهتدينا، نهايةً، إلى لفظ أشمل، يُعفينا من الدخول في متاهات الفروق اللسانية والدلالية بين تلك المصطلحات، وهو لفظ "نقل"، على اعتبار أننا لا نترجم بين لغتين مختلفتين، ولا نعرِّب لغة هي فَرْعٌ من العربية، ولا نُفَصِّح مفرداتٍ وتعابيرَ هي في كثير من جذورها، وبنياتها، وأوجهها، وتراكيبها فصيحة أصلا.
وحاولنا، ما أمكننا ذلك، التوفيقَ بين نظريتين مشهورتين في الترجمة، هما: "النظرية التأويلية" التي تقوم، أساسا، على التركيز على المعنى، و"النظرية الأدبية والفلسفية" القائمة، بشكل خاص، على المقاربة اللسانية. وعزَّزْناهما بثالثة، يُمكن وسْمُها بالمقاربة الشعورية؛ لأنها لا تكتفي باحتواء المعنى، ونقل العبارة والألفاظ بأقصى درجات الأمانة والدقة، بل تتقمَّص، أيضا، الحالة النفسية، والمواقف الوجدانية، والمظاهر الشعورية لمختلف الشخوص، وتَصوغها، من جديد، وفق خصوصيات اللغة المستهدَفة، وآليات اشتغالها. ولم يكن ذلك باليسير دائما، نظرا لكثرة الحوارات الداخلية، التي يَبْرُز فيها الوصفُ الدقيقُ للمشاعر، والتصويرُ المستفيضُ للحالات النفسية. ناهيك باشتمال النص الأصلي على أمثال شعبية كثيرة، وألفاظ ذات حمولة رمزية في المخيال الشعبي المغربي، وإحالات على طقوس وعادات من معيشنا اليومي.
وبقدر المعاناة التي واكبتْ عملَنا، كان استمتاعُنا أيضا بالمُنجَز كبيرا؛ لأننا خُضْنا تجربةً بِكْرًا بالنسبة إلينا، مكَّنَتْنا من الانفتاح على آفاق متنوعة، وإنجاز عمل يتطلب الكثير من الصبر، والنفَس الطويل، وأقْدَمْنا على مغامرةِ نقلِ الرواية الأصلية إلى إبداع آخر، بعين ثانية، ورؤية جديدة. نرجو أن نكون قد وُفِّقنا إلى ذلك، وإلا فعُذرنا أن الترجمة، كما قيل، خيانة.