ومن جهة ثانية ، باعتبار أن تلك النظريات البيداغوجية كانت هي نفسها مطلبا أو إجابة على أسئلة مماثلة ما فتئ يطرحها نظامنا التعليمي ، وأنها هي الأخرى كذلك كانت تتغيى نفس الغايات التي نتغياها حاليا ، والمتمثلة في النهوض بنظامنا التعليمي ومحاولة تجاوز ما يعرفه من عوائق وتحديات...
أما القسم الثاني من هذا المؤلف فقد خصصناه لمساءلة هذه النظريات مساءلة تاريخية ، أي اعتمادا على معطيات واقعية يحفل بها مجتمعنا المغربي وهي التي تحدد، في نهاية المطاف، مدى إجرائية هذه الطريقة البيداغوجية أو تلك ، هذا الأسلوب التعليمي أو ذاك.وهو ما يمكن أن نسميه بالتحليل الواقعي الذي يقيس الأشياء و ينظر إليها و يقيمها وفق واقع الحال ، وفق ما هو كائن ، وفق ماهو موجود هنا و الآن ، وليس وفق ما ينبغي أن يكون . ومن ثم إنتاج خطاب محض ديماغوجي تضليلي أو ايديلوجي بالمعنى السلبي للكلمة يراهن على النوايا والمقاصد ويخفي الحقائق و الوقائع .
ولم نجد في هذا المقام كذلك مانعا من اغناء هذا القسم بمقالات سبق نشرها عبر فترات زمنية متقطعة في بعض الجرائد الوطنية و المجلات المتخصصة، ما يجمعها أو ما يؤلف بينها هو وحدة موضوعها ونظرتها النقدية لواقع التعليم في المغرب ، وجملة الأسئلة التي ظلت مغيبة عند معالجته. وهي أسئلة مرتبطة بالأساس ، وحسب ما نعتقد ، باللاتكافؤ في الحظوظ التي ظل يفرزها هذا النظام، ونظرته الأحادية الجانب للمسألة التعليمية التي ظل يختزلها في الجانب البيداغوجي فقط عوض النظر إليها نظرة سوسيولوجية وحيث ستنكشف عوامل تفسيرية أخرى وتبرز مجالات تفكير أخرى و أسئلة أخرى ، نعتقد أنها أقرب إلى ملامسة واقعنا التعليمي و التقدم في الإجابة على بعض إشكالاته المتعددة ، والتي لعل من أهمها تلك المرتبطة بشروط إنتاج المعرفة و إنجاز التعلمات ، ووضعية المؤسسة المدرسية كبناية وكمجال والى أي حد ترغب في التعلم ، تشجع عليه و تفي بكل حاجياته المفترضة ؟ ثم كعلاقات ، ومن ثم التساؤل إلى أي حد تيسر عملية الإدماج وتحضير النشء لمواجهة الحياة والانخراط في القضايا التي تهم المجتمع والإنسان؟ وكذلك المنهاج ومقوماته ومدى إشراك الفاعلين التربويين في عملية إعداده و بنائه . تنضاف إلى ذلك أيضا علاقة المنتوج المدرسي بسوق الشغل ، قيم المدرسة وقيم المجتمع ، مسألة التسيير التربوي والإداري وضرورة دمقرطة القطاع وفتح المجال للابتكار و التجديد مع إرساء تقاليد البحث التربوي و التكوين المستمر الذي ينبغي أن لا يبقى مجرد شعار للاستهلاك ، بل يصبح تقليدا تفرضه طبيعة العلاقة التفاعلية الدائمة بين الذوات سواء كانوا معلمين أو متعلمين. ومن ثم النظر إليه باعتباره استجابة لحاجيات ورغبات الفاعلين التربويين مع تشكيل خلايا حقيقية للبحث والتتبع تكون مهمتها الأساسية الإنصات الدائم للواقع التربوي المتغير على الدوام ...الخ