في هذا الكتاب يعترف "باطاي" بان الأمر لا يتعلق بخطاب نظري ومفهومي خارجي حول الإيروسية. فالإيروسية بالنسبة إليه تجربة باطنية Expérience intérieure وليست موضوعا يمكن الإلمام به نظريا وتجريبيا من الخارج. من يريد أن يقف على الدلالات العميقة للإيروسية عليه أن يتعامل معها لا باعتبارها موضوعاObjet بل باعتبارها تجربةExpérience . ولكن لا يضرّ، بل قد يكون من اللازم، أن يكون للمرء معرفة بالمعطيات البيولوجية والتاريخية والسوسيولوجية والبسيكولوجية...، لان هذه المعطيات تمثل المؤشرات الخارجية أو العلامات الدالة التي يمكنها أن تساعد على التعبير عن التجربة أو تقريب الوصف اللازم لحقيقة لا يمكن معرفتها بعمق إلا من خلال التجربة. يقول "باطاي": "توجد مساوئ في هذه الطريقة [العلمية أو الخارجية] التي نتحدث بها عن الإيروسيّة. فإذا جعلتُ منها نشاطًا وراثيًا خاصّاً بالإنسان، فإن ذلك يعني أنني اعرّفها تعريفًا موضوعيًا. ولكن مهما كانت درجة أهمية الدراسة الموضوعيّة للإيروسيّة بالنسبة إليّ، فإنني أضعها في مستوى ثانويّ. فأنا أريد خلافًا لذلك أن أرى في الإيروسيّة سمة تتعلّق بالحياة الباطنيّة، أو قل بالحياة الدينيّة للإنسان"، (الفصل الأوّل). ليس الدين هنا هو الدين التاريخي الذي يترجم نفسه في تجليات طقوسية لدى هذا الشعب أو ذاك، أو لدى هذا الفرد أو ذاك، بما يسمح بمتابعته ودراسته دراسة خارجية ووصفية، بل هو الدين الجوهري الذي يعبر عن نفسه في التجربة الوجودية العميقة للفرد البشري. انه تجربة الرجاء الدينيةAspiration religieuse الباطنية والكونية الملازمة للكائن البشري من حيث هو كذلك.
يتضمّن الكتاب مقدّمة مطوّلة تمتدّ على ما يقرب من 17 صفحة، ثمّ قسما أوّل بعنوان "المحرّم والانتهاك" ويضمّ ثلاثة عشر فصلا تعرّض فيها "باطاي" إلى منهج الدراسة والى المعطيات التاريخية المتعلقة بالمسالة ثم إلى القضايا الرئيسية التي تثيرها الإيروسية في علاقتها بالدين والموت والعنف والجمال مخصّصا منها فصلين محوريين لمسألتي الانتهاكTransgression والمسيحية كلّ على حدة.
أمّا القسم الثاني من الكتاب فقد خصصه "باطاي" لمجموعة من الدراسات التي كان قد نشرها سابقا أو ألقاها في شكل محاضرات وعددها سبع دراسات. نخصّ منها بالذكر الدراسة الخامسة حول الإيروسية والتصوف، ثمّ الدراسة السادسة حول القداسة والعزلة.
وسواء تعلق الأمر بفصول القسم الأول أو بالدراسات فان الفكرة الناظمة التي تقود الكتاب هي التعاطي مع الإيروسية باعتبارها تجربة باطنية والإقرار بأن لحظة الوعي التي تحاول مرافقتها على صعيد الخطاب بوجه عام وعلى صعيد الفلسفة بشكل خاص لا يمكنها إلا أن تبعدنا عن حقيقتها العميقة. ولكن "باطاي"، على خطى "فيتجنشتاين"، يخلص إلى الاعتراف بان لا مفرّ من ومضة الوعي الفلسفي لوصف تلك التجربة.