لا يربط فروم الإعتقاد أو الإيمان الروحي بدين معين ولا بفكرة إله محددة، بقدر ما يعتبره -الإيمان- خاصية إنسانية جد مهمة، يمكن أن تتمظهر في أشكال مختلفة، حيث نجد انفتاح الإنسان على عوالم أخرى. ولا تفترض المعتقدات الروحية للإنسان بالضرورة فكرة المقدس أو الذات المطلقة أو "المحرك الذي لا يتحرك"، وما إلى ذلك من مسميات ميتافيزيقية، بقدر ما تتطلب معاشا نفسيا وتجربة شخصية، يعيش فيها الإنسان كل مرة تجربة روحية فريدة من نوعها، يشعر فيها بإنسانيته مكتملة. وقد تتمظهر هذه التجربة بطريقة التسامي Sublimation في أعمال إبداعية كفن الرسم أو الموسيقى أو الكتابة، أو حتى في أعمال اجتماعية خيرية كالإهتمام بالمهمشين في مجتمع ما. كما أنه يميز في الاعتقاد بين الإعتقاد اللاعقلي، قريب من السادية، لأن موضوع الإيمان يكون مؤسسا على الخضوع الأعمى اللاواعي واللاعقلاني لشخص أو لشيء؛ والاعتقاد العقلي، له علاقة بالإقتناع العقلي والنفسي بمضمون موضوع الإيمان، الذي لا يكون مؤسسا على الخضوع والخوف اللاواعيين، بل على الثقة المنطقية في كفاءة الشخص أو الشيء موضوع الإيمان".
ويُعلِّلُ لشهب هذه الترجمة كما يلي: "ركزنا اهتمامنا في اختيار النصوص التي ترجمناها لفروم في هذا الكتاب على النصوص النقدية، وبالخصوص تلك التي تهتم بتحليل المجتمع المصنع وثقافة الإستهلاك المرتبطة بالنظام الرأسمالي الليبرالي، بُغية فهم مواطن الخلل التي شخصها فروم والتعرف على الحلول التي اقترحها. كما توجه اهتمامنا إلى فهمه للدين وللإشكاليات الوجودية الناتجة عن الإقصاء الشبه التام في المجتمعات المصنعة لهذا الأساس الروحي للإنسان وما خلفه ذلك من نتائج على الصحة النفسية لهذا الإنسان. ولابد للإشارة في هذا الإطار بأن فروم لم يذكر في أي من مؤلفاته الدين الإسلامي بأي سوء، عكس الكثير من المفكرين الغربيين، بل ظل وفيا لمبدئه المتمثل في الإلتزام بالتأليف في المواضيع التي كان يعرفها بما فيه الكفاية، كما هو الشأن بالنسبة لليهودية والمسيحية. أغنينا هذه النصوص بأفكار فروم المتعلقة بالنزعة الإنسانية، ودفاعة الغير المشروط على هذه النزعة، محاولا بذلك تبيان المركزية الغربية، وهي مركزية تصدى لها بنقد عميق، منبها بأنها تقود إلى غطرسة ونرجسية لا تخدم بحال من الأحوال الإنسانية، بل تقودها إلى ويلات الحروب و النزاعات الإقتصادية والسياسية.