كنت قد عرفتُ لوتشي لاكوانيتي منذ سنوات، حين كانت طالبة تتردد على محاضراتي في كلية الدراسات الشرقية في روما، وقد لمحتُ فيها شغفا بالدارجة التونسية جنب الفصحى، حتى أني كلّما لاقيتها أترك الإيطالية جانبا لأتحادث مع تونسية. أيقظتْ بداخلي شجنا إلى أزقة تونس وساحاتها، حين حدّثتني عن مخطط بحثها، الذي ليس حشدا لرسوم وشعارات، بل هو تدوينٌ بالنص والصورة لسنوات لاهبة في تاريخ هذا البلد، قبل الثورة وبعدها. وهو بالفعل ما تبيّن لي عَقب صدور الكتاب في 176 صفحة، فقد وجدتُ المؤلَّف رصدا فنّيا نبيها لتحفّز تونس لبناء كتلتها التاريخية -بالمفهوم الغرامشوي- أملا في النجاة، في ظل بحرٍ لجّي عربي يغشاه موج من فوقه موج. حيث تبني تونس نموذجها بحكمة وبصيرة لتسوية تلك الإشكالية المزمنة، بين الإسلام السياسي والدولة المدنية، وهي المشكلة التي ضلَّت طريقها في بلاد عربية أدمنت التعاطي اللاعقلاني مع الظواهر الدينية.
فاللافت في كتاب لوتشي لاكوانيتي أنه توثيق مزدوج بالكلمة والصورة للتحول الذي شهدته تونس، كما خربشت وقائعه أنامل محترفة وأخرى مبتدئة، لعقول مسيّسة وقلوب حالمة. يأخذك فيها الكتاب من سحر الشابي في "وأطلَّ الصباح من وراء القرون" إلى حكمة القول الشعبي "الجوع كافر بالله"..