لقد أعاد المنيف بناء بغداد العثمانية بيتاً بيتاً ،ونخلة نخلة ، وأطلق الحياة في أحيائها ومقاهيها بما ينسجم وهموم الناس آنذاك ، مفرداً للواقعي مساحته ، كما للخيال ، فتمكّن من إعادة البناء تلك ، ومن ثمّ بناء المرحلة التاريخية التي يحتضنها ، وهكذا جسّد مكاناً نصّياً يحاكي المكان الواقعي ، ويوهم به ، ليطرح أسئلته ، ونجح إلى حدّ بعيد في الخروج بهذا المكان عن حياده ، ليندغم بمصائر الشخوص الذين يعيشون فيه ، إنّ دجلة إذ يفيض ويثور متمرّداً على ضفّتيه يبدو وكأنّه يشارك الأهالي نقمتهم على الأجنبي ، ولذلك فهو يكّر على الرصافة ، أو على الكرخ ، ولا يوفّر البساتين المترامية على ضفتيه ، جارفاً معه الطين والحيوانات النافقة وبقايا الأشجار والأغصان والجذور ، لكنّ هذه الطبيعة الغاضبة سرعان ما تختلف ، عندما تسافر ماري برفقة زوجها صوب الشمال في فصل الربيع ، فتصبح وادعة واعدة متنوّعة المشاهد والألوان ، وتتفاجأ المرأة بالأرض تنتفض بعد طول سبات ، وتتلوّن بألوان لا تخطر في البال .
يتداخل الحار فيها بالبارد ، وتتزيّا الروابي والتلال بأزهارها ومروجها ، متدثّرة بخضرة متموّجة ، متفاوتة في درجاتها ، تنشر في المدى أريجاً مسكراً ، كما تختلف عندما يجري الحديث عن صباح أو مساء خريفيّ بارد في بغداد ، يدفع الباشا إلى مغادرة الحديقة الخلفية للسرايا ، فيما يدفع الناس إلى التماس الدفء في المقاهي مع كأس من الشاي الساخن ، وبالطبع فإنّ الأمر سيختلف عندما يسهب المتن في وصف صيف حار يشهده برّ العراق ، يثقل على الأرواح والأبدان معاً ، وتََبَدّل الطبيعة - هذا – في حالاتها المختلفة ليس مجرّد تَبَدُّل في الفصول ، لأنّه يحقّق للمنيف أكثر من غرض ، إذ يوقعن العمل من جهة ، ويندغم بالحالات النفسية للشخوص في مشاعرها المحتدمة والمتناقضة ، بما يدفعنا إلى الزعم بأنّ حضور المكان في " أرض السواد " حضور نفسّي وواقعيّ سحريّ ، ضروريّ للوعي المكوّن للأسطورة ، إلى جانب كونه حضوراً جغرافياً يحتضن تفاصيل تاريخية وحياتية يومية .