فيما تواصلت الفعاليات، اليوم الثاني الأحد 28 أبريل، إذ احتضن فضاء بيت المعتمد باغمات، ھذا الفضاء الذي يديره الفنان فوزي البصري وكانت الدار سباقة الى تنظيم أمسية شعرية لحظة افتتاحه، منتدى ملتقى المعتمد في دورته الثانية والذي خصص موضوعه ل "منافي الشاعر .. الاقامة في القصيدة". وعرفت هذه الجلسة العلمية، والتي أشرف على تأطيرھا الناقد الدكتور عبداللطيف السخيري، تقديم مداخلات لثلة من الشعراء والباحثين ينتمون للقارات الخمس. منتدى "منافي الشاعر، وإقامة القصيدة"، انطلق بعتبة أساسية، إذ "كتبت السيدة دي ستايل: «أحيانًا يكون المنفى، بالنسبة لشخصيات مفعمة بالحيوية والإحساس، مُعاناةً أشدَّ قسوةً من الموت». فمنذ عوليس، مروراً بأوفيد والمعتمد بن عباد وفيكتور هيجو، وصولاً إلى سليم بركات ومحمود درويش... ارتبطت الكتابة الشعرية بالنفي والمنفى.
النفيُ باعتباره انتزاعاً لذات الشاعر من فضاءٍ والتطويح بها خارجهُ، جَسداً و/ أو روحاً. والمنفى بوصفه هذا الفضاء الذي يستضيف الشاعر سواء أكان لغةً، أو موطنا واقعياً، أو مُتخيَّلاً... بهذا الفهم، تتعدد منافي الشاعر، وتتوحَّدُ إقامتُه في الكتابة الشعرية ذاتها، أي في القصيدة حيثُ يراهنُ على تحصين كينونته. من خلال بعض المحاور التي اقترحتها دار الشعر بمراكش على المتدخلين، لامست هذه الندوةُ تتبُّع مسارب الكتابة الشعرية التي يُلاحقُ من خلالها كل شاعرٍ كينونته من منفىً إلى منفىً، من قصيدة إلى أُخرى: شعرية المنفى: الكينونة والاغتراب؛ المنفى واستحالة العودة؛ الكتابة الشعرية: إقامةٌ في القصيدة أم مَنفىً مُضاعَف؛..".
واختتمت الجلسة الشعرية الثانية، "شعراء بيننا"، فعاليات الدورة الثانية للملتقى، وتناوب على "تقاسم" لحظة الشعر الشعراء والشاعرات: خوليو بافانيتي (الأوروغواي)، بيسنيك كاماج (سويسرا/ كوسوفو)، توماس موديستو خالان (الدومينيكان/ الولايات المتحدة الامريكية)، ألكسندرا نيكود (سويسرا)، أتيلا سزابو بالوكز (هنغاريا)، حسانان عبدالله (بنغلاديش)، ماريسا روسو (الأرجنتين)، سو زهو (نيوزيلندا/الصين)، ليلي ميشليديس (قبرص)، عبدالغني فنان وخديجة السعدي (المغرب). وسهر على ترجمة القصائد وقراءتها، المترجم الأستاذ محمد المخاريق والشاعرة والمترجمة إيزة فرطميس.
تبحث الشاعرة الفيتنامية كيو بيش هو عن "أشكال الماء"، إذ "من السهولة أن تسبح في النهر/ من الصعب أن تبحر في المحيط / من/ القسوة أن تتجمد/ عال جدا أن تطير في الغيمة/ عميقا جدا أن تظل في اليابسة.../الماء.../ الحكمة/ عش حياتك كالماء..". أما الشاعرة الأزدريبدجانية نيغار أريف، والتي شاركت مع 100 شاعر في مسيرة "الحب"، تتساءل "أمي، ماذا أستطيع أن أقول؟/ لا تقلقي،/ كل شيء سيكون على ما يرام./ الأمل هناك،/ ينسدل الى تخوم المدينة.../ هنا،/ على الجبين،/ يد الحلم تفحص الحرارة.../ أمي،/ ربما نصادف علاجا أفضل/ و كما تقولين دائما:/ العشق هو أفضل بلسم.."
الشاعر خوليو بافانيتي، من الأوروغواي وهو مقيم في إسبانيا، يرى نفسه "كاتبا خجولا يسير بين أبياته" وهو "الظل القديم الذي يجمع كل ظلاله القديمة"، أما الشاعر الدومينيكي توماس موديستو كالان فيرسم الصورة المنجرحة اليوم، حيث يصرخ "مذنبون أننا ولدنا في غزة": "غزة اليوم هي مقبرة الأشقاء/ من بقايا الحضارة الغربية / فقط موتٌ وشيك أو صحراء تحررنا/ للاعتقاد أنَّه لا يزال بإمكاننا/ تحرير أنفسنا من الهاوية". الشاعر البلغاري بيتر تشوهوف أهدى بطاقة حب، قصيرة وهي تعتمد التكثيف، حين قال: "أجملُ قصائدي/ لم أكتبْها./ فضّلت عليها / النظرَ إليك..". تعددت باقي القراءات الشعرية للشعراء، وظل أفق القصائد هو صوت الشاعر وهو يتقصى إنسانية الإنسان.
هي مقاطع من ديوان كبير، تم تقديم قراءات منه في أماسي ملتقى المعتمد الدولي للشعر، في دورته الثانية، والذي تنتظم فعاليات ضمن سعي حثيث من دار الشعر بمراكش الانفتاح على جغرافيات شعرية كونية، ورموز للحركة الشعرية العالمية. هذه الدورة التي انفتحت على تجارب شعرية من جغرافيات كونية، سعيا للانفتاح على منجزها الشعري، وربطا لجسور الحوار والتواشج بين متون نصية إبداعية من مختلف الجنسيات. وهي لحظة استضافة شعرية وحوارية تسعى لمد جسور التواصل بين الشعراء، كما أنها استضافة رمزية لتجارب شعرية تنتمي لجغرافيات متعددة، لكنها جامعها هو القصيدة والأفق الإنساني المشترك.
ملتقى المعتمد الدولي للشعر الى جانب برامج الدار "شاعر ومترجمه" و"شعراء بيننا"، نوافذ دار الشعر بمراكش على شعريات كونية في سفر بين نصوص شعرية وفي تناغم خلاق بين متون الشعر بجميع الألسن. كما تشكل هذه الفقرة لحظة أساسية في برمجة الدار، ضمن انفتاحها على المنجز الشعري المغربي والعربي والكوني.