” حين تتفكك الثقة، تتحول الحكايات اليومية إلى مرايا للريبة، ويصبح اللقاء البشري مقامرة مستمرة “.
” عندما يصبح الحذر سلوكاً عقلانياً، تتحول الذات إلى كيان دفاعي متواصل، يراقب أكثر مما يتواصل “.
” في المجتمعات التي يسيطر فيها عدم اليقين ومنها " المجتمع السوري المعاصر "، تصبح الثقة امتيازاً نادراً لا يمنح إلا بعد اختبار طويل “ (الكاتب).
- الملخص:
يهدف هذا المقال إلى تفسير إشكالية تآكل الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر عبر مقاربة سوسيولوجية نقدية متعددة المستويات، تجمع بين البنائية الوظيفية، والبراغماتية الاجتماعية، ونظرية التبادل الاجتماعي القائم على منطق التكلفة والعائد، مع إدماج تحليلات عقلنة الخوف اجتماعياً. كما ينطلق المقال من قاعدة بأن انعدام الثقة ليس سمة ثقافية أو أخلاقية، بل نتيجة بنيوية لإعادة تنظيم الفعل الاجتماعي تحت شروط مخاطرة مرتفعة، وعنف رمزي، وتطبيع للريبة (كشك اجتماعي). يعتمد البحث المنهج التحليلي النقدي، ويبرز آليات إعادة الإنتاج الاجتماعي لانعدام الثقة، وينتهي إلى تصور مشروط للخروج يركز على إعادة هندسة شروط الإمكان الاجتماعي بدل من الوعود الإصلاحية.
- المقدمة:
لا يطرح سؤال ضعف المحبة أو تآكل التضامن داخل المجتمع السوري بوصفه حكماً قيمياً أو توصيفاً أخلاقياً، بل باعتباره إشكالية سوسيولوجية تتطلب تفكيك الشروط البنيوية والتفاعلية التي أعادت تشكيل أنماط العلاقة الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، وبصورة أكثر حدة في سياق الأزمة الممتدة. إن تحويل السؤال من " لماذا لا يحب السوريون بعضهم؟ " إلى " كيف أعيد إنتاج ضعف الثقة والتضامن اجتماعياً؟ " يمثل انتقالاً منهجياً من الانطباع إلى التحليل، ومن الأخلاق إلى العلم.
أما عن موقع الإشكالية في علم الاجتماع تعتبر الثقة الاجتماعية أحد المفاهيم المركزية في النظرية السوسيولوجية الكلاسيكية والمعاصرة، لكونها شرطاً مسبقاً لاستمرار النسق الاجتماعي، واستقرار التفاعل، وإمكان قيام التضامن. وعليه، فإن تآكل الثقة لا يفهم باعتباره خللاً فردياً، بل بوصفه مؤشراً على اختلال أعمق في وظائف البنية الاجتماعية، وفي أنماط الضبط، وفي منطق الفعل الاجتماعي ذاته.
ينطلق هذا المقال من مقاربة نظرية متعددة الأبعاد تجمع ما بين البنائية الوظيفية لفهم اختلال وظائف المؤسسات ودورها في إضعاف التكامل الاجتماعي، والبراغماتية الاجتماعية لتحليل تحول الفعل الاجتماعي إلى فعل نفعي سياقي تحكمه خبرة الخطر وعدم اليقين، بالإضافة إلى نظرية التبادل الاجتماعي القائمة على مبدأي (التكلفة - العائد) لتفسير عقلنة الانسحاب الاجتماعي وارتفاع كلفة الثقة. ولا تستخدم هذه المقاربات استخداماً تلفيقياً سطحياً، بل ضمن قراءة نقدية تبرز حدود كل نظرية في تفسير الحالة السورية، وإمكانات تكاملها التحليلي.
وفيما يتعلق بالمنهجية يعتمد المقال على المنهج التحليلي النقدي القائم على تفكيك البنى لا إدانة الأفراد من خلال تحليل السياق التاريخي والسياسي للفعل الاجتماعي بالإضافة إلى نقد التفسيرات والمقاربات الثقافوية الاختزالية. بناءً على ما سبق يطرح المقال التساؤل الرئيسي التالي: " لماذا تتآكل الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر؟ ". انطلاقاً من هذا الطرح يحاول الباحث الإجابة على هذا التساؤل من خلال مناقشة وتحليل العناصر التالية:
أولاً- تفكك الثقة الاجتماعية كنتاج بنيوي لا كعيب ثقافي:
تعتبر الثقة الاجتماعية، في المنظور السوسيولوجي الكلاسيكي، شرطاً بنيوياً لاستمرار النسق الاجتماعي وإمكان تحقق التضامن من خلال الإجماع القيمي في المجتمع. فقد ربط إميل دوركايم بين درجة التضامن السائد ونمط الروابط الاجتماعية التي تنتجها البنية الاجتماعية، معتبراً أن ضعف الروابط لا يفسر أخلاقياً بل وظيفياً، أي بمدى قدرة المجتمع على تنظيم الأدوار وضبط التوقعات. وفي الاتجاه ذاته، ينظر بارسونز إلى الثقة بوصفها نتاجاً لاستقرار النسق القيمي وقدرته على دمج الأفراد داخل منظومة توقعات معيارية مشتركة.
انطلاقاً من ذلك، فإن تفكك الثقة لا يقرأ بوصفه خللاً في " طبيعة " الأفراد، بل باعتباره مؤشراً على اختلال في وظائف المؤسسات الاجتماعية التي يفترض بها إنتاج التكامل والاندماج.
وفي الحالة السورية، جرى على مدى طويل إضعاف الوظيفة التكاملية للمؤسسات الأساسية (الدولة، المدرسة، المجال العام)، ما أدى إلى تآكل الإطار المعياري المشترك الذي يضبط التفاعل الاجتماعي. ووفقاً للمنظور البنائي الوظيفي، حين تعجز المؤسسات عن أداء وظائفها، يتحول التفاعل من تعاون منظم إلى علاقات متوترة يحكمها الشك والحذر.
غير أن القراءة الثقافوية السائدة غالباً ما تختزل هذا الواقع في تفسيرات من قبيل " السوري لا يثق بالسوري "، وهي مقولات تحمل الفرد مسؤولية ظواهر هي في جوهرها بنيوية. هذا النوع من التفسير يتجاهل ما يسميه دوركايم بحالة " الأنومي "، أي غياب المعايير الجامعة، حيث لا يعرف الأفراد ما الذي ينتظر منهم ولا ما الذي يمكن أن ينتظروه من الآخرين.
من خلال منظور بارسونزي، يمكن القول إن النسق الاجتماعي السوري شهد خللاً في آلية التكامل، إذ لم تعد القيم المشتركة قادرة على تنظيم التوقعات المتبادلة، ما أفضى إلى تحويل الاختلاف الاجتماعي الطبيعي إلى مصدر تهديد بدل كونه عنصر تنوع.
نستنتج مما سبق أن التحليل البنائي الوظيفي يظهر أن ضعف الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري لا يمكن فهمه كعيب ثقافي أو أخلاقي، بل كنتيجة مباشرة لاختلال طويل الأمد في وظائف المؤسسات الضابطة والمدمجة. ومع ذلك، تبقى حدود هذا المنظور قائمة، إذ يفسر تفكك الثقة على مستوى البنية، لكنه يعجز وحده عن تفسير كيفية عقلنة الأفراد لهذا التفكك في ممارساتهم اليومية، وهو ما يستدعي منا الانتقال في العنصر التالي إلى المقاربة البراغماتية الاجتماعية ونظرية التبادل الاجتماعي.