التربية والديمقراطية علاقة غائبة ـ أشرف البطران

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

toile-img"فكما أن ماهية المادة الثقل، فإننا من ناحية أخرى نؤكد أن ماهية الروح هي الحرية"    هيغل
لا يزال نظامنا البيداغوجي يعاني أزمة تحديد المحور الذي يجب أن يدور في فلكه بعد أن فقدت واستبعدت نقطة الإسناد المركزية لهذا النظام, وأخذ يسبح في فضاء اللاجاذبية, بعيداً عن الأهداف المتغيا تحقيقها, وبخاصة بعد أن أصبح المعلم والمنهاج هما محور العملية التربوية، والطالب في وضعية المتلقي الخاضع لسلطته التنفيذية. هذا كله راجع لضبابية الموقف التعليمي والفهم الخاطئ لطبيعة المرحلة, حيث لا يزال المعلم يعتقد أنه المصدر الوحيد للمعلومة، في الوقت الذي أصبحت فيه الأخيرة مشاعاً يستطيع المريد الحصول عليها متى شاء في ظل الانتشار الواسع للوسائط المعلوماتية.

ليس هذا إنكاراً للدور الحيوي الذي يلعبه المعلم في الحياة التعليمية, ولم تأتِ التكنولوجيا يوماً لتقوض دور المعلم، بل أعطته دفعة قوية للأمام, وإنما للطريقة التعليمية التي تسير باتجاه واحد، من المعلم الذي يقوم بالدور الحيوي الفاعل والنشط، إلى المريد المراقب والمحاصر في جميع حركاته, والذي لا يعدو عقله إلا مركزاً للودائع الجاهزة سلفاً, بالتالي يفرض عليه دور المستهلك السلبي لتلك الودائع؛ بمعنى أن الطالب لا يهتم بالمعلومة؛ سواء أكانت مفاهيم أم قوانين أم حقائق، بقدر ما يهتم باستنساخها وحفظها وتذكرها كما هي، لحين موعد اختبار التذكر.

هذا ما وصفه باولو فريري بـ"التعليم البنكي" الذي ينتج نسخاً كربونية متكررة من المتعلمين, هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حالة التلقي والخضوع السلبي الذي أحدثته الطوعية الإجبارية لسلطة المعلم ساهمت في إكساب الطلبة عادة الصم بامتياز، في ظل غياب كامل لدور العقل في امتلاك هذه المعلومات ونقدها وتحليلها وإعادة إنتاجها، بحيث تصبح ذات قيمة في حياته العلمية والعملية.

لا يمكن للمؤسسة التربوية الإسهام بفاعلية في ترسيخ منظومة القيم الأخلاقية والعلمية والتفكير الواعي, والنقدي, والجدلي، بمعزل عن فضاء تربوي ديمقراطي, فكما يرى كانت "لا شيء يساعد الإنسان على النمو وتطوير ملكاته وقدراته كما تساعده الحرية".1 فالمدرسة كفضاء تربوي مكلفة بإعداد العنصر البشري وتهيئته لممارسة السلوك الحواري الديمقراطي حتى يصبح جزءاً من المنظومة الفكرية والثقافية, وهذا ما تفتقر له مدرستنا اليوم - إستراتيجية الحوار- فهي تقوم على أساس سلطوي بيروقراطي من قمة الهرم التربوي إلى قاعدته المقهورة, فنلاحظ اللهجة الآمرة جليةً في آلية تعامل الوزارة مع المديريات، والأخيرة مع المديرين، والمديرون مع المعلمين. هذه المتوالية السلطوية تكرس الامتثالية والطاعة العمياء على الفئة المستهدفة، كل حسب موقعه من جانب، وتقوض أية فرصة لخلق مناخ حواري مع المتعلمين من جانب آخر. فالمعلم بناءً على الامتثالية السكونية في هذا الجو الاستبدادي يحاول تأكيد سلطته على الطلبة، ابتداءً من إجبارهم على ارتداء الزيّ الموحد، وصولاً إلى الأساليب القسرية لاستيعاب المادة التعليمية.

وفي النتيجة النهائية، يصبح الطالب واقعاً تحت نظام وصاية لسلطات مختلفة، ومن البديهي أن يعلن الانتفاضة والعصيان لاستعادة حريته واستقلاله حتى لو وصل به الأمر إلى ترك المدرسة والالتحاق بسوق العمل، لأن انتزاع الحرية يقابله إنكار لإنسانية الإنسان وحقوقه وواجباته, ويفرض علية طريقة تفكير مغايرة لطريقة تفكيره، ويجهض أية فرصة لاستكشاف ذاته بذاته على اعتبار أنه قاصر ولم يبلغ سن الرشد بعد. وكأنك تقول لا تفكر أنا موجود, أقرر عنك, أبين لك الخير والشر, أفرز لك الغث من السمين والخطأ من الصواب, أي أرسم لك حياتك وفق ما أراه مناسباً، وهذا منافٍ للطبيعة الإنسانية منذ أن وجد الإنسان على سطح الأرض كمستكشف وباحث عن الحقيقة بطرق مختلفة؛ إمبريقية منها وعقلانية. إذن، ما قيمة العقل في هذه الحالة إذا لم يكن بمقدوري أن أهتدي به لضالتي؟ إذا كان لا بد لي من السير في طريق ممهد ومعبد سلفاً من قبل المعلم فليس ثمة ما يدعو لاستخدامه وإجهاده في قضايا جاهزة ومخطط لها مسبقاً, هذا التعطيل لدور العقل عزز مواطن الخرافة والعالم اللامعقول في ثقافتنا لدرجة أصبحت فيه الشعوذة السمة الغالبة فيها, فلها جمهورها المناصر لها دوماً، ومنظرون لقدرتها على حل كثير من العقد النفسية والاجتماعية التي عجز العالم المعقول عن معالجتها. وإن دل هذا على شيء, فإنما يدل على عدم قدرة تلك الكتلة المخاطية المبسترة القابعة في رأسه على حل مشكلاته, والتعليم في حياته لا يعدو إلا قشوراً سرعان ما تنهار على محك التجارب الحياتية، والسبب في ذلك راجع لطريقة التعليم القهري التي حُيّد فيها دور العقل، وربطت فيها أجنحة خياله, هذه نتيجة حتمية لأي نظام يبنى على سياسة التلويح بالعصا والخوف والرعب وسلب الحريات مهما اختلفت أهدافه وتوجهاته.

في مثل هذه الظروف المرعبة، كيف يمكن لنا أن نخلق الشخصية الصادقة المنسجمة مع نفسها والمتمسكة بأهداب الفضيلة, التي تأبى الكذب والتملق والخداع. ولنكن أكثر واقعية وشفافية مع أنفسنا عندما نطرح السؤال التالي: ما هي نسبة المعلمين الذين يلتحقون حديثاً بالتربية والتعليم ويحرصون على توظيف اللقاء الأول مع الطلبة في تعزيز فرص التعاون والحوار ومد جسور التواصل الإنساني؟ أعتقد أن نسبه كبيرة منهم توظف هذا اللقاء لإبراز شخصياتهم وقوتها لتصل إلى حد الخيال في الوصف، لتعانق شخصية شمشوم الجبار وقوته, ربما يكونون معذورين في ذلك لأنهم عاشوا مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب في المدرسة تحت وطأة هذه السياسة.

أقول هنا إن التربية كممارسة للسلطة؛ سواء في المجتمع الصغير (المدرسة) أم المجتمع الكبير لا يمكن لها إلا أن تنتج أفراداً خاضعين أو ناقمين، وأول ما يمارسونه هو العداء لأنفسهم. وهذا يعيدني بالذاكرة إلى الوراء عندما سقطت بغداد في يد الأمريكان ,لم يستطع المواطن العراقي التمييز بين نظام السلطة ومؤسسات الدولة الخدمية, فصب جامَّ غضبه نهباً وسرقة وتدميراً حتى طال الأمر المتاحف الوطنية التي تحفظ تاريخ العراق وأصالته. هذا كان نتاجاً لتأكيد ثقافة الأحادية والشمولية ونفي الآخر، في ظل غياب ثقافة الديمقراطية التي تضمن الحرية والتعددية والرأي الآخر, ويعيدني هذا مره أخرى للتفكير في ظاهرة العصيان والتمرد التي يبديها الطلبة اتجاه المعلم والإدارة نتيجة لفقدان الحوار والحرية في أساليبنا التربوية.

إذن، هناك "مقاومة" في سبيل تكوين الذات وبنائها، ورفض لثقافة الصمت واتخاذ القرارات بالنيابة عن الآخرين, فالمعلم يكون أمام خيارين في هذه الحالة, إما أن يقوم بقمع هذا التمرد وكسره, وتكون جميع الوسائل مشروعة بما فيها العقاب البدني، وإما أن يتعامل مع هذه المقاومة بواقع مختلف وأساليب تربوية جديدة، يسائل فيها الشكل التقليدي وما أحدثه من جمود في جميع مجالات الحياة, قائمة على معاهدة إعلان مبادئ بيداغوجية جديدة، وعلى رأس أجندتها اتفاقية اعتراف متبادل بين المعلم والطالب, بحيث تضمن للعمل التربوي فاعليته وقدرته على الاستثمار في الجنس البشري على أسس ديمقراطية، تأخذ بعين الاعتبار حق الاتفاق والاختلاف الإنساني.

ينبغي التأكيد على أن التربية الحديثة تضع الطالب في أجواء حوارية توفر له كل شروط الاستقلال والتحرر, وتستفز عقله، وتحدث فيه نوعاً من الحراك الذهني, وتجبره على الابتكار والإبداع والخروج من حالة الخمول والتكلس التي سببها النمط التقليدي. ولا يفهم الحوار هنا على أنه وسيلة تكتيكية الغاية منها ترويض الطلبة وإخضاعهم مره أخرى, لأنه سرعان ما ستكتشف هذه المسايرة التي يمكن أن اسميها خديعة، وينقلب السحر بعد ذلك على الساحر, بل يجب أن يكون الحوار متأصلاً في جوهر العملية التربوية وغايتها دائماً، حتى ننأى بأنفسنا بعيداً عن الدائرة الميكيافلية "الغاية تبرر الوسيلة"؛ لأنه بالحوار فقط يمكن للأنا التي لا تناقش والأنت المفرغ والقاصر وما بينهما من إشكالات أن تسقط، ويحل محلها الأنا الجماعية التي يتبادل فيها المعلم والطالب الأدوار, ويشعر فيها الكل بحقوقهم وواجباتهم, وتعمل بروح الفريق الواحد سعياً وراء الحقيقة التي ربما تكون كامنة في أعماقهم، وتريد من يوجههم نحوها لاستكشافها.

من الطبيعي أن يواجه ميلاد عهد التنوير التربوي القائم على الديمقراطية الحوارية التي تكفل للإنسان كرامته وحريته واستقلاله الذاتي ومعاملته كغاية دائماً لا كوسيلة, مخاضاً عسيراً نتيجة غياب التجربة وفقرها، إن كان ذلك على صعيد المعلم أم الطالب، وحتى النظام التربوي بشكل عام, لكن الحل ليس بتقويض العمل الديمقراطي بل بممارسة المزيد منه, و"لا بد أن نكون على يقين من أن الديمقراطية ممارسة, وأنها تجربة إنسانية تصحح نفسها بنفسها, وبالتالي لا أن نتوقع ظهور كثير من الأخطاء في بداية المسيرة, لكن ذلك ينبغي ألا يقلقنا، وليكن شعارنا أن أفضل علاج لأخطاء الديمقراطية هو المزيد من الديمقراطية"،2 حتى تصبح منهجاً وأسلوب حياة وجزءاً من المنظومة الفكرية لمفردات ذلك النظام, وهذا يتطلب تغييراً جذرياً فعالاً في إستراتيجيات التخطيط والتنفيذ، وليس هامشياً عشوائياً, ابتداءً من إعداد القيادة التربوية التي تمثل الجانب التخطيطي، والكادر التعليمي الذي يمثل الجانب التنفيذي، لاستيعاب المفاهيم الديمقراطية وقبولها؛ كالحرية, والعدالة, والمساواة, والتسامح, وحقوق الإنسان, وقبول الآخر وعدم نفيه... الخ، وصولاً إلى تخليهم عن البيروقراطية وأشكال تسلطها, على اعتبار أنهم يمثلون الضمانة الوحيدة لغرس تلك المثل والقيم في نفوس الناشئة، وتمكنهم من اكتساب قيم تناقض الاستبعاد والنفي والأحادية, فدون اقتناعهم، كيف يمكن لعجلة التغير أن تتقدم للوصول إلى المجتمع الديمقراطي المصغر (المدرسة)، الذي لا يمكن فصل تأثير تبعاته وما يدور فيه عن السياق الاجتماعي, سيما وأن التغير الاجتماعي الكبير في منظومة القيم والسلوك السائدة، واكتسابهم قيماً وأنماطاً سلوكية حياتية حقيقة تمكنهم من ممارسة الديمقراطية بصورة فعلية, أمر مرهون بمدى التغيير الحاصل في المجتمع الصغير؛ أي أن المجتمع لا يمكن أن يعيش الديمقراطية واقعاً في حياته إلا إذا أنتجت المدرسة ديمقراطيين حقيقيين.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل المدرسة في توجهاتها وخططها ونمط إدارتها تنزع نحو الديمقراطية؟ أعتقد حتى تكون كذلك لا بد من إجراء تغييرات جوهرية في صلب العملية التربوية تأخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:
-    إنشاء مراكز فعالة لإعداد قادة تربويين يتميزون بالكفاءة والرؤيا والانتماء المهني.
-    استقطاب الفئات المميزة من المعلمين للعمل في ميدان التعليم.
-    إعداد المعلم تربوياً وثقافياً ومعرفياً في إطار مؤسسي ديمقراطي.
-    تحرير المعلم والطالب من كل أشكال القهر المعنوي والمادي.
-    بناء مناهج ديمقراطية تحرّريه تضمن سيادة روح الديمقراطية سلوكاً وممارسة.
-    ضرورة دمج مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية في التعليم، وليس حشرها في مقررات شكلية.
-    زيادة مخصصات التربية والتعليم من الناتج القومي للدولة.
-    تقليص عدد الطلبة في الفصول الدراسية.

إن تعزيز ثقافة الديمقراطية في جميع الفعاليات التربوية أصبح مسألةً ضرورية وحاجة ملحة, فهي الضمان الوحيد لانحسار مظاهر السلوك غير المنضبط في المدرسة، إضافة إلى قدرتها على تطوير قيم التلاميذ ومهاراتهم وقدراتهم في اكتساب أنماط سلوكية تمكنهم من التكيف مع متطلبات المجتمع الديمقراطي، الذي نطمح إلى الوصول إليه, وبخاصة بعد أن أصبحت الديمقراطية تمثل معيار التفاضل بين الأمم والشعوب، حتى الأنظمة لا تستمد شرعية وجودها إلا بالقدر الذي تسمح به من الديمقراطية، والأمثلة كثيرة في هذا الجانب.

ومن المفارقات العجيبة أنك عندما تطرح موضوعة الديمقراطية كنظام حياة, سرعان ما تتهم بترويج مبادئ ثقافة غربية وتسويقها. إن الديمقراطيات الغربية ما هي إلا نماذج وصور تعكس رؤيتهم لمفهوم الديمقراطية بناءً على خصائصهم الثقافية والاجتماعية، التي ليست بالضرورة تتماشى ومفهومنا للديمقراطية. في الواقع إن الديمقراطية وما تحمله من مثل سامية هي ليست حكراً على ثقافة بحد ذاتها، وإنما هي مثل مشتركة بين جميع الثقافات لا خصوص فيها ولا عموم. ما أريد قوله هو أن الحياة لم تعد كما كانت، وأن العالم يعيش في زمن يتسم بالتغيرات السريعة والمفاجئة في شتى ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما بات يعرف اليوم بالعولمة والقرية الكونية الصغيرة وأصبح محكوماً برؤية الصدام أو الحوار, والمدرسة كذلك الأمر، لم يعد ينظر لها تلك النظرة الضيقة على أنها بناء جامد وكيان أكاديمي بحت، بل تعدته لتأخذ وظائف تربوية متعددة وثيقة الصلة بالماضي وآثاره، والحاضر وتعقيداته، والمستقبل وتحدياته المصيرية, تستمد قوتها من امتلاكها لرؤية تنبؤية لواقع الحال والمستقبل المنظور، وإن طغت حالة الصدام على الحوار مرحلياً, إلا أن الحوار سيعود بعد أن تنفذ قوى الصدام من طاقتها ويصبح الحوار والديمقراطية إستراتيجية تربوية في المدرسة والأسرة والمجتمع.

أشرف البطران

الهوامش

1 بو بكري, محمد (2000) التربية والحرية, المغرب: إفريقيا الشرق.
2 عبد الفتاح إمام, إمام، (1996) الطاغية, ط2, الكويت: عالم المعرفة، ص348.

المراجع

·    بو بكري, محمد (2000). التربية والحرية, المغرب: إفريقيا الشرق.
·    عبد الفتاح إمام, إمام (1996). الطاغية, ط2, الكويت: عالم المعرفة.
·    يعقوب, حسين. "المدرسة والتربية الديمقراطية في إطار تعليم مفاهيم حقوق الإنسان", مجلة المعلم والطالب, العددان الأول والثاني, (2003), ص93.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟