مقابلة مع إدغار موران ـ : آنا سانشيز ـ ترجمة:د.ضياء الدين عثمان حاج أحمد

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

Anfasse20027" أجدني مندفعا و أنا أكتب كتابي الذي يشبه مخلصا جديدا، و الذي أسميته: (الطريق). فهو رسالة لإنقاذ البشرية من كارثة. "
توطئة:
لقد عجزت تماما عن مفارقة فكر إدغار موران.
التقيت به عام 1980 عندما بدأت ترجمة كتابه: (النهج) أثناء دراستي لإكمال أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة ( و التي تتعلق بالارتباط بين فكر موران المراكباتي و النظرية النسوية).
دعاني السيد موران إلى منزله، حيث تحدثنا عن أعماله، ثم على الفور دعاني لتناول العشاء في الليلة نفسها.
أذكر أن مكان العشاء كان هو نفس المكان الذي التقيت فيه بالراحل خوسيه فيدال بينيتو، و الذي كان صديقا مقربا من إدغار.
بعد ذلك التقينا في مناسبات عديدة، و كثيرا ما جمعتنا ظروف العمل و الحياة الشخصية معا.
جدير بالذكر أن موران في مقترحاته الفلسفة-علمية يطرح جانبا أي فصل بين الذات و الموضوع، و في حياته الخاصة تتحد تنظيراته مع مقارباته الشخصية.
مدفوعاً باهتماماته النظرية الشخصية، فقد صار إدغار موران - و لا زال: صحفيا، و عالم اجتماع، و متخصصا في العلوم السياسية و عالم فلسفة علوم.
و قد ترجمت عدة من أعماله إلى لغات متعددة؛ ابتدءا باللغات اليابانية و الصينية و الكورية وصولا إلى لغات أكثر قربا لنا هنا مثل الإسبانية أو الكاتالونية أو البرتغالية.

كما أنه تحصل على لقب دكتوراه فخرية من عدة جامعات منها جامعة فالنسيا، التي زارها عدة مرات.
في هذه المقابلة رافقتني روزا إنيستا – و هي عالمة موسيقى مورانية كانت طامحة للقيام بدور مصورنا الفوتوغرافي.
حين قابلناه بدا لنا إدغار موران رجلا واضح اللهجة، و مسترخيا في جلسته و حيويا في تصرفاته و ذا صوت هادئ مريح. كما أن لديه يدين قويتين لم تتوقفا أبدا عن التحرك.
من ثم دعانا السيد موران إلى تناول العشاء في مطعم Marché des Enfants Rouges. إدغار موران بلغ من العمر 88 عاما و هو يتمتع بصحة جيدة. حين بلغ الأربعين أصيب باضطراب الكبد، لكنه يعرف إلى الآن كيف يعتني بنفسه.
إنه يتمتع بنشاط عالٍ لدرجة أننا اضطررنا إلى الانتظار عدة أشهر من أجل إجراء هذه المقابلة؛ ففي أغسطس كان قد سافر إلى الأمازون في البرازيل، ثم إلى مصر و إلى إيطاليا ... و عندما يكون في باريس فإن السيد موران يستقبل باستمرار زائرين من جميع أنحاء العالم، لدرجة أنه من الآن يرتب لقضاء أشهر قليلة ربما في كويرنافاكا، أو ربما في كارتاخينا دي إندياس- حتى يتسنى له كتابة مشروعه الأحدث.
كتابه (النهج) يمكن تحليله باعتبار أنه أنموذج لبحث متعدد التخصصات لم ينحرف بعيدا عن مشروعه الأصلي؛ أعني الأنثربولوجيا المراكباتية complex anthropology.
إن نطاق أبحاثه امتد ليشمل علم الطبيعيات، و علم الأحياء، و علم الاجتماع، و السياسة، و علم فلسفة العلوم و كل ذلك يأتي في مسعاه الحثيث لرسم هوية للبشرية.
عليه فالرجل يؤسس لمعرفة مراكباتية complex knowledge عن الإنسانية؛ بحيث يعيد - أو ينسج - الصلات بين جميع أبعاد و جوانب الواقع الإنساني التي قطعت من بينها الصلات حاليا.
إنها أبعاد و جوانب طبيعية و أحيائية و نفسية و اجتماعية و أنثروبولوجوية و أسطورية و اقتصادية و اجتماعية و تاريخية.
في عام 1951، ظهرت فكرة الأنثروبولوجيا الأصولية في كتابك: (الإنسانية و الموت)، و الذي اقترحت فيه النظر في التاريخ - على وجه التحديد - ضمن سياق الواقع الإنساني، و النظر إلى قضايا الإنسان ضمن سياق الواقع التاريخي، و سميت ذلك: الأنثروبولوجيا الجينية. ما هي القواعد النظريات الأساسية لاقتراحك ذاك؟
فلنبدأ بالقول أن ماركس مثل بالنسبة لي مفكراً متنقلا بين التخصصات: بمعنى أنه كان بارعا في العلوم الحديثة، كما و أنه مع تبحره في الفلسفة فقد برع في علوم الاقتصاد و علوم التاريخ و علوم الأجناس، و في الوقت نفسه كان أيضا سياسيا. و من خلال فكره الفلسفي و معرفته العلمية استطاع ماركس استخلاص العناصر المكونة للسياسة بصورتها العامة.
لعل هذا هو السبب وراء اهتمامك بالدربة الأكاديمية المتنقلة بين التخصصات، أليس كذلك؟
أجل، كان تلك هي الرؤية التي مكنتني من الانخراط في دراسة الفلسفة حين التحقت بالكلية الجامعية، فقد كانت الفلسفة في حينها تشمل علم الاجتماع و علم النفس.
و بدراستي علم الاقتصاد وجدتني - أيضا - أدرس علوم التاريخ، و علوم القانون و العلوم السياسية.
ثم أنني كنت أمتلك بالفعل خلفية ثقافية أدبية أعانتني على المثابرة، و كل هذا أمدني بأساس متجذر في العلوم الإنسانية بالإضافة إلى قليل من الفلسفة.
و لكن علي أن أقول أن أنثروبولوجيا ماركس هي التي أوحت لي بكتابة كتابي: (البشرية و الموت)؛ و التي يمكن أن نجدها في كتاباته المبكرة إبان شبابه، و التي عرفت في ذلك الوقت بعلوم: «الاقتصاد السياسي و الفلسفة». الفكرة التي ألهمتني و كانت مبثوثة بصورة عامة بين الجميع كانت تدور حول بناء البشرية لنفسها؛ فأنا أفهم الأنثروبولوجيا بالمعنى الذي اعتمد في ألمانيا بالقرن التاسع عشر، و ليس بالمعنى الحديث الحالي؛ أعني بمعنى دراسة صدى و انعكاس الإنجازات العلمية المختلفة على الإنسان. هذه هي القاعدة النظرية الأولى التي اعتمدتها.
و ما هي القاعدة النظرية الثانية؟
القاعدة الثانية كانت هي مفهوم الجدل الهيغلي، أو بالأحرى هي مفاهيم هيغل، لأنه قبل أن أكتب كتاب: (البشرية و الموت)؛ كنت قد فتنت بهيغل.
لقد شدني إلى مفهوم الجدل الهيغلي كونه مفهوما فكريا مترابطا و متصلا يتعامل مع التناقضات بلمها مع بعضها البعض، بدلا من أن ينشغل بالتغلب عليها.
مذ توفرت لدي هذه الطريقة في التفكير صار بإمكاني تمييز التناقضات ...
بعبارة أخرى، تود أن تقول أن القاعدتين النظريتين الخاصتين بطريقة تفكيرك هما: المنهجية المتنقلة بين المتخصصات، و مفهوم الجدل الهيغلي ..
نعم، لأن من هاتين القاعدتين تمكنت من التدبر في قضية الإنسان و التاريخ، و تمكنت من فهم سلوكيات البشر في مجتمعات ما قبل التاريخ و  في الثقافات و الحضارات المختلفة، سواءا كان ذلك من زاوية نظر الأديان، أو من زاوية نظر العقليات التي لا تؤمن بوجود حياة بعد الموت، أو من زاوية نظر علم النفس، أو من زاوية نظر التحليل النفسي، أو من خلال علم نفس الطفل.
لقد اضطررت إلى القيام برحلة عبر جميع العلوم، و برحلة عبر علوم الأحياء؛ ذلك أنه لا يمكن تجنب حقيقة أن الموت هو ظاهرة مرتبطة بعلوم الأحياء. ثم وجدتني أقف أمام مفارقتين:
الأولى هي أن البشر مرعوبون من الموت لكن، في الوقت نفسه، يتقربون منه لأسباب دينية أو غيرها.
 أما المفارقة الثانية فهي أن البشر، و الذين هم فانون مثلهم مثل الحيوانات الأخرى، يعتقدون أنهم يمكن أن تكون لها حياة بعد الموت.
لقد دققت في هذه المفارقة الأخيرة؛ ذلك أن فكرة أن هناك حياة بعد الموت هي إنكار للواقع العملي للوفاة. الدليل على ذلك أن جميع الثقافات تدرك مشكلة تحلل الجثة و تستدرك لمعالجة هذه المشكلة، فتتجنب التلوث المرتبط بالجثث؛ و ذلك عن طريق دفنها، أو حرقها، أو عزلها و هلم جرا.
إذن لدى البشر وعي معين بالموت، و في الوقت نفسه لديهم إنكار له.
إذن، فمنذ البداية، كان أن شعرتم بالحاجة إلى لم شمل معارف متفرقة.
في الواقع، كانت فكرتي هي إعادة الصلات و الوشائج بين كل هذه المعارف المتفرقة.
لم تكن فكرتي هي رص تلك المعارف متجاورة جنبا إلى جنب، بل تفهم سبب تمكن بعض الحضارات، كما هو الحال في آسيا، من تبني فكرة العودة إلى الحياة عن طريق التقمص، بينما قامت حضارات أخرى في الغرب - و منذ العصر الروماني – بتبني فكرة القيامة، و التي كانت - أيضا - تجلت قبل المسيحية في عبادة أورفيوس .
ثم أخيرا، و حين نتأمل في رسالة بوذا، فإننا سنجد عنده الفكرة القائلة أن الحياة هي معاناة، مما يعني أنك يجب أن تهرب منها؛ أي من الأنا، و تندمج في الكل المحيط، بينما في الغرب كان الأمر عكس ذلك؛ حيث بات الموت كما لو أنه هاوية سحيقة و ظهر الاعتقاد بالبعث.
 نعم، لقد كان عملا استكشافيا سعيت فيه لفهم الاختلافات مجتهدا في إعادة الوصل بينها.
استطعت أن أفعل ذلك، لأننا في [آثار و أطلال] المجتمعات البشرية - كما اتضح من اكتشافات مقابر عصور ما قبل التاريخ - نجد الأسلحة أو المواد الغذائية أو الجثامين و هي مسجاة في وضع الجنين أي و كأنها ستولد من جديد ...
و هكذا، فإن غرضي كان هو إعادة الوصل بين المعارف، متخذا من مفهوم الجدل الهيغلي طريقة لمواجهة التناقضات، و أعتقد أنني بذلك – و دون أن أعرف - قد مهدت الطريق لقدوم المنهج المختص بالمتراكبات complexity؛ و [هنا] أعني قدوم المنهج بصورته الابتدائية - من دون شك - ففي ذلك الحين كنت أفتقر إلى بعض الأدوات المفاهيمية الخاصة.
فيما يتعلق بالندوة الدولية حول «وحدوية الإنسان»، و التي نظمت في عام 1972، كنت قد أنشئت مركزاً للبحوث المتخصصة في علم الأنثربولوجيا الأصولية، و التي تنطوي أيضا على البعد الأحيائي للإنسان. ما الذي نتج عن ذلك المشروع؟
قبل التحدث عن مخرجات تلك الندوة، سأتحدث قليلا عن وقائع مهمة: كانت قد توفرت لي فرصة لقضاء ما يقرب من عام في معهد متقدم للدراسات الأحيائية في كاليفورنيا،و هو معهد سالك.
لقد اكتشفت علم أحياء آخر يختلف اختلافا كبيرا عن ما كتبت عنه في كتابي: (البشرية و الموت) كما تعرفت على علم التفكير المنظوماتيsystems thinking  و مدرسة غريغوري باتيسون، و مدرسة فون فورستر، و مدرسة نوربرت وينر.
عندما عدت إلى فرنسا كانت قد تكونت لدي فكرة إنشاء معهد أو مركز لما دعوته بعلم الأنثربولوجيا الأصوليةfundamental anthropology، و الذي سيركز على دراسة الإنسان من زاوية نظر علم الأحياء و من زاوية نظر الثقافة النفسية.
لقد تم لي هذا بمساعدة علماء أحياء البارزين: مثل جاك مونو و فرانسوا جاكوب و سلفاتوري لوريا، بالإضافة إلى أصدقاء آخرين مثل كاستورياديس و كلود ليفورت.
بفضل مونو استطعنا عقد الندوة، و دعوت إليها هنري أتلان و هو عالم أحياء تم التقليل من شأنه في ذلك الوقت، رغم أنه من أجلة علماء علم الأحياء.
دعوت أيضا فون فورستر،ذلك الذي أدهش صديقي مونو، و دعوت سيرج موسكوفيتشي، الذي كان قد درس العلاقة بين علم الأحياء و العلوم الإنسانية، و كتب كتابا رائعا هو: (المجتمع ضد الطبيعة)، اعتد فيه ليس فقط بعلم التشريح و علم الوظائف البشرية و علم النشوء الجيني الذي يبدأ من الرئيسيات و إلى الإنسان، بل اهتم فيه بنظرية نشوء و ارتقاء مرتبطة بعلم الاجتماع sociological evolution أيضا.
ما كانت مساهمتكم في تلك الندوة؟
قمت بكتابة كلمة طويلة - نوعا ما - صارت فيما بعد طليعة لكتابي اللاحق وقتها: (الهيكلية المفقودة: الطبيعة البشرية). ما كنت أفعله في ذلك الوقت كان هو متابعة نفس الهوس حول إعادة الوصل بين كل تلك الأشياء التي قطعت الصلة بينها تماما.
ما هي تلك الأشياء؟
إنهما مملكة الحيوان و ملكوت الإنسان. بيد أننا و منذ الستينات أظهرت بحوث جين غودال - و هي عالمة عاشت مع قردة الشامبانزي - لنا عظمة المتراكبة الاجتماعوية و النفسية المتعلقة بالقردة، ثم توالت بعد ذلك دراسات أخرى تناولت متراكبة مجتمع الثدييات. أيضا دعونا إلى المؤتمر غاردنرس الذي أحضر معه قردة شمبانزي تعلمت مفردات لغوية إشارية و ليست لفظية.
و كان بإمكاننا أن نرى أن القردة استخدمت أيضا الاستعارات؛ فعلى سبيل المثال: عندما لا تكون سعيدة استخدمت القردة كلمة: قذرة، و في حالات أخرى: عندما وضعت أمام المرآة أنعمت النظر فيها؛ إذن على ضوء كل ذلك أدركنا أن الفجوة بين الحيوانات و الإنسان ليست واسعة جدا ...
هكذا قمت بالربط بين تلك الدراسات و بين تلك التي تتعلق بالصيادين و جامعي الثمار في المجتمعات البدائية، عندها ظهر هذا التساؤل العظيم:
كيف ظهرت اللغة؟ كيف ظهرت الثقافة؟
و قبل كل شيء، فإن القضية تكمن في الصياغة المزدوجة للغة.
أتود القول أن الفجوة بين عالم الحيوان و عالم الإنسان تقلصت؟
في ذلك الوقت قمت بتبيين ماهية علاقة الاتصال و الانفصال بين عالم الحيوان و بين عالم الإنسان. لقد استطعت فعل ذلك لأنني كنت قد اعتمدت مسبقا فكرة التنظيم الذاتي. لقد استعملت متراكبة تربط بين عناصر عديدة: أخلاقية و تشريحية و وظائف-أعضائية و دماغية و اجتماعية، و عن طريق التفاعل بين جميع تلك العناصر يتم تخلق هذا المراكبة.
و بعد ذلك بدأت باستخدام مفهوم الحلقة المتكررة، ثم تبدى لي أيضا في ذلك الوقت التناقض المتعلق بنشوء البشر و خلقهم ابتداءا من الإنسان الحديث Homo sapiens.. و هذه الفكرة تطورت لاحقا مع الإنسان المهتم بالأساطير Homo mitologicus,  فالإنسان الاقتصاديHomo ludens, فالإنسان الهمجيHomo poeticus  .
كانت تلك نتيجة تم التوصل إليها بفضل المؤتمر؛ و الذي بسببه صار بإمكاني أن أخط السطور التي كتبتها. لقد كان ذلك الكتاب هو الأول الذي كتبته بسهولة بالغة، و بنشوة محتدمة، و دون شعور الألم الذي يرافقني دائما عند كتابة كتاب.
سعت الأنثروبولوجيا للبحث في الوحدوية unity وراء التنوعية Diversity: بمعنى أنه بإعمالنا النظر في سلسلة تقاليد محلية ما، فإننا ستتوسل إلى بعض المسلمات العالمية. كيف وفقت بين المحلي و العالمي؟
أعتقد أنني - و دفعة واحدة تقريبا - اعتمدت فكرة مركزية تتجلى في العلاقة بين الوحدوية و التعددية. كنت في ذلك الوقت قد تقبلت فكرة هيمنة التفكير الزوجيني Binary Thinking حتى نرى إما الوحدوية الإنسانية، أو التنوعية البشرية غير المتجانسة.
كان الجدل قد بدأ بالفعل - من قبل - بين فولتير الذي قال إن الصينيين هم قوم أمثالهم أمثالنا، و بين هيردر الذي قال إن الثقافات غير قابلة للقياس.
أما فكرتي أنا الرئيسة فهي: أن التنوعية تنتجها وحدوية الإنسانية.
على سبيل المثال: الثقافة هي ظاهرة إنسانية أنثروبولوجوية، لكن الثقافة لا تتأتى إلا من خلال تلاقح لثقافات متعددة مختلفة.
اللغة تتمتع بنفس البنية، و لكنها لا تتحقق إلا من خلال تلاقح لغات شديدة الاختلاف.
الموسيقى تتحقق - فقط - من خلال مزج أنواع مختلفة من الموسيقى.
و بعبارة أخرى، فإن الوحدوية تخلق التنوعية، لكن في ذلك الوقت، كان رأى الغالب هو أن هناك فقط إما تنوعية أو وحدوية، و كنت أقول أن كنز الوحدوية الإنسانية يكمن في تنوعيتها، و أن غنى التنوعية البشرية هو في وحدويتها.
هذه الفكرة لم تتوقف عن إدهاشي؛ فهي رغم الوضوح الذي تبدو عليه بالنسبة لي، إلا أن من الصعب جدا استيعابها. السبب في ذلك هو أننا جميعا مستلبون بهيكليةparadigm  [تركز على]الفصل فيما بين المعارف و العلوم، و منجرفون إلى فصل ما هو مرتبط بعلوم الأحياء مما هو مرتبط بالعلوم الإنسانية، مما أدى إلى استمرار حرماننا من قدر كبير من المعرفة الجديدة.
في كتاباتك المبكرة تحدثت عن «البشر»، لماذا صرتم تفضلون الآن استخدام مصطلح «البشرية»؟
لأنني أدركت أن مفردة «البشر» رغم أنها – من حيث المبدأ - مصطلح محايد، إلا أنها تشوبها مسحة من الذكوروية.
اكتشفت أيضا - و الفضل يعود لكم – أنني قللت في كتابي: (الهيكلية المفقودة: السمة البشرية) من شأن الجانب الثقافي الحضاري للنسوة جامعات الثمار اللواتي تجمعن و تمرسن في فهم النباتات في المجتمعات القديمة.
باختصار، لقد كانت تلك الثقافة نتاجاً للتكافل بين ثقافة الذكوروية و ثقافة الأنوثوية. بدا لي أنني، و أثناء انبهاري بفكرة أهمية الصيد في المجتمعات البشرية القديمة، قد قمت بالتقليل من شأن مساهمات النساء في تلك الفترة. لذلك، في مرحلة معينة من تاريخ كتابتي، قررت أن استخدم مفردة بديلة هي: «البشرية».
ذكرتم في مقدمة الطبعة الأخيرة من كتاب: (النهج) أن رسالتكم هي إعادة النظر في قضية المعرفة من منظور ممكنات مفاهيمية الجديدة. هل تقصد بالابتكارات المفاهيمية مفهومي: الحوارية و الحلقة الارتدادية؟
هذا صحيح.
لقد قمت بتحوير مفهوم الجدل الهيغلي ليتحور و يصير مفهوم الحوارية، لأنني كنت وقتها مهتما بقضية ظلت موجودة - على وجه السواء - في [عوالم] الطبيعة و في عالم الكائنات الحية و أيضاً في منظوماتنا البشرية ؛ أعني تلك القضية التي يطلق عليها بلغة فلسفة الظواهر: قضية حدوث ضديات أصولية (fundamental antagonisms) لكنها تكمل بعضها البعض في نفس الوقت.
أيضا كنت مهتما بقضية أخرى: و هي أن هناك صلة موجودة بين الضدية و التكاملية (complementarity).
يمكن هنا لقضية من هاتين القضيتين أن تتبادل محلها مع الأخرى، لكن تبقى حقيقة أنهما تشكلان العالم و خاصة عالمنا البشري.
إذن مفهوم الحوارية ، على الرغم من أنه ابن مفهوم الجدل الهيغلي، إلا أنه - علاوة على هذا – هو ابن مذهب هيراقليطس الفكري، ذلك أن هيراقليطس سبق و أن وصف أحد التناقضات وصفاً جميلاً جداً حين قال: «متنبهين أغمضنا أجفاننا». لذلك تبنيت هذه العبارة في نهاية كتابي: (إنسانية البشرية)؛ فهو يقول حقيقتين في لحظة واحدة: «نحن متنبهون، و أيضا تجدنا نغمض أجفاننا».
و فيما يتعلق بالاختزالية الأحيائية biological reductionism ، و الاختزالية الثقافيةcultural reductionism ففي كتابكم: (حياة الحياة) الذي هو الجزء الثاني من كتابكم: (النهج) فأنتم تطرحون [استخدام] مفهوم حلقة [أو متلاحمة] (فطرية/اكتسابية) innate/acquired loop و ذلك من خلال تحليل حواروي dialogical analysis. كيف ترون [نتيجة] متلاحمة (indissolubility) مثل هذه؟
بأبسط تعبير: كلما زادت فطرية أمر ما قلت اكتسابيته ، و كلما زادت اكتسابيته قلت فطريته.
لقد أعانني تشومسكي على فهم الحقيقة التالية:
هناك عنصر فطري قوي، له القدرة على الانتظام و الإدراك، يمكنّك من العديد من الاكتسابات؛ ففي المنظمات التي تتسم بفطرية ضعيفة جدا لن تجد القدرة على الاكتسابية،
لذا فالكثير من الفطرية مطلوب تحققها، لكن ليس عن طريق برمجتها، بل بالأحرى عن طريق تربية منظّم فطري لديه احتمالية عالية نحو تسهيل الاكتسابية.
هذا يقودنا إلى مفارقة هي أن الأفكار التي تهمل أهمية الفطرة تتفق مع الفكرة الستالينية القاضية بأن:
الإنسان يمكن أن يشكّل كما يراد.
و لكن إذا كنت نعتقد أن لدى الإنسان عدد من المبادئ و المشيّدات الفكرية تمنحه القدرة على الاتسام  بالإنسانية و اعتماد الأخوة و الالتزام بالكياسة، فحينها عليك إذن أن تحترم الفطرة البشرية.
بهذا المعنى، فإن السماح بكثير من الفطرية سيسمح بكثير من الاكتسابية، و بالتالي التغلب على تهافت التعارض بينهما.
لم تم ربط مشروعكم الأنثروبولوجوي بالسياسة، منذ أن صدر كتابكم: (مدخل إلى سياسة إنسانوية)؟ كيف نشأت فكرة علم الأنثربولوجيا السياسية؟
من بعد ماركس صارت السياسة - دائما و من منظور لا يتحرك - تعتبر منفصلة عما حولها.
في الستينات كنت أتدبر في أن لدينا عناصر متنوعة و متغايرة دخلت أيضا في الممارسة السياسية، لا سيما - و بدرجة عميقة - تلك القضايا التي لها طابع  مرتبط بعلم الأحياء؛ مثل: قضايا تحديد النسل و قضايا الإجهاض و قضايا الجغرافيا السكانية.
لقد انتبهت إلى كيف أن العديد من مشاكل الناس – وقتها - ارتبطت بالممارسات السياسية، بل و رأيت كيف أن تلك القضايا المذكورة أعلاه كانت هي المصدر لتلك الممارسات السياسية.
بداية منذ مقالي: "مقدمة لسياسة البشرية"، و الذي صار فصلا من كتابي: (اللب)، بدأت اشتغل كثيرا على قضايا الفكر السياسي؛ بدءا من نقد ماركس؛ لكن ليس عن طريق رفض أفكاره أو مراجعتها، بل ركزت على الأفكار التي تمثل نقاط الضعف في أصول مدرسته الفكرية – مثل: تلك النقاط المرتبطة بفكرة الإنسانية الكامنة في دواخلنا، و تلك النقاط المرتبطة بالاحتياجات النفسية، و تلك النقاط المرتبطة بالأشواق الروحية للإنسان ... و تلك النقاط المرتبطة بفكرة الواقع الإنساني.
لقد كان ماركس لا يفكر في الإنسان إلا بوصفه يدا عاملة، و لم يكن يلق بالا للجوانب الإنسانية الأخرى.
كانت هناك اختزالية عند ماركس.
أما أنا فكنت أتوق لسياسة تتمتع بفهم أفضل للواقع البشري و الاجتماعي، و فهم أفضل لتحولات القرن العشرين.
في ذلك الحين كنت قد ألفت كتابي: (الكرة الأرضية بلدنا) حين برزت أهمية مسألة ارتباط السياسة ببقية العلوم.
لقد كتبت كتابي: "مدخل إلى سياسة إنسانوية"، لأنني أدركت أن الحضارة الغربية التي أنتجت العديد من الأمور الإيجابية مثل: الفردية و التطور التقني و الديمقراطية و حقوق الإنسان بل و حتى مقدمات حقوق المرأة، هذه الحضارة لها أيضا جوانب سلبية ذات خطورة متزايدة.
هذه الجوانب السلبية ليست فقط في البلدان الأوروبية، بل في كل مكان: إذ أن الغربنة (Westernization) كانت هي الوجه الآخر للعولمة، و هذا ينطبق على نطاق دولي يمتد من مدينة ساو باولو إلى مدينة شنغهاي، و إلى غيرها.
من ثم قمت بوضع سياسة عامة توجيهية تكافح ضد هذه العيوب الأصولية في الحضارة الغربية.
هل يعني ذلك أنكم لم تتخلوا عن أي من مثلكم اليسارية؟
في نص لي اسمه: (على أنقاض الفكر الاشتراكي) حاولت أن أحلل كيف يمكن إحياء الفكر السياسي اليساري.
و هو شيء ما زلت أعمل عليه حاليا في كتابي القادم: (الطريق).
 فمنذ اللحظة التي أدركت فيها أن المسار السائد هو التنمية الحديثة/الغربنة/العولمة و ما يصاحبه من كوارث محتملة، طفقت أتساءل: ما السبيل لتغيير هذا المسار؟
كنت أعلم أن التغيير يبدأ دائما بانحراف ما عن المسار السائد -  سواءا اعتبرنا ذلك التغيير ذا طابع ديني (كما في حالة الأنبياء أمثال: يسوع و بوذا و محمد)، أو كذلك التغيير الذي حصل مع العلم الحديث (مثلما حدث مع غاليليو و ديكارت و بيكون)، أو كذلك التغيير الذي أنشا حركة سياسية/اجتماعية كما في حالة الاشتراكية (مع برودون و ماركس).
في البداية، تكون هناك حركة صغيرة، يتم السخرية منها بل و تزدرى، لكنها في النهاية - و رغم الظروف الصعبة - تنتصر؛ و يكون ذلك قد تأتى بسبب استجابتها لتطلعات ملحة.
و اليوم لا زالت توجد هناك تطلعات ملحة في جميع أنحاء العالم؛ فهناك الآلاف من المبادرات الخلاقة في مجال الأغذية العضوية و في مجال تنظيف الأنهار الملوثة و في مجال تحديث الأرياف، و ما إلى ذلك. و ظهرت الآلاف من التطلعات التي تريد عالما مختلفا و حياة مختلفة.
تدور فكرتي حول أن علينا أولا أن نتعرف إلى هذه التطلعات، ثم نعيد ربط الصلات و الروابط بينها، فنحن على علم أن في أي لحظة في الزمن الحاضر هناك العديد من مبادرات الإصلاح تطلق.
لا بد لنا من إعادة هيكلة الأمور؛ فالعقبات لم تعد تنحصر فقط في: قضايا عدم المساواة، و تضخم بيروقراطية الإدارات و الحكومات، و إعادة تشكيل الهياكل الهرمية التنظيمية، و التضامن من أجل إعادة الاعتبار بالذات ...الخ. نحن بحاجة إلى إعادة تشكيل القطاعات المهتمة بالأغذية و بالزراعة و بالاقتصاد و بالطب ... لقد أحصيت حوالي 35  قضية ملحة تحتاج إلى [البدء في] عملية إعادة تشكيل بغرض إصلاحها  reforms. أما [عن] فكرتي فهي تدور حول أننا إذا أدركنا أن عملية إعادة التشكيل بغرض الإصلاح هي عملية تضامن متبادل، و أنها في لحظة معينة يجب أن تتواشج فيها عدة مسارات  و تتقاطع، حينها ستتهاوى الأساليب القديمة البالية، و سوف يقودنا مسار جديد إلى التفتح من بعد التشرنق .
ذكرتم مؤخرا أنكم تخليتم عن مفهوم الثورة مفضلين استخدام مفهوم التفتح من بعد التشرنق.
الفكرة المركزية هي أنه عندما تفشل منظومة في معالجة مشاكل الحياة فإن مآلها سيكون الانهيار أو الاضمحلال، إلا إذا كانت قادرة على الخروج من ورطتها، أي قادرة على أن تنتج منظومة ما فوقية metasystem.
على كل؛ فإن منظومة كرتنا الأرضية لم تعد قادرةً على معالجة المخاطر المترتبة هذه القضايا الحيوية مثل: الاحتمالات الانتحارية التي تطرحها الأسلحة النووية، و احتمال الفناء الناتج من استمرار التدهور في الغلاف الحيوي، و مخاطر انفلات الاقتصاد كليا [و خرجه]عن السيطرة تماما، و أزمة انمحاق الحضارات التقليدية بانغماسها في عملية العصرنة modernization ، أي عملية العصرنة الراهنة بكل أزمتها...
إذن، و لأن كرتنا الأرضية لم تعد قادرة على القيام بذلك، فمحكوم عليها بالخراب، و بالانزلاق نحو كارثة، و بالاضمحلال أو بتصور آخر حالة التفتح من بعد التشرنق metamorphosis.
يمكن لهذه التصور أن يوفق بين أشياء عدة حتى الآن لم يمكن التوفيق بينها. ذلك أن [حالة] التفتح من بعد التشرنق هي [عملية] تحور؛ أي هي: عملية أن تتحور يرقة إلى فراشة، إلا إنه يجب أن تكون هناك استمرارية معينة متوفرة لدى اليرقة حتى تصبح فراشة.
باتخاذنا مسار إعادة التشكيل من أجل الإصلاح فإننا سنحقق التحور، و [عليه] سوف يحل مفهوم التفتح من بعد التشرنق من الشرنقة محل مفهوم الثورة [في سياقات التغيير]، و ذلك المفهوم الأخير قد لطخت سمعته الآن.
إنه لمسار باعث لفضولي؛ ذلك أن معرفة المتراكبات سبق و أن قادتني إلى [مفهوم] التفكير في المتراكبات، و الذي بدوره قادني إلى [مفهوم] إعادة تشكيل الفكر من أجل الإصلاح، و من ثم إصلاح منظومة التربية و التعليم.
لكن في نفس الوقت لا بد من وجود عملية إعادة تشكيل من أجل إصلاح السياسة ، كما أن على المرء – في مثل هذا المقام - أن يفكر ضمن و داخل إطار عالمي.
و  ما الذي يقلقك هذه الأيام؟
أجدني مندفعا و أنا أكتب كتابي الذي يشبه مخلصا جديدا [بالمعنى اللاهوتي المتعارف]، و الذي أسميته: (الطريق). فهو رسالة لإنقاذ البشرية من كارثة.
عندما أعود و أستذكر المشروع الماركسي، أجد أن المقصد الأسمى فيه كان هو تحرير البشرية من نزعتها اليهودية المسيحية اللاواعية؛ أي تخليصها من سطوة فكرة المسيح المخلص التي تتمظهر في فكرة انتصار الطبقة العمالية [البروليتاريا حسب الماركسية].
اليوم لا يوجد ثمة مخلصون. إن كان و لا بد؛ فسيكون المخلصون هم عامة نساءنا و رجالنا  صغارا و كبارا.
لم تعد هناك نهاية عالم (أو ما يسمى بالمجتمع اللاطبقي كما في الماركسية) ستدشن [بدورها] تاريخا جديدا، بل بالأحرى فإن تشكّل مجتمع عالمي جديد أمر لا يزال غير متصورا.
نهاية العالم إن وجدت فستكون على نطاق كوكبي و ليس على نطاق قومي. بعبارة أخرى فإن نبوئتي تتأسس على [قضية] أن العجز العالمي المتفاقم عن التعامل مع مشكلات الحياة سيؤدي إلى خلق منظومة ما فوقية. الأزمة الحالية، مثلها مثل أي أزمة أخرى، هي أزمة إبداع؛ ذلك أنها تسمح لنا أن نمرح في خيالنا بشأنها  بيد أنها - في نفس الوقت - تنذر بانحطاط مريع [و] لتشكل أوضاعا تنجرف نحو [حالات] عدم التيقن.

آنا سانشيز. أستاذ المنطق و فلسفة العلوم و عضو معهد دي لا دونا للدراسات الجامعية. جامعة فالنسيا.
المترجم: دكتور ضياء الدين عثمان حاج أحمد - كاتب و روائي سوداني
© Mètode, Annual Review 2011.
* يمكن الاطلاع على المقابلة في الرابط التالي: http://metode.cat/en/Annual-Review/Monographs/Human-nature/Interview-with-Edgar-Morin