ابن طفيل ورؤيته للعالم من خلال قصته "حي بن يقظان" ـ اشريف مزور

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

T00766 10وما زال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق، حتى تأتى له ذلك، وغابت عن ذكره وفكره السماوات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية وجميع القوى المفارقة للمواد...وغابت ذاته في جملة تلك الذوات، وتلاشى الكل واضمحل، وصار هباء منثورا، ولم يبق إلا الواحد الحق الموجود الثابت الوجود...
فلسفة ابن طفيل ورسالته "حي ابن يقظان"، تحقيق عبد الحكيم محمود، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، 1982، ص.141.

مدخل:
لا جدال في أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي حول أشياء العالم بغناها إلى أفكار ومعقولات وإبداعات أدبية. وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا بأن عقلنة العالم وصبغه بمسحة جمالية وأدبية تعني تحديد  موقف أو رؤية للوجود انطلاقا من مبادئ معينة.

وبما أن أشياء العالم كثيرة ومتنوعة تنأى بنفسها عن الحصر والضبط، فإننا نفهم تعدد منظورات الإنسان إليها، وهذا ما يشكل دافعا قويا نحو إيجاد تقاليد تحاورية  بين المباحث والرؤى، وقد لا تعني الحوارية هنا أكثر من التراوح والتيهان والبينذاتية وتكسير الحدود الشالة لخصوبة الإمكان.

 عرف العصر العباسي ازدهارا أدبيا وفلسفيا وعلميا لاسيما بعد تأسيس بيت الحكمة، حيث ترجمت عيون التآليف الإغريقية والساسانية والهندية. في هذا الصدد، ومن زاوية فلسفية، طرحت إشكالية الدخيل والأصيل مضمونا ومنهجا، وهو الخلاف الذي جسده المتفلسفة والمتكلمة فيما عرف بإقرار التوافق بين الحكمة والشريعة في مختلف تجلياتهما (مناظرة متى للسيرافي لا تخرج عن هذا الإطار). ولنا في نصوص الفارابي والباقلاني والغزالي...ما يشهد على غنى هدا السجال النقدي. ونستحضر هنا تأليف ابن المعتز لكتابه "البديع" كرد على الشعوبية الذين زعموا أن البديع صناعة دخيلة اقتبسها المحدثون من بلاغة اليونان، بسوق أدلة من كلام النبي والصحابة وأشعار المتقدمين تبين أصالة البلاغة العربية([1]).   

بذل الفلاسفة كل على حسب طريقته مجهودا ضخما في سبيل تبيئة المدونة الحكمية الإغريقية في أرض الإسلام، وهو مجهود انتظمه هاجس عام مفاده أن المعقولات الفلسفية في جوهرها لا تخالف معاني الشرع إن أولت الأخيرة برهانيا، وقد ابتدأ هذا المشروع مع الكندي وتابعه الفاربي وأغناه ابن سينا مشرقيا، وأثراه ابن باجة وابن طفيل وابن رشد مغربيا. في هذا الإطار تنتصب قصة "حي بن يقظان" دليلا قاطعا على استشعار الحاجة إلى أهمية البحث الفلسفي في المجتمع العربي الإسلامي لكنها أيضا تؤصل للأحوال والمقامات الصوفية.

يحسب لابن طفيل الفضل في تولي ابن رشد مهمة رفع قلق عبارة أرسطو وفك مستغلقها بعدما قدمه للأمير الموحدي يوسف بن عبد المومن معترفا بكفاءته ومزكيا له.

تندرج قصة "حي" في إطار الأدب الرمزي، ويختلف "حي" ابن طفيل عن نظيره عند ابن سينا. فهو عند الأخير اسم للعقل الفعال في قصة رمزية سيكولوجية تدور حول ملكات وقوى النفس والعقل، فيستمر اسما للعقل الفعال من بداية القصة حتى نهايتها. أما عند ابن طفيل فإنه شخصية روائية، يمثل نفسه بفعل تطور خبراته المتصاعدة في مراقي التطور حسب تطور وتفاعل قدراته العقلية التي تتطور بفعل البيئة والظروف، محدثة بهذا التطور تطويرا للبيئة وتحسينا للظروف ولمواقف من النفس والطبيعة([2]). وبذلك فشخصية حي تمثل نفسها وترسم معالم غيرها([3]). 

فما الغرض من توظيف ابن طفيل هذه القصة الرمزية؟

2-مضمون القصة:  

يذكر ابن طفيل في بداية القصة السبب في تأليفه رسالته، إذ هي جواب عن سؤال من أحد أصدقائه عن أسرار الحكمة السينوية "فاعلم أن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه، فعليه بطلبها والجد في اقتنائها"([4])، كما يشير أيضا إلى موقفه من فكرة الاتصال الباجوية، وهي مرتبة انتهى إليها ابن الصائغ بطريق العلم النظري والبحث الفكري([5])، أما ما يرومه هو، فهي نفس المرتبة لكن بألفاظ على سبيل المجاز وبطريق المشاهدة والمجاهدة([6])، مما يعني أن مفاصل القصة تتحدد بالعلاقة بين إدراك أهل النظر وإدراك أهل الولاية([7]).

تتمحور القصة حول إشكالية إمكانية الإنسان الوصول بعقله إلى الكشف عن معميات ما وراء الطبيعة وما موقف الدين من ذلك إقرارا وإنكارا.

بغض النظر عن الاختلاف بين العارفين حول ولادة "حي"، هل ولد من غير أب وأم في جزيرة نائية، أم هل هو ابن امرأة جميلة منعت من الزواج فتزوجت سرا من قريب (يقظان)، حتى إذا أنجبت منه طفلا وضعته في تابوت وألقته في البحر الذي حمله إلى ساحل الجزيرة فكفلته ظبية حتى كبر([8])، أو الزعم بأنه تولد من الأرض بواسطة التخمر الطبيعي([9])، فإن ابن طفيل رصد في قصته حياة الصبي من لحظة الخلق إلى مرحلة التعقل والإدراك والسعي نحو الإصلاح.

رحلة التعقل بدأت من حادثة سقوط الظبية وضعفها فتساءل حي عن وظائف الأعضاء عندما قام بشق صدرها وتفتيش ما فيه([10])، إذ تأكد أن الشيء المرتحل هي أمه فعلا، فانتقلت علاقته بالجسد إلى صاحب الجسد ومحركه([11]). فعل الاكتشاف تواصل بتعرفه على الحيوانات وأنواع الكائنات بشكل تدريجي إلى السماء، إلى أن فطن إلى أن الأجسام على اختلافها تتكون من مادة (الهيولى) وصورة، وفي هذه السيرورة الارتقائية علم أن كل حادث له محدث، فارتسم في نفسه فاعل الصور دون تفصيل([12]). في حدود ثمانية وعشرين عاما (أربعة أسابيع من منشئه)، قاده تراكم تجاربه واغتناء أفكاره (نزعة حسية عند ابن طفيل) إلى مبدأ فلسفي هو التجريد عندما صار يتساءل عن أصل العالم، قدمه، حدوثه، فإذا كان محدثا فلابد له من محدث، ولم أحدثه الآن، ألا يمكن أن يكون هناك زمان قبل العالم؟ تتعارض عنده الحجج ولا يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر([13]). وفي كلتا الحالتين العالم له فاعل ليس من جملة العالم ولا يدرك بالحس أو التخييل([14]) (نشير هنا إلى أن كانط في عصر الأنوار عمل على بيان قصور العقل عن الخوض في المتافيزيقا إذ يسقط في أوهام ونقائض خارج الحدوس الحسية).

وبين الفينة والأخرى نجد ابن طفيل وهو يعرض لمسار حي في التعقل يستشهد بأدلة حديثية وقرآنية بغرض إثبات أن ما يتوصل إليه الإنسان بفطرته وعقله لا يخالف جوهر الدين.

ساقه (حي) التأمل العقلي إلى فكرة كمال الله ونقص الإنسان (كل شيء هالك إلا وجهه، القصص 88) وذلك في حدود خمسة أسابيع (35 عاما) من عمره، فانزعج من العالم المحسوس وتعلق بالعالم المعقول، كما أيقن من خلود النفس وروحانية الذات، وبها يدرك الموجود الواجب الوجود([15])، متفطنا إلى أن كمال ذاته ولذتها إنما هو بمشاهدة ذلك الموجود الواجب الوجود دوما، لكنه أدرك أيضا أن العوارض المحسوسة تحول دون دوام المشاهدة، لذا شرع في السعي في تحصيل صفات الله والتخلق بأخلاقه والاعتناء بأفعاله([16])، يقول ابن طفيل: "وما زال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق، حتى تأتى له ذلك، وغابت عن ذكره وفكره السماوات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية وجميع القوى المفارقة للمواد...وغابت ذاته في جملة تلك الذوات، وتلاشى الكل واضمحل، وصار هباء منثورا، ولم يبق إلا الواحد الحق الموجود الثابت الوجود"([17]).

عندما عاد إلى العالم المحسوس سئم تكاليف الحياة الدنيا واشتد شوقه إلى القصوى. وبقي على حاله حتى أناف على سبعة أسابيع، وذلك خمسون عاما([18]).

في غضون ذلك التقى بآسال القادم من جزيرة مقابلة بحثا عن مكان هادئ للعبادة، وهو الذي سئم مسلكيات قومه الغارق في سفاسف الشهوة والبدعة... كان لقاؤهما في البداية صعبا فبدأ يحكي حي لآسال عن ترقيه في المعرفة إلى درجة الوصول، فاكتشف محاوره أن جميع ما ورد في شريعته هي أمثلة هذه التي شاهدها حي، المعقول والمنقول شيء واحد([19]).

قرر المتحاوران العودة إلى جزيرة سلامان لهداية الناس، فاشمأز هؤلاء عندما ترقى عن الظاهر وبدأوا يتسخطونه في قلوبهم. في نهاية الأمر عادا إلى الجزيرة النائية للعبادة بعدما يئسا من إصلاحهم فأوصاهم باتباع الظواهر ومجانبة الإغراق في الاستبصار الذي قد يؤدي بهم إلى مزيد من تمزيق الدين ([20]).

يمكن القول بأن مضمون القصة يتدرج من الحسي إلى التجريد العقلي، ومنه إلى مقامات التصوف والسياحة الروحية التي تند ألفاظ اللغة عن التعبير عنها. "فكلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" بتعبير النفري.

3-رمزية القصة

يحضر السرد في هذه القصة بضمير الغائب، وأحيانا يتكلم حي بنفسه، ويمكن اعتبارها قصة ناضجة فنيا نضجا تاما وعلى مستوى أدبي رفيع، ليس بالنسبة لعصرها بل بالنسبة لكل زمان ومكان من حيث الشخصيات والأحداث والإثارة في السبك والفضاءات.

في إطار الاحتفاء بالكتابة الشذرية Aphoristique والخصوبة التخيلية للغة الطبيعية، عمل طه عبد الرحمن على إثارة الانتباه إلى أهمية الأسلوب الحكائي الذي انتهجه ابن طفيل لبسط الفكرة الفلسفية، فالرجل وصل الفلسفة الأندلسية بأودية البيان العربي عندما وظف الرموز والإيحاءات في الفلسفة خلافا لابن رشد الذي حذا أرسطو حذو النعل بالنعل في دعواه عن برهانية الفلسفة([21]). وبحسبه، الارتباط بالبيان العربي كان سببا في عزوف العرب عن أساطير اليونان وأدبهم عكس تعلقهم بفلسفاتهم وعلومهم، أما ابن رشد فقد أثبت الهجاء في مقابل التراجيديا والمديح في مقابل الكوميديا مستبدلا الزمر المسرحية بالأنواع الشعرية([22]).

على أن هذا الأسلوب التخييلي هو بعيون باحثين آخرين تقية من حصار السلطة السياسية وهيمنة السلطة الشعبية المكتنـزة بالتمثلات([23])، وتبعا لذلك، كانت هذه الطريقة درعا واقيا من سيف ذي حدين حد الجماهير من جهة، وحد السلطان الجائر الممالئ لها في الإبستيمي الوسطوي من جهة أخرى([24]).  

يمكن تأويل شخوص هذه القصة وأماكنها كما يلي:

-    حي بن يقظان: رمز إلى العقل البشري الساعي إلى المعرفة وإدراك حقيقة الطبيعة والسماء، ثم بعد ذلك معرفة الله سبحانه. ويرمز حي كذلك إلى وحدة الحقيقة رغم اختلاف الطرق الاستدلالية في سيرورة ارتقائية. فمن الحس والتخيل إلى التعقل ومنه إلى الكشف الذوقي والفناء... ولا يستحق ذلك إلا من سكنه عشق الوصول ووقف موقف برمنيديا صلبا في وجه النهر الدنيوي الهيرقليطي السيال، فالتصوف قمة سعي الإنسان لإكمال وجوده أمام ربه.
-    آسال: يمثل الحقيقة الدينية الهادئة وخروجه إلى الجزيرة الثانية معناه أن الحقيقة الدينية تتنافى والعقائد الشعبية والأساطير.
-    سلامان: رمز لرجل الدين المتعلق بالظاهر المتجنب للتأويل المتوقف عند الأعمال الظاهرة والمعاني القريبة.
-    الجزيرة الأولى (جزيرة آسال وسلامان) رمز لمجتمع تقليدي وصلت إليه الملل الصحيحة المأخوذة عن الأنبياء المتقدمين، لكنها ومع مرور الزمن داخلتها الأساطير والحكايات الشعبية...
-    هجرة آسال من جزيرة العقائد الشعبية إلى جزيرة الحقيقة العقلية معناه أن الدين أو الوحي يتنافى والبدع، ولا يتعارض مع مقررات العقل والتأمل والاستغراق في التلون بالأحوال والتمكن من المقامات.
-    اليأس من الإصلاح معناه أن تكوين إنسانية عالمية تنطق بلسان واحد وتؤمن بنفس المعتقد أمر يتعارض مع طبيعة البشر الذين يتفاوتون في العقلية والطباع، والرسول كان على حق حين عرض عليهم الحقائق الدينية في صورة أمثال حسية وقوالب مجازية ولم يجهر لهم بالحقيقة المطلقة، والمكاشفات الروحانية الكاملة التي لا يدركها سوى قلة من المتوحدين أمثال بن يقظان.

ولعل هذه القضايا سيعيد ابن رشد طرحها في كتبه الأصيلة "الكشف، الفصل، التهافت" مقررا وحدة الحقيقة رغم ازدواجية السبل إليها "الوحي الديني، والتأمل العقلي". "فالحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له"([25])، أما التصوف فرفضه لأن طرقه واهية في إثبات الصانع لسببين: أولهما أنها  ليست طرقا نظرية مركبة من مقدمات وأقيسة، وثانيهما أنها ليست عامة لكل الناس بما هم ناس.

بإجمال تدرجت المعرفة عند حي من المحسوس إلى المعقول ومن الجزئي إلى الكلي، ومن البسيط المركب، ومن العرض إلى الجوهر ومن المعلول إلى العلة، فإلى العلة أولى. وفي هذا التدرج تتحدد رؤية ابن طفيل للوجود في تناظر تام مع مراتب المعرفة بأنواعها الحسية والعقلية والصوفية.

4-الجوانب القيمية الإسلامية والإنسانية في رسالة حي بن يقظان كرؤية للعالم:

حي بن يقظان تلخيص فلسفي رائع لأسرار الطبيعة والخليقة، لذا لا مندوحة من الاعتراف بأنها شاهد تاريخي على تكسير الحدود بين الفلسفة والأدب والتصوف، فالقضايا الفلسفية والأسرار الروحية -هنا- تصب في وعاء لغوي إبداعي أخرجها من عواصتها فأكسبها رونقا وبساطة في التلقي. وغني البيان أنه منذ القدم وضع النظار ضوابط وأهداف للأدب، ذلك أن كل شيء يبنى، فالمسرح عند أرسطو يتغيى التطهير Catharsis في التراجيديا والتغيير في الكوميديا من منطلق ما يبدو لنا أو كما نود أن يكون (دائرة المحتمل).

ارتباطا بهذه الفذلكة نرى أن قصة حي بن يقظان من حيث القيم التي تحتفي بها تمتاز بالفرادة والفذوذة. فالحكاية استطاعت اجتراح مخرج في الإبلاغ والإقناع الفلسفي بالنظر إلى مقومات المجال التداولي العربي الإسلامي. ويمكن اختصار قيمها الإنسانية والإسلامية كرؤية للعالم فيما يلي:

-    إسهامها في حل إشكالية التوفيق بين الحكمة والشريعة: يقوم النقد الفلسفي لعلم أصول الدين على أسس لها صلة وثقى بالمشروع الكبير الذي أمه فلاسفة الإسلام في الابيستيمي الوسطوي، ذلك أن الرائدين الفارابي وابن رشد ومن زاوية فلسفية بحتة بحثا عن مكان ما للفلسفة داخل منظومة العلوم الإسلامية فيما عرف بتقرير التوافق بين الحكمة والشريعة والذي يخفي في تجاعيده حقيقة احتياج الملة إلى براهين الفلسفة، فإذا كانت الملة تقدم خطابها ضاربة الأمثال للناس، فإن الفلسفة خطابها برهاني، مما يعني أنه ما من قول ملي (نظري وعملي) إلا وله نظيره الحكمي فالحقيقة واحدة رغم اختلاف الطرق المؤدية إليها. يعرض ابن طفيل بطريقته الرمزية ما قلناه سلفا، فإذا كان حي قد توصل بتأملاته العقلية إلى سر تناسق العالم، فإن آسال لم يجد في شريعته ما يخالف ذلك يقول ابن طفيل: "فلما سمع آسال منه وصف تلك الحقائق والذوات المفارقة لعالم الحسي العارفة بذات الحق عز وجل، ووصف له ذات الحق تعالى بأوصافه الحسنى.... لم يشك آسال في أن جميع الأشياء التي وردت في شريعته من أمر الله عز وجل، وملائكته، وكتبه ورسله.... هي أمثلة هذه التي شاهدها حي بن يقظان، فانفتح بصر قلبه وانقدحت نار خاطره وتطابق عنده المنقول والمعقول، وقربت عليه طرق التأويل، ولم يبق عليه مشكل في الشرع إلا تبين له، ولا مغلق إلا انفتح، ولا غامض إلا اتضح، وصار من أولي الألباب"([26]). أكثر من ذلك يظهر البعد الفلسفي العميق في إصرار ابن طفيل على بيان أهمية البحث العقلي في حياة الإنسان، فقد أوصى حي عندما يئس من الإصلاح قوم سلامان باتباع الظواهر وعدم الإغراق في الاستبصار الذي قد يؤدي بهم إلى تمزيق الشرع. بعبارة أخرى ينقسم الناس إلى خاصة وعامة، فالعلماء فضلا عن اتباع الظواهر مطالبون بالفحص العلمي عن المعاني العميقة من خلال التأويل البرهاني. ولعل ورود الشرع بالمحكم والمتشابه، بالظاهر والباطن مرده الى اختلاف طباع وقرائح الناس في التصديق.

-      تتضمن قصة حي بن يقظان كذلك اعترافا صريحا بالممارسة الصوفية كأعلى درجة ينالها الإنسان في مسار المعرفة، بلغة ابن طفيل تنحو قصته صوب إشراقات ابن سينا وتشيح بوجهها عن منهج ابن باجة العقلاني الذي جعل منه رأس العلم النظري والبحث الفكري([27]). وإذا كان الأدب الإسلامي يشدد على ضرورة ترسيخ القيم الأخلاقية في المجتمع عبر أشكاله التعبيرية، فإننا نجد ابن طفيل في قصته لا يخرج عن هذا الإطار، فقد وضع شروطا لممارسة التصوف لعل أبرزها متمثل في مجاهدة النفس للعوارض الشهوانية التي غالبا ما أسقطت الإنسان في الرجس و الدنس، فالمتصوف الحقيقي هو الذي يجهز على الهو بالمعنى الفرويدي للكلمة، ومن زاد عليك في التخلق فقد زاد عليك في التصوف.

جدير بالإشارة أن الدراسات الاستشراقية مالت إلى رد التصوف الإسلامي الى أصول يونانية وهندية ومسيحية...، أو في أحسن الأحوال إلى العناصر الآرية التي دخلت تحت مظلة الفتح الإسلامي تحت ذريعة أن العقلية السامية لا تصلح لبناء أنساق نظرية وعلمية وفنية. لكن واستنادا إلى مكتسبات الدرس السوسيولوجي فإن كل ظاهرة في بيئة معينة تكون أساسا وليدة عوامل داخلية لا خارجية، لأن ما هو خارجي يوقظ الظاهرة ولا يخلقها إطلاقا. وليس من المبالغة في شيء أن تكون التجربة الصوفية الإسلامية في بحثها عن الإلهي والمقدس وتجلياته في الكون والإنسان مشابهة لتجارب روحية وثقافات أخرى. نؤمئ هنا إلى أن استعمال المتصوفة للرمز وإن كان نفس من جهة غلواء معاناتهم، حيث مكنهم من بعض التعبير، فإنه من ناحية أخرى جر عليهم وبالا من الانتقادات من قبل أولائك الذين لا يمكنهم أن يرتقوا من درجة الحس إلى درجة المعنى. وبذلك فإن من لا يدرك نوعية الاستخدام الإشاري للغة عند المتصوفة واعتمادهم على الاستعارة والكناية وخرق المألوف من القواعد سينتهي حتما إلى جملة من القبائح يصم بها الصوفية لبقائه تحت رق التعابير الحسية([28]). 

•      قصة "حي بن يقظان" إرث إنساني ينأى بنفسه عن التحديد والتعلق بثقافة معينة دون أخرى. فالقصة تحكي لحظات انكشاف الموجود أمام العقل الإنساني تدرجيا وارتقائيا وبشكل فردي في عزلة تامة عن الغير.

تشير هذه المأثرة الفنية إلى سمو الإنسان عن باقي الكائنات، فبالفطرة السليمة تمكن حي من التعرف على مختلف الموجودات والكائنات، وما يسترعي الانتباه هو بلوغه مرتبة الشهادة، حيث تتقلص المسافات بين الإنسان وخالقه. وما يستفلت النظر أيضا هو وعي حي "الإنسان" بوجوده وبقدراته وكأنه يطبق المبدأ السقراطي المعروف "اعرف نفسك بنفسك"، دليلنا في ذلك أنه اشترط لدوام المشاهدة السياحة في الجزيرة وتصفية النفس من شوائب الدنيا الفانية وقمع هواها وحملها على إيثار الآخرة الباقية عليها، وإماتة كل رغبات الجسم المختلفة إماتة تدريجية عبر امتحان يومي حتى يكون حضور الله في النفس حضورا قويا من دون أن يشاركه في النفس شيئا آخر. بسير الذات العارفة في طلب حقيقة الوجود أو بمعراج النفس في إدراك الألوهية والعوالم العلوية، يستحيل التصوف نصا كونيا يبني نظامه الذاتي لإشكالية المعرفة، والمنحى الشخصي في الإيمان والوجود والحياة. ومما يدلل على عالمية قصة حي بن يقظان هو استلهام المحدثين الكثير من عناصر بنائها وقيمها كحال Daniel Defoe في رواية Robinson Grusoe .

كونية القصة تتجلى من خلال ممارسة حي قواعد الفكر الرصين المتصل بالإنسانية، فبدون التفكير يتوقف الإنسان عن الوجود، واعتماد الإنسان سلطة عقلية ووجدانية عليا بصرف النظر عن لغة ولون ودين هذا الإنسان. كما تؤصل الحكاية لمبدأ التسامح وبالحق في الاختلاف ولأدبيات النقاش، فحي وآسال يختلفان في كل شيء "معرفة" و"نشأة" و"أعرافا"، ومع ذلك تمكنا من استنبات تقاليد تحاورية بينهما أدت إلى إيجاد عناصر تقاطع وتماه، بنت إمكانا ولم ترسخ كائنا، ونحن نعتقد أن الفكر المعاصر صار لا يني لحظة في الدفاع عن قيمة العقل التواصلي بما هو عقل كلي يتجاوز سلبيات العقل الأداتي، ويسعى إلى تشييد أدبيات التواصل بما تقتضيه من إيتيقا النقاش والفاعلية الجماعية والتبرير العقلاني وادعاء صلاحية المعايير والبين ذاتية intersubjectivité والمستمع الكوني داخل الفضاء العمومي.

خاتمـة:
بالنظر إلى مقومات المجال التداولي العربي الإسلامي، فإن قصة "حي بن يقظان" لابن طفيل تزخر بقيم عدة تجعلها تتجاوز محيطها الأندلسي لتعانق فضاء الكونية. استطاع ابن طفيل عبر هذا المتن الرمزي أن يمتص ثقافة عصره بعفوية قل نظيرها، وأن يسهم في مقاربة قضايا مجتمعه، ومنها على وجه الخصوص إشكالية التوفيق بين الحكمة والشريعة، وهو ما يحملنا على التأكيد على أن المنجز الأدبي الإسلامي أدب فكرة ومسؤولية والتزام وبناء. ظهر أيضا من خلال هذا المتن السردي إصرار ابن طفيل على بيان أهمية الاجتهاد العقلي في حياة الإنسان، وهو في ذلك يستلهم مبادئ الدين الإسلامي الداعي إلى التأمل والتفكر والتدبر وعدم الاقتناع بما دون ذلك من الاجترار والتقليد والدوغمائية، فلا اجتهاد بغير إجهاد ولا بقاء بغير عطاء.

أخيرا وفي المسافة التي تفصل الكيفية التي يوجد بها العالم والكيفية التي بها يتصور الناس ذلك العالم هنالك مجال فسيح للتأويل والتفلسف والإبداع، وهي جوانب جسدها "حي" في حياته المعرفية والروحية.


لائحة المراجـع.
ـ    مدني صالح، ابن طفيل، قضايا ومواقف، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة 3، 1986.
ـ    فلسفة ابن طفيل ورسالته "حي ابن يقظان"، تحقيق عبد الحكيم محمود، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، 1982.
ـ    طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة 2، 2006.
ـ    ابن رشد، فضل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تحقيق عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة 4، 2007.
ـ    محمد الكحلاوي، مقاربات وبحوث في التصوف المفارق، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط 1، 2008.

المجــلات
ـ    الفكر العربي المعاصر، عدد 156/157، مركز الإنماء القومي، بيروت/ باريس، السنة 30، 2011.
الموقع الإلكتروني
ـ    محمد أيت حمو، الكتابة المزدوجة عند الفلاسفة المسلمين. www.eljabriabed.net

[1] - مصطفى الغرافي، البلاغة والإيديولوجيا: بحث في العلاقة الملتسبة بين المعرفة البلاغية والمطالب الايديولوجية، الفكر العربي المعاصر، عدد 156/157، مركز الإنماء القومي، بيروت/ باريس، السنة 30، 2011، ص: 142.
[2] - مدني صالح، ابن طفيل، قضايا ومواقف، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة 3، 1986، ص. 141.
[3] - نفسه، ص: 142.
[4] -فلسفة ابن طفيل ورسالته "حي ابن يقظان"، تحقيق عبد الحكيم محمود، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، 1982، ص.71.
[5] - نفسه، ص: 72.
[6] - نفسه، ص: 72
[7] - نفسه، ص: 74.
[8] - نفسه، ص: 86.
[9] - فلسفة ابن طفيل ورسالته "حي ابن يقظان"، مرجع سابق، ص: 87.
[10] - نفسه، ص: 95.
[11] - نفسه، ص: 98.
[12] - نفسه، ص: 114.
[13] - نفسه، ص: 119.
[14] - نفسه، ص: 120.
[15] -فلسفة ابن طفيل ورسالته "حي ابن يقظان"، مرجع سابق، ص: 129.
[16] - نفسه، ص: 132.
[17] - نفسه، ص: 141.
[18] - نفسه، ص: 149.
[19] - نفسه، ص: 153.
[20] - فلسفة ابن طفيل ورسالته "حي ابن يقظان"، مرجع سابق، ص: 158.
[21] - طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة 2، 2006، ص: 10.
[22] - نفسه، ص: 56.
[23] - محمد أيت حمو، الكتابة المزدوجة عند الفلاسفة المسلمين. www.eljabriabed.net
[24] - نفس الموقع.
[25] -ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تحقيق عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة 4، 2007، ص: 93. 
[26] - فلسفة ابن طفيل ورسالته، م س، ص.154.
[27] - فلسفة ابن طفيل ورسالته، مرجع سابق، ص.73.
[28] - محمد الكحلاوي، مقاربات وبحوث في التصوف المفارق، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط 1، 2008، ص.46.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟