أفكار حول إصلاح التعليم بالمغرب الراهن - محمد عابد الجابري

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

انفاسقضية التعليم وقضية العدل قضيتان مطروحتان في المغرب منذ الثلاثينات من هذا القرن، أي منذ أن جعلتهما الحركة الوطنية المغربية على رأس مطالبها الإصلاحية التي واجهت بها الحماية الفرنسية، قبل أن تنتقل إلى مطلب الاستقلال. وموضوعنا هنا قضية التعليم وحدها، وقد خصصنا لها ملفا غنيا في هذا العدد.
وما يهمنا هنا في هذا الحديث هو التذكير بما ظل يشكل "الثابت" الرئيسي في السياسة التعليمية في المغرب منذ الاستقلال، والذي يبدو أن بعض الجهات تريد تجاوزه إن لم نقل "التخلص" منه، على الرغم من أنه ظل "ثابتا" على مستوى الشعارات فقط، أما على مستوى التطبيق فإن ما تحقق في ميدان التعليم على مدى الأربعين سنة الماضية على استقلال المغرب ما زال بعيدا عن ما يجب. والرتبة المخجلة التي أعطيت للمغرب في التقرير الذي نشره مؤخرا برنامج الأمم المتحدة لسنة 1998، والذي عين لدول العالم مراتبها على مستوى التنمية البشرية، تضع بلادنا في مكان يشعر المرء معه، إن كان فيه بقية من ضمير وطني وإنساني، بالخزي والعار. ومعلوم أن من أهم المقاييس التي يعتمدها هذا التقرير في ترتيب الدول: انتشار التعليم وتعميمه ومستوى التشغيل ونسبة البطالة.

وما نقصده هنا بـ"الثابت" في خطاب السياسة التعليمية بالمغرب هو ما عرف تاريخيا بـ"المبادئ الأربعة"، وهي المبادئ التي أقرتها "اللجنة الملكية لإصلاح التعليم" التي كونها الملك الراحل محمد الخامس والتي عقدت أول اجتماع لها يوم 28 سبتمبر 1957. وكان تكوين هذه اللجنة في هذا التاريخ، في الواقع، إحياء للجنة تحمل الاسم نفسه شكلت أثناء الحماية، عقب الحرب العالمية الثانية، ولكنها فشلت في مهمتها خاصة بعد أن عدل الفرنسيون عن سياسة "التفتح" التي كان قد سلكها آنذاك المقيم العام الفرنسي في المغرب إريك لابون، مما دفع بالأمور نحو الأزمة التي انتهت بالمقاومة وجيش التحرير واستقلال المغرب.



كان لا بد من التذكير بهذه المعطيات لأنها هي التي تعطي لـ"المباديء الأربعة" مضمونها الذي جعلها تقع في قلب الفكر الوطني المغربي، وبالتالي جعل منها "مباديء" لا يملك من لا يؤمن بها، أو لا يراها تخدم أفق تفكيره، إلا أن ينادي بها في الظاهر ويعمل في "الباطن" في اتجاه آخر. وكم من المسؤولين عن التعليم في بلادنا سلكوا هذا المسلك!

نحن هنا لا نريد أن نخوض في ما جرى خلال العقود الماضية، فقد تتبعنا قضية التعليم في المغرب خلال عقود مضت في كتابين صدر آخرهما قبل عشر سنوات(1) ، وانشغلنا خلال السنوات العشر الأخيرة بأمور أخرى. غير أن مواصلة العمل في الجامعة والاحتكاك المباشر بالطلاب والأساتذة رسخت فينا اقتناعا بأن الأمور لم تتغير نحو الأحسن بما يضطر معه المرء إلى مراجعة الاستنتاجات السابقة. ومهما يكن فنحن لن نتعرض هنا لواقع التعليم في بلادنا، وإنما سنركز على "السياسة التعليمية" التي يظهر أنها ستكون موضوع نقاش هذا الموسم. والحديث عن "السياسة التعليمية" في المغرب معناه طرح "المباديء الأربعة" للنقاش: صراحة أو ضمنا. وكما هي عادتنا فسنحتار الطرح الصريح.

***
المبادي الأربعة التي أقرها المغرب -بدون استثناء ظاهر- كأساس لاستراتيجية التعليم هي: التعميم، والتوحيد، والتعريب، ومغربة الأطر: تعميم التعليم على جميع الأطفال البالغين سن التمدرس (6-7 سنوات). توحيده في مدرسة وطنية واحدة بدل التعدد الذي كرسته الحماية الفرنسية (التعليم الإسلامي: التعليم الأوربي، التعليم الإسرائيلي الخ) والذي أقامت الحركة الوطنية بديلا له يتمثل في المدارس الوطنية الحرة التي أصبحت هي نفسها مع الاستقلال عنصرا في التعدد. أما التعريب فقد كان المقصود منه وما يزال جعل اللغة العربية لغة تعليم جميع المواد. وأما "مغربة الأطر" فقد كان يراد بها تعويض الموظفين غير المغاربة في التعليم كما في الإدارية، وكلهم فرنسيون، بكفاءات مغربية.

وواضح أن هذا المبدأ الأخير هو وحده الذي تحقق، كما تحقق مبدأ التوحيد بصورة إجمالية من خلال توحيد مواد التعليم وبرامجه على مختلف المدارس، ومن خلال المراقبة التربوية التي تقوم بها وزارة التربية الوطنية، أو من المفروض أنها تقوم بها على المدارس الخاصة والمعاهد الدينية.

وإذن، فما يبقى موضوعا للنقاش هو التعريب والتعميم و"المجانية"، باعتبار أن مبدأ "مجانية التعليم" كان جزءا من مبدأ "التعميم"، وكان من تحصيل الحاصل. ولم يكن، هناك لا في الخمسينات ولا في الستينات ولا في الثمانينات، من كان يفكر -على الأقل بصوت مرتفع- في فرض رسوم في أي سلك من أسلاك التعليم. بل بالعكس، كانت المنحة المدرسية معممة على جميع الحاصلين على الباكالوريا، وقد اكتست في بعض الحالات طابع الإعانة الاجتماعية، إذ كان كثير من الطلاب يشركون أهليهم فيها، خاصة المنحدرين منهم من القرى والبادية.

لم يكن من الممكن، في إطار السياسة العامة التي سارت عليها الدولة، أن يستمر تعميم المنحة. لقد تقلصت عددا ومقدارا. ولكن هل من الممكن التراجع عن مجانية التعليم؟

أعتقد أن هذا هو الموضوع المركزي الذي تستهدفه الأنظار والتصريحات، ولكن دون أن يطرح طرحا صريحا وبروح موضوعية. والواقع أن مثل هذا الطرح، الصريح والموضوعي، يجب أن يشمل أيضا التعميم والتعريب، فالمبادئ الثلاثة مرتبطة لا تقبل العزل ولا الفصل.

ماذا نعنيه هنا بـ"الطرح الصريح الموضوعي"؟

كانت المباديء الأربعة، منذ أن تبلورت في أذهان المهتمين بقضية التعليم في المغرب، أي منذ عهد الحماية الفرنسية، تقع كما قلنا في قلب الفكر الوطني المغربي، وبالتالي كان الدفاع عنها يتم بخطاب "الهوية" الذي لا يقبل المناقشة: الهوية كما صنعها الماضي وكما يجب أن تكون في المستقبل: استمرارا متناميا ومتحسنا لما كان، ولما هو الجوهر الدائم لكينونتنا.

إن خطاب الهوية بهذا المعنى الوطني لم يعد يمارس نفس التأثير الذي كان له قبل عقد أو عقدين من السنين، فقد حل محله خطاب "التنمية". والموضوعية لم تعد في "الجوهر" و"المضمون" بل في "الوظيفة". ومن هنا كان من الضروري لكل خطاب صريح وموضوعي، بمقاييس أيامنا هذه، أن بتحرك على مستوى "الوظيفة". والمقصود هنا وظيفة التعليم. ومع أنه من الممكن طرح الموضوع على مستوى الشعار الذي يغازله الجميع اليوم، شعار حقوق "حقوق الإنسان"، باعتبار أن من الحقوق الأساسية المسطرة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإعلانات اللاحقة والمتممة والمفصلة له: "الحق في التعليم"، أقول على الرغم من "راهنية" هذا الطرح فإن الكلام على هذا المستوى سيبقى مطبوعا بما يطبع الكلام في "حقوق الإنسان"، أعني العمومية والاعتراف المبدئي، وتأجيل التطبيق!

يجب إذن طرح موضوع التعليم في بلادنا اليوم، وعلى مستوى المباديء الأربعة، طرحا وظيفيا. ولكي يكون الطرح الوظيفي شاملا يستحضر جميع الجوانب الأساسية والمستعجلة لا بد من أن يركز الاهتمام فيه على جانب الجدوى على مستوى عمللية التنمية، كما على مستوى عملية "توصيل المعرفة" التي تشكل الهدف المباشر والوظيفة الأولى لعملية التعليم.

***

هناك شعار يرفع منذ مدة، وقد يعتقد فيه بعض الذين يرفعونه عن صدق أنه يلخص المسألة التعليمية كلها، على المستويين المذكورين، شعار: "إدماج التعليم في المحيط"، الاقتصادي الاجتماعي. ونحن نعتقد أن التعليم هو دوما مندمج في المحيط ولا يقع قط خارجه، بل هو جزء منه وفي نفس الوقت يعمل على تلبية حاجاته. فعندما كان "المحيط" في المغرب يحتاج "فقط" إلى مؤذنين وأئمة وخطباء الجمعة وعدول وقضاة شرعيين الخ، كان التعليم مندمجا في محيطه يخدمه ويلبي حاجاته. وعندما أصبح المغرب يحتاج -علاوة على ذلك- إلى شرطة وضباط وموظفين يحلون محل الفرنسيين في الجيش الإدارة والتعليم، كان نظام التعليم في بلادنا مندمجا في محيطه: يمد أجهزة الدولة بما تحتاجه من كفاءات.

واليوم يقال إن التعليم غير مندمج في محيطه، فهل هذا صحيح؟ لنفرض أن الجواب بالإيجاب، وسيتحول السؤال إلى: وما الذي جعل التعليم بالأمس في قلب محيطه، يخدمه ويلبي حاجاته؟ وما الذي يمنعه من أن يكون كذلك اليوم؟

الجواب في نظري ليس في "التعليم" بل في "المحيط" ذاته! من قبل، وفي المثالين اللذين سقناهما أعلاه، كان المحيط يعرف ما هو في حاجة إليه: كانت هناك مساجد وحياة اجتماعية معينة تعرف حاجتها من المؤذنين والأئمة والعدول الخ. ثم برز مع الاستقلال "محيط" آخر يعرف هو أيضا حاجاته من التعليم: الحاجة إلى الموظفين. أما اليوم فـ"المحيط" لا يعرف حاجاته، وهو نفسه غير مندمج! الحاجة إلى الوظيفة الدينية والإدارية لم تعد قائمة، وما يمكن أن يحتاج إليه منها، اليوم أو غدا، هو من الضآلة إلى الدرجة التي لم يعد يدخل معها في مقولة ّإدماج التعليم في محيطه".

المحيط المهيمن اليوم في المغرب هو "البطالة". والقضية التي تلح على الحكام في الدول المصنعة، التي يشكل اندماج التعليم بها في محيطه نموذجا لمن يفكرون تحت ضغط هذه المقولة، أعني دول أوربا وأمريكا، هي ما يعبرون عنه بـ"خلق مناصب الشغل". وإذن فشعار ّإدماج التعليم في محيطه" شعار ينطوي على قدر كبير من التضليل، لأنه يسكت عما هو أساسي وهو "المحيط" ذاته: هل هو قادر على توفير مناصب شغل تمتص المتخرجين من مختلف أسلاك التعليم أم غير قادر؟ لندع جانبا حديث "الكيف" و"النوعية" و"ما تحتاجه سوق العمل"، فهذه أشياء لا يكون لها معنى إلا حينما تكون هناك سوق للعمل فيها رواج كاف لتحديد "النوع" و"الكيف" المطلوبين. هناك بين الخريجين الجامعيين المعطلين كفاءات علمية عالية المستوى، في العلوم الدقيقة العصرية وفي الإعلاميات كما في الطب ومجال الخدمات الاجتماعية، ولكن هؤلاء جميعا عاطلون. وهناك آلاف من أمثالهم بقوا في البلدان التي درسوا فيها، ومعظمهم عاطلون أو شبه عاطلين، دع عنك من هم في طريق التخرج، هنا وهناك وهنالك!

المسألة إذن ليست في كون التعليم في بلادنا متخلفا عما يطلبه المحيط فهناك متخرجون من أوربا وأمريكا، ومن معاهد علمية عالية المستوى، لا يجدون شغلا، الشيء الذي يكشف عن أن العكس هو الصحيح: أعني أن المحيط في المغرب هو المتخلف، وهو العاجز عن توفير الشغل للخريجين، من داخل المغرب ومن خارجه.

***

تلك هي النتيجة الأولى التي يفرضها الطرح الوظيفي -وليس الإيديولوجي ولا الوطني- لمشكل التعليم في المغرب، كما هو اليوم: المحيط غير قادر على أن يندمج التعليم فيه. أو لنقل إن التعليم متخلف لأنه مندمج في محيط متخلف!

والخطوة الثانية المباشرة التي تفرض نفسها في إطار الطرح الوظيفي تتلخص في السؤال التالي: إذا كان "المحيط" في مغرب اليوم غير قادر على أن يندمج التعليم فيه، فهل يمكن للتعليم أن يساهم في تطوير هذا المحيط في اتجاه رفع هذا العجز عنه؟

سؤال يطرح مسألة التخطيط، مسألة السياسة التعليمية! ورجع بنا القول إلى "المباديء": التعميم والمجانية والتعريب. والسؤال الوظيفي الذي يجب طرحه الآن بصدد هذه المباديء هو التالي: هل بقي في هذه "المباديء" ما يصلح توظيفه في عملية تطوير "المحيط" في الاتجاه الذي يرفع عنه العجز عن توفير مناصب الشغل للعاطلين كافة، وفي مقدمتهم المتخرجون من التعليم؟

هناك حقيقتان، لا أظن أن هناك يجادل فيهما. أولاهما أن "المحيط" في المغرب محيط أمي. وثانيتهما أن "المحيط" الأمي ليس مجالا لمناصب الشغل، بل هو مجال لإنتاج وإعادة إنتاج البطالة. إن نسبة الأمية في المغرب بين الكبار والشباب والصغار مرتفعة جدا. والشغل اليوم، الشغل الذي به تكون التنمية، لم يعد شغل عضلات الأيدي والأرجل والكتف والظهر، بل الشغل اليوم هو شغل عضلات الدماغ. وسواء تعلق الأمر بمجال الفلاحة أو بمجال الصناعة والمناجم أو بمجال الخدمات أو بمجال الإعلاميات فالمطلوب اليوم ليس "الأيدي" العاملة، بل العقول المفكرة والعاملة.

وإذن فالمطلوب هو تنمية شاملة يكون من جملة مقوماتها رفع الأمية عن "المحيط"، ولا يكون ذاك إلا بتعميم التعليم والتقليص من نسبة الأمية إلى الحد الذي لا تبقى معه الأمية خاصية في "المحيط" بالمغرب. والمغرب كما هو الآن يبدو أنه لا يمكن أن يدخل درب التنمية إلا من باب الفلاحة. وإذن فالمهمة التي تطرح نفسها على رأس الأولويات هي تعميم التعليم في القرى البادية. إن تطوير القطاع الفلاحي لا يمكن بدون نشر التعليم فيه على نطاق واسع.

وما دام الأمر كذلك، وما دام "المحيط" الأمي في المغرب، في المدن والقرى والبوادي، هو من الفقراء أساسا، الذين يكادون لا يجدون ما يعيلون به أبناءهم، والذين يعانون من البطالة باختلاف أنواعها، الصريحة والمقنعة، الدائمة والمؤقتة، فإن أي تفكير في "التخفيف" في ميزانية الدولة من وقع متطلبات "مجانية التعليم" عليها، تفكير غير واقعي، لا يمكن أن ينتهي إلى شيء قابل للتطبيق. وقد ينتهي إلى ردود افعال غير مراقبة، المغرب اليوم في غنى عنها. إن ما هو مطلوب حقا هو التطبيق الفعلي والصارم لظهير إجبارية التعليم، الصادر منذ أزيد من ثلاثين سنة!

أما التعليم الثانوي والعالي فالتخفيف من "المجانية" فيهما قد يكون بإلزام من يستطيعون فعلا أداء أية رسوم تقرر. غير أنه ليس هناك في الوضع الراهن من طريق للتمييز النزيه بين من يستطيعون ومن لا يستطيعون، ولا للتطبيق العادل في هذا المجال، مادامت تجربة المنح قد برهنت على أن القادرين الميسورين يزاحمون فيها الفقراء، مزاحمة القوي المتنفذ للذي لا حول له ولا قوة. والمسألة هنا أكثر تعقيدا من طلب "ورقة الاحتياج" أو الإدلاء بـ"كشف ضريبي"، فمثل هذه الأمور غير مضبوطة، والطريق إلى التحليل فيها مفتوحة، وواقع الإدارة المغربية، بما في ذلك إدارة التعليم نفسه، فيها من العيوب والتجاوزات والتحايلات ما لا يخفى على أحد. يجب البحث، إذن، عن طريق آخر للتخفيف من وطأة "مجانية" التعليم على ميزانية الدولة. والوسائل الممكنة متعددة:

ـ منها التخفيف عن هذه الميزانية من وطأة "مجانيات" أخرى تثقل كاهلها، مثل التهرب من أداء الضريبة بالف وسيلة، خصوصا من جانب "الكبار" و"كبار الكبار".

ـ ومنها التخفيف من النفقات غير المنتجة، سواء على مستوى الدولة أو مستوى الجماعات المحلية، واعتماد سياسة التقشف فيما لا مردودية له.

ـ ومنها تشجيع القطاع الخاص، خصوصا البنوك والشركات والمعامل، على النفقة في ميدان التجهيز بالتعليم مقابل نوع من الإعفاء الضريبي. وبدلا من صرف "الفائض" في نفقات طفيلية أو كمالية أو منح سنوية إضافية الخ، كأسلوب لتخفيض الضرائب، سيكون من الأفضل والأجدى أن يصرف ذلك في التجهيز المدرسي والجامعي وإعطاء المنح الخ…

ـ ومنها إحداث ضريبة تضامنية، خاصة بالتعليم، على الكماليات من دخان ومشروبات وعطور وسيارات فارهة… والقائمة طويلة.

ثم إنه في مجتمع تفشو فيه البطالة ويعيل العامل الواحد فيه، ليس زوجته وأولاده فحسب بل الآباء والإخوة والأقارب الخ، فإن مجانية التعليم تقوم بدور اجتماعي ضروري في غياب تعويضات البطالة والإعانات الاجتماعية.

لننتقل إذن إلى مبدأ التعريب.

***

تعريب التعليم، منظورا إليه من زاوية التحليل الوظيفي، يعني جعل اللغة العربية وسيلة لتوصيل المعرفة، ليس فقط على مستوى المدارس والمعاهد بل أيضا، وهذا ما يجب إعطاؤه الأهمية القصوى، لجماهير الشعب. وهل يمكن مخاطبة الشعب المغربي بلغة فرنسية أو غيرها؟

من هذه الزاوية، زاوية توصيل المعرفة، يجب أن ننظر اليوم إلى مسألة التعريب. نحن في حاجة إلى طبيب يعرف كيف يتواصل ليس فقط مع مرضاه، بل ومع "المحيط" في المدينة والبادية. كيف يخاطب المواطنين باللغة التي يفهمون، كيف ينقل إليهم المعرفة العلمية الضرورية. جل طلابنا في الطب وأيضا جل أساتذتهم ومعظم العاملين في قطاع الطب عموما لا يجدون في مخزونهم اللغوي الثقافي ما به يقدرون على توصيل أساسيات المعرفة الصحية الطبية لمواطنيهم. كثيرون منهم لا يقدرون حتى على تسمية أعضاء الجسم ولا على توضيح مظهر من مظاهر الصحة أو المرض. وإذا أنت طلبت منهم الحديث باللغة التي يفهمها مواطنوهم أمام شاشة التلفزة مثلا انقلبوا غرباء أميين في لغة بلدهم. لا يستطيعون الكلام لا بالدارجة ولا بالفصحى، لأن اللغة ليست هي القواعد النحوية بل هي أولا وقبل كل شيء أسماء. والأشياء بدون أسماء عدم، والعلم بدون القدرة على التواصل جهل. ومثل العلوم في ذلك مثل الطب: البيطرة والفلاحة والهندسة الخ. وبعبارة قصيرة إذا أريد لشعار "دمج التعليم في المحيط" أن يكون له مدلول ملموس فيجب أن يفهم منه أولا وقبل كل شيء جعله باللغة التي يفهمها المحيط. يمكن للمرء أن يستقبل العولمة أو التحديث والمعاصرة بأيد مفتوحة بدون حدود، ولكنه لا يستطيع أن يجعل الشعب الذي ينتمي إليه يتكلم لغة غير لغته. نحن لا نستطيع أن نتخيل أن الشعب المغربي سيصبح في يوم من الأيام شعبا يتكلم الفرنسية أو الإنجليزية!

نحن إذن أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن نعرب التعليم وإما أن نفرنس الشعب! لنترك العواطف وخطاب الهوية والوطنية جانبا. ولنجب من الناحية العملية الإجرائية وحدها! والواقع أنه لا أحد يستطيع اختيار المستحيل، أعني جعل الشعب المغربي ينقلب إلى شعب لغته المحلية الفرنسية أو غيرها. والذين يفكرون في لغة التعليم بدون استحضار هذا الجانب الوظيفي يسقطون من حسابهم ما نسميه هنا بـ"الشعب"، ويضعون مكانه "أنفسهم". والنتيجة في النهاية هي الغربة، غربتهم الفكرية التي قد تؤدي بهم إلى غربة حياتية كاملة. وفي جميع الأحوال ليس الذنب ذنبهم، بل الذنب ذنب التعليم الذي تلقوه خاليا مما يكفي من لغة بلدهم.

لا بد من استحضار هذا الجانب عند الحديث عن التعريب، فهو الجانب الذي يصب فيه الهدف من التعليم. وإلا فلمن العلم ولمن الطب ولمن الهندسة ولمن علوم الفلاحة ولمن التقنيات والإعلاميات؟

من هنا يظهر جليا أن تدريس المواد العلمية في الثانويات باللغة العربية ضرورة لا مناص منها. والمسألة ليست مسألة صلاحية هذه اللغة أو تلك لتدريس العلوم، فجميع اللغات في هذا المجال سواء، العربية والصينية والعبرية والروسية والفرنسية والإنجليزية، والتفاوت تفاوت في مدى تطويع أهل لغة ما للغتهم: والتطويع لا يمكن أن يكون بممارسة اللغة في لغة أخرى بل في اللغة المراد تطويعها. ولا معنى للتراجع في هذا المجال، لأنا إذا رجعنا إلى تدريس العلوم بالفرنسية نفسها فسنعود يوما إلى العربية، كما حصل في الابتدائي. والمسألة المطروحة من الناحية العلمية هي تقوية اللغة العربية واللغات الأجنبية. واللغة الإنجليزية أصبحت اليوم ضرورة من ضرورات العصر، ليس بالنسبة لنا فقط، بل وبالنسبة للفرنسيين أنفسهم. والجوار والمصالح المشتركة والتاريخ كذلك يفرض استعمال اللغة الفرنسية والأسبانية في مدارسنا إلى جانب الإنجليزية، والاتجاه العام يجب أن يكون تكريس الإنجليزية كلغة علمية أولى، لأنها اليوم كذلك على مستوى الاستعمال العالمي ومستوى العلم والتقنية، سواء بسواء. واللغة، أية لغة، لا تتعلم في المدارس لوحدها كلغة، كنحو وصرف ونصوص، بل لا بد من استعمالها في التدريس والدراسة، في مادة أو أكثر، إما على مستوى المراجع والبحث وإما على مستوى التعليمية.

وهذا في التعليم العالي خاصة. وإذا كان من غير الممكن اليوم تدريس المواد العلمية في الكليات والمعاهد الجامعية باللغة العربية، إذ الأساتذة غير معربين، فإنه من الضروري تدريس بعض المواد، خاصة التكميلية، باللغة العربية، لأن عدم استعمال العربية في الكليات والمعاهد العلمية، كما هو الحال اليوم، يجعل الطلاب ينسون بالمرة، في ظرف سنة أو سنتين، ما تعلموه في العربية في الثانوي والابتدائي. تماما مثلما أن عدم استعمال الفرنسية والإنجليزية أو الأسبانية في الكليات النظرية يجعل الطلاب ينسون بالمرة ما تعلموه من هذه اللغات في الثانوي والعالي. فلا بد إذن من تدريس بعض المواد في الكليات النظرية بلغة أجنبية. وما هو مطلوب اليوم هو التعدد الصعيد العلمي. لماذا لا يدرس تاريخ الطب وآدابه و"الطب الاجتماعي" وقسم من التشريح باللغة العربية؟ ولماذا لا يدرس تاريخ العلوم وقسم من فلسفة العلوم في كليات العلوم على مستوى الليسانس على الأقل؟ ثم لا بد من استعمال اللغة العربية في التخاطب اليومي في الكليات والمعهد، لأنه بدون ذلك لن يكتسب لا الأساتذة ولا الطلاب القدرة على استعمال المفاهيم العلمية. لماذا يقول الطبيب للطالب أو لمساعده: اعطني المقص أو الإبرة، وما أشبه، بالفرنسية ولا يقولها بالعربية؟

أذكر أني رأيت في أوائل الاستقلال أحد الرعاة يمسك كلبه بسلسلة في إحدى يديه ويشبعه ضربا بعصاه باليد الأخرى وهو يقول: "تنظم، حنا في زمن الاستقلال". وعندما سكنت المدينة ورأيت بعض الناس يخاطبون كلابهم بالفرنسية فيقولون مثلا: "كوشي"! تخيلت أن كلاب المدن لا تفهم إلا الفرنسية!

لا بد إذن من تعريب الحياة العامة داخل المعاهد العلمية وخارجها. إنه لا معنى لاستعمال الفرنسية في الإدارة المغربية، ولا في البنوك والشركات الخ. وهل هذه في المغرب المفرنس أحسن حالا مما هي عليه في مصر أو سورية أو العراق أو الأردن أو الخليج حيث هي معربة بالكامل، على الأقل على مستوى التعامل مع المواطنين؟

يبقى أخيرا وليس آخرا الوضع الداخلي لنظام تعليمنا، وهو يتطلب مراجعة شاملة على مستوى البرامج ومواد التدريس ونظام الامتحانات بما في ذلك نظام الباكالوريا الذي فقد مصداقيته مع نظام الأكاديميات وما يسمى بـ"المراقبة المستمرة" التي تحولت إلى "ثغرات مستمرة"! أضف إلى ذلك الجهاز الإداري، وقد غدا هو الآخر، كباقي مرافق الحياة الإدارية في المغرب، مرتعا للبيروقراطية وأمراضها، مع نوع من التسيب وانحلال رباط المسؤولية، مما يتطلب مراجعة شاملة.

***

وبعد، فالتفكير في إصلاح التعليم بالمغرب لا يمكن أن ينطلق من فراغ. إن قضية التعليم في المغرب لها تاريخ، بل هي من أبرز القضايا التي واكبت تاريخنا وكان لها دور هام فيه. واليوم تعود مسالة التعليم لتسجل في تاريخ المغرب مرحلة تميزت بالمرتبة رقم 125 التي أعطيت له، على سلم ترتيب دول العالم حسب مستوى التنمية البشرية التي من أبرز عناصرها التعليم. وليس هناك من تفكير ممكن في إصلاح التعليم بالمغرب يستطيع تجاهل هذه الحقيقة المرة.

الهدف من أي إصلاح للتعليم بالمغرب واضح: رفع العار والمهانة اللذين يسجلهما رقم 125. ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتخطيط العقلاني الحازم لبعث الحياة في المبادئ الوطنية للسياسة التعليمية في المغرب وتحيينها. إن التعميم والمجانية والتعريب ليست مقولات جامدة، بل مطالب تجد ما يبررها في الواقع الراهن، مثلما وجدت في الماضي ما أملاها وجعلها تجسم اختيار الأمة جمعاء. إن "الوضعية" بالأمس و"التنمية" اليوم لا تتناقضان. فالوطنية في المغرب لم تكن في يوم من الأيام تعرف "آخر" لها سوى الاستعمار والتخلف. وعندما "زال" الاستعمار أصبحت تعني، ويجب أن تعني في الدرجة الأولى، العمل للخروج من التخلف، أي من أجل "التنمية". والتنمية تتطلب تعميم التعليم. وتعميم التعليم في مجتمع يعاني من الفقر والبطالة يتطلب المجانية والتعريب: المجانية وحدها تمنح الحد الأدنى من تكافؤ الفرص، والتعريب وحده يمكن من توصيل المعرفة إلى الشعب، إذ ليس من الممكن إخراج شعب من لغته وإدخاله في لغة أخرى.

***
ـ كيف نعمم التعليم وكيف نطبق إجباريته بحزم، في المدينة والبادية؟

ـ كيف نرسخ التعريب في برامج تعليمنا ونقوي في نفس الوقت من اللغات الأجنبية: الإنجليزية والفرنسية والأسبانية.؟

ـ كيف نعرب الحياة العامة بمختلف مرافقها؟

ـ كيف نصلح "دار" تعليمنا التي أصبتها العدوى مما أصاب الإدارة العامة؟

ـ كيف نوظف الوسائل السمعية البصرية للتثقيف ونشر المعرفة العلمية؟

رقم 125: رقم زنزانة في عنق المغرب، فلنواجه التحدي!

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟