السبت 21 تشرين1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية تاريخ وتراث

الهوية بين ضرورات الذات وتطورات العصر - محمد محفوظ

أنفاسدائما ولدى كل الشعوب والمجتمعات، تشكل الهوية والمنظومة المعرفية الذاتية، بعناصرها العقدية والثقافية، عنصر أساس لتوازن الكيان المجتمعي.. بحيث ان وجود أي خلل في هذه المسألة يعني على المستوى العملي بداية الأفول والتقهقر الحضاري.
فالعالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، بدأ بالتفكك والضعف والدخول في نفق السيطرة الأجنبية كنتيجة طبيعية لما حدث للأمة، على مستوى الهوية والمنظومة المعرفية. وبالتالي فإن خيارات النهوض على الصعيدين الثقافي والحضاري وتجاوز المآزق الراهنة، التي تعاني منها الأمة، لا تتم إلا على قاعدة إنسجام هذه الخيارات مع هوية الأمة ومعادلتها الذاتية، أو منبثقة من مضمون الهوية والذات الحضارية.. ودائما حسن العلاقة مع الهوية بمكوناتها الأصلية، كفيل بأن يعيد للأمة حيويتها الحضارية، ويقوي من إمكانات قيامها بدورها التاريخي تجاه العالم.. لأن الهوية ليست كياناً ثابتاً جامداً، بل هي متحركة ومتطورة، بحيث نجد هذه الهوية كمفاهيم وقيم وأطر تتمدد في الوسط الاجتماعي، وتُلقي بقيمها وأنماطها وأنساقها على مجمل وتفاصيل الحركة الاجتماعية، وهذه الحركة الاجتماعية المعتمدة في علائقها وحراكها وتدافعها على هذه الهوية الحضارية، تقوم بدورها بعملية معكوسة حيث تغذي الذات الحضارية، وتزيد من شموليتها، وتعمق أبعادها؛ وتصبغ كل شيء بلونها.
لماذا التأكيد على مسألة الهوية؟
تنبع أهمية التأكيد على مسألة الهوية بعناصرها الثقافية والحضارية والتنموية من النقاط التالية:
1_ وعي التطور
التطور العلمي والتكنولوجي الهائل، الذي أسقط الحدود، وأوصل مناطق العالم ببعضها البعض، حتى أضحت (قرية كبيرة)، حسب تعبير (ماك لوهان)، كل هذه التطورات قد تجرف الإنسان إلى مهاوي سحيقة، أو في أحسن التقادير، تحوله إلى لاهث وراء الجديد في التكنولوجيا وصناعة المعلومات. وهذا ما يفسر لنا عملية الخلط الموجود في الفضاء العربي والإسلامي، بين المفاهيم الأساسية للنهوض والتقدم، وبين تاريخية المفاهيم والقيم النهضوية.
إن غياب تاريخية المفاهيم الأساسية للنهوض والتقدم، جعلنا نقوم بعملية ابتسار لقيم التقدم ومفاهيم النهضة والتطور، وانتزاعها انتزاعاً من سياقها المعرفي الغربي بشكل مجرد، متغافلين عن حركة تطورها الطبيعية وسياقها الاجتماعي والحضاري.

اِقرأ المزيد...

شجاعة مؤرّخ يهودي - عز الدّين عناية*

أنفاسسُحب من المكتبات الإيطالية خلال الأيّام القليلة الماضية كتاب "أعياد فصح دامية: يهود أوروبا والقتل الشّعائري"، الذي نشرته دار "مولينو" بمدينة بولونيا، لما أثاره من انتقادات بين يهود إيطاليا. والمؤلَّف للمؤرّخ اليهودي أرييل طُوَاف، أستاذ التّاريخ الوسيط وتاريخ عصر النّهضة في جامعة بار إيلان، معقل الأرثوذكسية بإسرائيل. المؤرّخ إيطالي الأصل، ابن حاخام روما الأسبق ورئيس اتحاد الجاليات اليهوديّة الإيطالية، إيليو طواف.
تتمثّل أطروحة صاحب الكتاب في إعادة النّظر في حيثيات التّهم والمحاكمات والاعترافات، ذات الصّلة بالقتل الشّعائري للأطفال، الذي نسب لأفراد وجماعات يهودية، من طرف محاكم التّفتيش، في أوروبا في العصر الوسيط، ما بين 1100 و 1500م، في المنطقة النّاطقة بالألمانية، الممتدّة بين رينو والدّانوب وآديجي، والتي ضمّت دويلة ترنتو التابعة، لإيطاليا في الوقت الحالي. وهي منطقة، جرّاء ما خلّفته المجازر والتّنصير القسري فيها، صارت مغلقة على يهودها، يميزهم التوجّس والعنف تجاه الخارج.
أصالة المؤرّخ في شهادته على الذّات الحضارية والدّينية التي ينحدر منها بالخطأ، فقد خلص إلى التورّط الفعلي لبعض أبناء ملّته في ممارسات قتل شعائري، بغرض إضافة دم الضّحايا للفطير المقدّس. وتصريحه بذلك يعبّر عن أمانة علمية قلّ نظيرها اليوم، في التعامل مع مسألة طالما صنِّفت من جملة الافتراءات التي ألحقت باليهود، لما لفّ الموضوع من أسطرة مما أخرجه من حيز الواقعية.
الخطير كما يقول المؤرّخ أن تابو اللاسامية صار يهدّد ويعوق أي بحث حرّ وأمين. رغم ذلك لم يحسب حسابات ضيّقة لما سيخلّفه مقوله من أثر عليه، وعلى طائفته، وعلى دينه، ووالده كان بالأمس القريب النّاطق الرّسمي والزّعيم الأوحد للجاليات اليهودية في إيطاليا.
يخلص المؤرّخ أرييل طُوَاف إلى أنّ مجموعة من الأشكناز، من غُلاة اليهود الأوروبيين، لا عامة اليهود، ممن لم يلتزموا بتعاليم التّوراة بتحريم سفك الدّماء، مارست هذه الشّعائر واستباحت دماء أبرياء. بغرض استعماله للأزيم، الخبز غير المخمّر، الذي يتناول أثناء الفصح اليهودي، كما يضاف إلى الخمرة في ذكرى الخروج والخلاص من مصر الفرعونية.
حضرت إيطاليا بشكل بارز في الكتاب، عبر حادثة مقتل الطّفل سيمون بترنتو خلال 1475، وهو ما قاد لاحقا إلى التهجير شبه الكامل للجالية اليهودية من تلك الدويلة عصرئذ.

اِقرأ المزيد...

الجذور التاريخية ـ الحضارية للظاهرة التوفيقية - د. محمد عابد الجابري

أنفاس1ـ في الشرق الأدنى القديم:
التوفيقية الفكرية والمجتمعية التي تتوالد ضمن التطور التاريخي للشرق العربي، هل هي مجرد استجابة آنية لظروف وقتية عابرة ستزول بزوالها، وبالتالي طفرة منبتّة الجذور، منقطعة الصلة بالاستمرارية التاريخية ـ الحضارية للمنطقة، أم إنها إحياء واستعادة لنمط متكرر في سياق تلك الاستمرارية؟
إذا كانت الظاهرات الفكرية والمجتمعية لا تبرز من فراغ، وإذا كانت العصور لا تبدأ منقطعة الصلة بما سبقها، فلا بد من التنقيب تحت سطح الأرضية المعاصرة لاكتشاف حفائر التكون الحضاري التوفيقي في طبقاته التاريخية المتراكمة ولاستبانة أجيال السلالة الفكرية التوفيقية التي توالدت عبر العصور، حتى أنجبت الكائن المعاصر موضع الدرس، وذلك ليكون بحثنا في مناحي التوفيقية المعاصرة مستنداً إلى جذوره التاريخية القديمة، بعد أن رأينا مدى صلتها بالبيئة الاجتماعية السياسية الحديثة التي تولدت فيها.
تبدو (الظاهرة التوفيقية) على الصعيد الحضاري العام ـ وفيما يتعدى النطاق الكلامي الفلسفي الخالص ظاهرة قديمة الجذور في تاريخ الشرق الأدنى. ويمكن إيجاز أبرز معالمها وأدلها، وتبيان طبقاتها المتعاقبة وصورها المتكررة المستعادة في تتبع التشكلات الحضارية التاريخية التالية بشكل وجيز ومكثف.
أولاً: عندما حدثت المواجهة بين التراث العقلي الهيليني والتقليد الديني العبراني في القرون السابقة للمسيحية نشأت الحاجة لأول مرة في الشرق الأدنى ـ وربما في تاريخ العالم ـ إلى إقامة التوفيق بين العقل والإيمان وبين المنطق الانساني والوحي الإلهي، وشهدت الديانة الموسوية جهداً عقلياً ونشاطاً دينياً متفلسفاً كان أبرز مفكريه (فيلون) الذي عاش بين القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي، وجاء بالمفهومين المزدوجين القائلين: إن النص الديني (التوراة) وحي إلهي، وإن الفلسفة اليونانية تمثل الحقيقة الكونية، وعليه فقد وجد نفسه في مواجهة مشكلة (إقامة التوفيق reconciliation) بين الفلسفة والشريعة، بين أفلاطون وموسى. ويرى أرنولد توينبي ان هذه المجابهة المبكرة بين التأثير الإغريقي (الهيليني) الوافد مع النفوذ الروماني، وبين التراث الديني الإيماني للمشرق السوري لم تقف عند حدود إقامة توفيقية دينية فلسفية في اليهودية، بل مثلت ـ حسب تعبيره ـ الجدلية الخلاقة التي أثمرت المسيحية.

اِقرأ المزيد...

إشكاليات التراث ـــ د.فردريك معتوق

أنفاسيقال أن الشعوب تتعامل بأشكال مختلفة مع تراثها.‏ في الواقع، أنها تتعامل مع تراثها طبقاً لبناها المعرفية وانطلاقاً من أحكامها ومفاهيمها. لذلك يجيء التعامل مختلفاً.‏
ما نريد أن نقولـه هنا هو أن الاختلاف في مسألة التعامل مع التراث ليس فطرياً، بل أنه ذهني ولـه ما يفسره في طرائق التفكير والانفعال عند كل مجتمع من المجتمعات.‏
فالتراث مفهوم حديث، بالمعنى الذي أعطي لـه في الأدبيات والكتابات التي تلت عصر النهضة. إنه يمثل كتلة كبيرة من الأعمال العائدة للأزمنة العربية الماضية والتي كان للإسلام فيها إسهاماً معنوياً كبيراً.‏
من هنا يبدأ، عندنا، ربط المخزون الفكري العائد للأزمنة الماضية بمرجعية هي المرجعية الدينية. فلا يعود التراث، ضمن هذا الفهم، مجرد خزان ضخم لأعمال كتّاب من الماضي، يتم التعامل معه بالعقل، بل يتحول إلى مخزون معنوي هائل يستثمر في تجييش المشاعر، وأحياناً العصبيات.‏
لذلك يبدو تعاملنا مع التراث، منذ اللحظة الأولى، تعاملاً منحازاً، إذ نضعه بشكل إرادي في موقع سيتحكم به لاحقاً، فيغدو التراث بعدها رديفاً ولو غير معلن للإيمان، ينصاع لقانونه وينضوي تحت لوائه.‏
فلو نظرنا في اتجاهين، غرباً وشرقاً، سوف نلاحظ أن ما نحن عليه لا ينتمي إلى تجربة عالمية وطبيعية وفطرية، بل يعود إلى خيار فكري غير مدرك مستمد من موقف مسبق وضعنا أنفسنا فيه. فالتراث، كما سنرى بعد قليل، موقف ذهني متكامل من الآخر ومن العالم، يختلف من بنية اجتماعية إلى أخرى، ويتمتع بوظيفة محددة تنبع من رؤية أشمل تخدم هذا الموقف. علماً أن الموقف والوظيفة يتناسقان في ما بينهما على المستوى الداخلي من ناحية، ويتميزان، بحدة أو برفق، أو حتى بعصبية، عن العالم الخارجي من ناحية أخرى.‏

1 ـ الغرب والتراث‏
أ) عندما نبحث عن مصطلح التراث في القواميس الثنائية أو الثلاثية اللغة المتوفرة في السوق يشار لنا أن هذا المفهوم ترجم بـ patrimoine في الفرنسية، وبـ patrimony في الإنجليزية.‏
كما أننا نكتشف عند عودتنا إلى قواميس التأصيل اللغوي الأوروبية أن أصل المفهوم الغربي المشار إليه مشتق من اللغة اللاتينية حيث يعني patrimoinum الإرث الأبوي .

اِقرأ المزيد...

تجديد رؤيتنا للاسلام - برهان غليون

أنفاسفي هذا المجال هناك مجموعة من الملاحظات لابد من الأخذ بها لتمهيد التربة في اتجاه تحقيق شروط هذا الجدل البنّاء وتحوله إلى تعايش مخصب ومثمر يستفيد منه الإسلام وتستفيد منه الحداثة.
أـ ينبغي الإدراك أن عدم التوافق وأن الصدام لا ينبعان من وجود منظومتين أو منطقين مختلفين، فعلى الصعيد العقدي والرمزي ليس هنا إلا منطق واحد لدى المجتمعات وفي كل زمان ومكان، هو منطق التداعي والربط التعسفي والاعتباطي واعادة توظيف العلامات والرموز والمفاهيم والصور واعطائها المعاني الجديدة. ويكفي من أجل ذلك القيام بإعادة تفسير المنظومتين كما فعل العرب والمسلمون أنفسهم حتى الآن وكما سوف يفعلون في المستقبل. إذ ليس هناك أي حل تاريخي آخر، وليس هناك أي امكانية كي تغير أمة أو جماعة كلياً منظومة قيمها وتتبنى منظومة أخرى. وحتى الاسلام لم يفعل ذلك، وانما عمل إلى حد كبير من خلال اعادة توظيف المعطيات الثقافية العربية وتوجيهها في اتجاهات جديدة ارتبطت هي نفسها بتغيير المجال الجغرافي والسياسي تغييراً كاملاً حتى أمكن لها النجاح والانتصار. والأزمة التي يعرفها العرب مع الإسلام اليوم ليست جديدة وإنما هي حلقة من الحلقات الطويلة على طريق اعادة التفكير وتجديد المفاهيم والقيم والمعاني، أي وضع الاسلام والمنظومة القيمية الاسلامية في العصر والتطبيق العصري. وإذا كان الصراع قد تفجر في هذه الحقبة التي نعيش فلأن تأخراً قد حصل في العمل الفكري الضروري من أجل تجديد الأفكار وتنظيم القيم الوافدة والسيطرة عليها، أي اخضاعها لمنطق الثقافة المحلية وآلياتها ووضعها في سياق رؤيتها العامة وغاياتها. والسبب الرئيسي في هذا التأخر هو إلغاء حرية التعبير والتفكير والنشاط السياسي.
ب_ إن الموقف الجماعي والاجتماعي، وبالعمق السياسي أيضاً، من الدين، لا يمكن أن يتحدد بالنظر إلى حادث عارض أو موقف جزئي أو حركة سياسية أو موقف فلسفي أو فرضية نظرية. ولابد من أن ندرك أننا لا نستطيع الخروج من المأزق إذا ما بقيت اشكاليتنا الرئيسية فيما يتعلق بالدين مرتبطة وقائمة على أفكار مبتسرة سريعة حول الدين أو الدولة أو التعصب أو عدم التعصب، وإذا ما استمرت مرتبطة بدوافع وقتية سياسية أو غير سياسية، تكتيكية، أو إذا ما بقيت قائمة على المخاوف وعلى الرياء والغش والخوف من الدولة أو من رجال الدين أو من الجمهور. فلا بد لنا، ونحن نواجه هذه المسألة الكبرى؛ من أن نتجاوز أفكارنا المجتزأة وحساسياتنا الشخصية ورؤيتنا المصلحية الضيقة التي كثيراً ما تخفي عنا حقيقة الوضع.

اِقرأ المزيد...

الظاهرة الدينية في المجتمع العربي الاسلامي - حيدر ابراهيم علي

أنفاسفي الفكر العربي وظاهرة الدين:
لقد أثر الدين في المعرفة والبحث في المجتمع العربي من حيث اختيار النظريات والمناهج والميادين. ووضع الحدود التي لا تتعارض مع تعاليم الدين وروحه. وفكرة العلم النافع وغير النافع التي ترد في التراث كثيراً تعبّر عن تدخّل الدين أو توجيهه المعرفة المطلوبة حتى تأتي ملبية الحاجات المجتمعية والفكرية، ولكي تحافظ على الوحدة والتماسك في كثير من الأحوال. وقد كانت كلمة العلم والعلماء، وما زالت _في بعض الحالات _ ترتبط بالمعارف الدينية وأهلها. أما الظاهرة الدينية، الموضوع، فقد ظلت خارج ميدان الدراسة العلمية لأنها تتضمن فوق البشري والمتعالي. وتنتهي حدود أي دراسة عن الدين عند الشرح أو التأويل الذي يُمكّن الدين من مسايرة مستجدات التاريخ والتطور.
أخذت دراسة الظاهرة الدينية حيزاً كبيراً في الفكر العربي _ الاسلامي المعاصر، ولكن علم الاجتماع في الوطن العربي بتعريفه ومحاولاته المعروفة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية لم يساهم بقدر وافٍ في دراسة الظاهرة الدينية بوسائله وتحليلاته الخاصة رغم أهمية الظاهرة.
كذلك نعني بالتفسير الاجتماعي _ التاريخي للظاهرة الدينية الاجابة عن نشأة الدين ووظائفه وتوظيفه، بتتبع التطور الزمني والسياق الاجتماعي والثقافي للظاهرة. ونستطيع القول، بحسب الفهم المعروف لعلم الاجتماع والمقصود من الدراسة الاجتماعية للدين، إن الميدان في كليته ما زال بعيداً عن البحث والتناول رغم وجود دراسات عديدة بالذات الفلسفية والفكرية والسياسية في الفترة الأخيرة جاءت تبحث في عجلة عن الواقع الذي تنامت ضمنه الاتجاهات والتيارات الدينية.
هذا قصور في علم الاجتماع العربي، وشكل من ملامح أزمته الراهنة، إذ يفتقد التحليل السوسيولوجي ظاهرة البعد التاريخي والوعاء الاجتماعي الذي تتفاعل وتنمو الظاهرة داخله، وتعالج غالباً كموضوع لا تاريخي، مجرد خارج المجتمع. ودراسة الظاهرة الدينية اجتماعياً مثال ساطع على هذا التناول الناقص الذي لا يتعرض للتأثير المتبادل بين الدين وبقية الظواهر الاجتماعية والمجتمع الكلي.
يمكن أن نعيد أسباب انتشار هذا التناول التناقصي الى ظهور منهج أو دعوة الى منهج يتضمن العقيدة او الايديولوجيا الدينية كجزء أساسي.

اِقرأ المزيد...

الـدِيـن والـتـأويـل - أوكـتافـيو بـاث

أنفاس شمل النقد الديني في القرن الثامن عشر السماء والأرض وكان نقداً للإله المسيحي، وقديسيه وشياطينه، ونقداً لكنائسه وقساوسته. كان هناك، من ناحية، نقد الدين كحقيقة موحاة ونص ثابت، ونقده كمؤسسة صنعها الإنسان، من ناحية أخرى. قوضت الفلسفة الصرح المفاهيمي للاهوت، وهاجمت مزاعم الكنيسة بالهيمنة والكونية. دمرت صورة الإله المسيحي، لا فكرة الله. وكانت الفلسفة معادية للمسيحية وربوبية، توقف الله عن كونه شخصاً وتحول إلى مفهوم. أصبح الفلاسفة حماسيين حين واجههم مشهد الكون: اعتقدوا أنهم اكتشفوا في حركاته نظاماً سرياً، إلهاماً مخبوءاً لا يمكن إلا أن يكون مقدساً وإلهياً. الكمال المزدوج: تحرك الكون خطة عقلانية وهي أيضاً خطة أخلاقية. حل الدين الطبيعي مكان الدين الموحى، وحلت الفلسفات مكان مجلس الكاردينالات. كانت فكرة النظام وفكرة العلة تجليين مرئيين، وبرهانين عقلانيين وحسيين على وجود خطة إلهية. لقد ألهمت حركة الكون غاية وهدف: الله غير مرئي، لا أعماله ولا النوايا التي تنفخ فيها الحياة. ولقد اشترك الماديون والملحدون، مع بعض الإستثناءات، في هذا المعتقد: الكون نظام ذكي منح هدفاً واضحاً، على الرغم من أننا لا نعرف ما الذي سيتمخض عنه في النهاية... كان ديفد هيوم هو أول من انتقد نقاد الدين، وبقي نقده متفوقاً وقابلاً للتطبيق على كثير من المعتقدات المعاصرة. أظهر في حوارات بخصوص الدين الطبيعي أن الفلاسفة وضعوا على مذابح الدين المسيحي الفارغة آلهة أخرى ليست أقل شبحية، ومفاهيم مؤلهة كالانسجام الكوني والهدف الذي ينفخ الروح في هذا الانسجام. إن فكرة الخطة أو الهدف هي جذر الفكرة الدينية، أينما ظهرت، دون إقصاء الفلسفات الإلحادية والمادية، يظهر الدين أيضاً، وعاجلاً أم آجلاً، كنيسة، وأسطورة، ومحكمة تفتيش. ويمكن أن يتنوع محتوى كل دين ـ إن عدد الآلهة والأفكار التي عبدها البشر لا نهائي تقريباً ـ ولكن وراء جميع هذه المعتقدات نجد النموذج نفسه: يعزى هدف إلى الكون، وحالاً بعد ذلك يماثل هذا الهدف مع الخير، والحرية، والقداسة، والأبدية أو فكرة ما مشابهة.
  وليس صعباً أن نستنتج من نقد هيوم النتيجة التالية: أن أصل فكرة التاريخ كتقدم هو ديني والفكرة نفسها شبيهة جداً بالدين. إنها نتيجة استنتاج ناقص: الاعتقاد بأن الطبيعة لها خطة، ومماثلة هذه الخطة مع حركة التاريخ والمجتمع إلى الأمام. ويظهر خط التفكير نفسه في جميع الأديان والأديان الزائفة في مرحلتها الأولى، كما لوحظ الانتظام الحقيقي أو الظاهر. وأدخلت فكرة الغائية في نظام الطبيعة، بعد ذلك على الفور، عزيت التغييرات والاضطرابات الاجتماعية إلى فعل المبدأ نفسه الذي يدفع الطبيعة إلى العمل.

اِقرأ المزيد...

تحقيب التاريخ الاسلامي – د.عبد الله العروي

أنفاسلم يميز المؤلفون المسلمون بين التحقيب والتأريخ كما يدل على ذلك التعريف الذي يقول: التاريخ تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع وقيل إنه مدّة معلومة بين حدوث أمر ظاهر وبين أوقات حوادث أخر. التعريف الثاني، النسبي، هو الذي يفيد فكرة التحقيب.
يلجأ المؤرخون الذين كتبوا بالعربية، أكانوا مسلمين أو لا، إلى تقسيم تقليدي نلخصه في النقاط التالية:
1- يسوقون في قسم تمهيدي الملاحم والأساطير على صورتها الشائعة بين أصحابها، في غياب قياس برهاني يمكن من تمحيصها. يحشرون المرويات المتعلقة ببداية الكون والأرض والإنسان وكذلك أخبار الأمم البائدة أو النائية مثل الصين والهند والزنوج وسكان المناطق الشمالية. فهذا القسم هو بمثابة وصف _كوني (كوسموغرافيا)، وصف _جنسي (اثنوغرافيا ووصف _ أرضي (جيوغرافيا).
2- ثم ينتقلون، في قسم لاحق، إلى أخبار الأنبياء والرسل معتمدين على ما جاء في التوراة، وبالمناسبة يذكرون أخبار الأمم التي كانت لها علاقة ببني إسرائيل كالكلدانيين والسريانيين وغيرهم.
3 -  ثم يروون، في قسم ثالث، أخبار الملوك، أي وقائع الامبراطوريات القديمة، الفارسية واليونانية والرومانية، ويذكرون بالمناسبة أيام العرب الأولين.
4 - ثم يقصّون، في قسم رابع، تاريخ العرب بعد ظهور الإسلام ويلحقون بهذا التاريخ ما يعرفون عن الروم والإفرنج وملوك الهند وغيرهم.
5 - ثم يسوقون، في قسم خاص، أخبار العجم من أتراك وبربر، إلخ. وبما أن هذا التاريخ لا يزال في تطور، فإن الرواية تنحلّ تدريجياً في حوليات قابلة للوصل والتكملة.
وهكذا نلاحظ نفس الاتجاه العام في التأليفين، العربي والغربي، من أخبار الأمم والدول (الحقبيات والتجارب) إلى أحداث السنوات وربما الشهور (الحوليات واليوميات). لا يوجد إذاً فرق جوهري بين الاسطوغرافيتين، اللهم ان الإسلامية أوسع مادة وأكثر دقة فيما يتعلق بأخبار الشرق والمناطق المجاورة له وأكثر خلطاً وإيجازاً عندما تتعرض لأخبار اليونان والرومان.
يوجد إذاً توافق ضمني بين التحقيبين التقليديين، الإسلامي والغربي، ويدخل في هذا الإطار اقتراح المؤرخ الامريكي مارشال هودجسُن الذي يميز داخل التاريخ الإسلامي الفترات التالية:

اِقرأ المزيد...

مقاربة الوعي (الإسلامي) المعاصر - محمد اركون

أنفاسإننا نضع كلمة اسلامي بين قوسين لكي نلفت الانتباه إلى مسألة خاصة تتعلق بشرعية إطلاق مثل هذا التعبير بالنسبة للمسلم الذي يقبل ـ حتى ولو قليلاً ـ أن يخضع لمعطيات التاريخ وعلم الاجتماع والتيولوجيا والتحليلات الخاصة بها. إذا كان الوعي يستأهل صفة (اسلامي) من وجهة نظر ذاتية ـ أي من وجهة نظر المسلم نفسه ـ فإنه من غير الممكن وصفه بذلك من وجهة نظر موضوعية إلا ضمن الحدود التي يكشفها التحليل النقدي.
كيف يمكن مقاربة بهذا الوعي؟ أين يمكن لنا استكشاف أمثلته الحقيقية ذات الأهمية؟ هل يجب أن نعطي امتيازاً خاصاً لأولئك الذين يحرسون المؤسسات والأملاك الدينية ويضمنون استمراريتها؟ ما المكانة التي ينبغي تخصيصها للخطابات الرسمية التي تمجد خصائص الاسلام بحماس لا حد له، ولتلك المؤلفات المدرسية والمحاضرات الثانوية والجامعية، والمؤتمرات ومقالات الصحف: وحتى المجلات الاختصاصية؟
الخطاب الاسلامي اليوم ذائع ومنتشر أكثر من أي وقت مضى. ووفرته وتكاثره وانتشاره الواسع كانت قد أدت في وقت قصير إلى غلبة الشخصية الجماعية على الشخصية الفردية. من الممكن إذن أن نختار من هذه الخطابات الكثيرة التي لا تنفك تتزايد وتطغى عينة تحتوي على الموضوعات والمعايير والفرضيات الأساسية التي تشكل الشخصية الجماعية بأسرها. سوف نقترح للدراسة والتحليل هنا خاتمة أحد كتب مؤلف مصري معروف هو أنور الجندي.
1 ـ الاسلام هو الذي حرر العقل والنفس الانسانية من الوثنيات من عبادة غير الله، وحرر الفكر والإرادة والعمل. ورفض استعلاء الوجدانيين والعقلانيين، وقرر أن أبرز مفاهيمه هي المطابقة بين العقيدة والعمل والكلمة والسلوك.
2 ـ اعترف الاسلام بميول وعواطف الانسان، فقرر أن في الانسان ميولاً وعواطف مختلفة، وكلها فيه غريزية طبيعية أودعها فطرته لتكمل في شخصه ونوعه. ولقد كانت الدعوة إلى الحرمات ووقف تيار هذه الميول بالرياضيات قبل الاسلام سبباً في تعطيل قوى النفس الانسانية. وقد أنكر الاسلام طريقين لتحرير الانسان هما التقشف والإباحة. ووضع الاسلام طراق لتطهير النفس كالعبادات والصوم. وتهذيب النفس أصل من أصول الحضارة الاسلامية. ذلك أن على الانسان أن يتحرر من ميول النفس ورغائبها وأهوائها وخضوعها لخير الله.

اِقرأ المزيد...

بواكير الفكر التاريخي الإسلامي - د. محمود اسماعيل

انفاسليس أدل على نقلة الفكر التاريخي _بفضل الإسلام _ مما حدث بالفعل في عصر الراشدين من الاهتمام بالتاريخ كموضوع وتطور تقنية تناوله. فمن حيث الموضوع ظهرت مباحث ثلاثة؛ الأول منها يتعلق بدراسة سيرة الرسول ومغازيه، والآخران يختصان بدراسة القصص العربي القديم والتراث القبلي. ويخطىء بعض الدارسين حين يتصور أن الفكر التاريخي آنئذ كان فكرا دينيا قحا غايته خدمة الحديث والفقه، بل لا يخفف من الخطأ تصنيف البعض الآخر هذا الفكر صنفين: الأول ديني، كما هو الحال بالنسبة للسيرة والمغازي، والثاني دنيوي متمثل في القصص العربي القديم والتراث القبلي.
والصواب _فيما نرى _ أن كل موضوعات التاريخ _وبالتالي فكرة التاريخ_ كانت ذات طابع دنيوي؛ فسيرة الرسول ومغازيه ليست إلا أحداثا ووقائع حدثت على مسرح التاريخ، هذا فضلا عن أن الاهتمام بدراستها ودراسة القصص العربي القديم والتراث القبلي جرى لخدمة أغراض عملية دنيوية. وإذ اختلطت موضوعات التاريخ بغيرها من الموضوعات الأخرى كالحديث والفقه، فالثابت أن جهود المحدثين والفقهاء كذلك كانت تحركها حوافز حياتية؛ سياسية واقتصادية واجتماعية.
وتكمن تلك الحوافز _التي كانت من وراء النشاط الفكري عموما _ في محاولة الخلافة _وخاصة في عهد عمر _ مواجهة المشكلات العديدة التي نجمت عن اتساع الدولة الإسلامية بعد الفتوح، وإقرار نظم وتشريعات تكفل إدارتها. كانت كافة المشكلات وطرائق إيجاد حلول لها ذات طابع دنيوي، ولعل من أهمها المسائل الإدارية، والمالية، وأوضاع أهل الذمة، وتحديد العلاقات بين دار الحرب ودار الإسلام... الخ. ولا غرو فقد جاء التشريع متسقاً مع طبيعة تلك المشكلات. حيث أقر الخليفة عمر كافة التنظيمات الموجودة وأبقاها على حالها، مجتهداً في تأويل الشرع بما يجاري ويساير الواقع.
كما استجدت مشكلات متعلقة بالعرب أنفسهم؛ كانت جذورها تضرب في عصر ما قبل الإسلام، وإن اكتسبت في ظل الحكومة الثيوقراطية صبغة جديدة، أعني الصراعات والسخائم القبلية التي أعيدت صياغتها في شكل تيارات حزبية سياسية واجتماعية، احتوت العصبية القبلية في باطنها.
قصارى القول _إن تلك المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها أصبحت موضوعا للتاريخ الإسلامي، فاتسعت دائرة مباحثه باتساع الإمبراطورية التي احتوت شعوبا أخرى غير العرب، وبديهي أن يحتوي موضوع التاريخ فضلا عن تراث العرب؛ تراث الشعوب الأخرى التي دخلت في نطاق الإسلام.

اِقرأ المزيد...

معاني الصورة في التراث الإسلامي:تداخل العلامات - بنيونس عميروش

انفاسسأتحدث في هذا المقام عن أبعاد كلمة الصورة في التراث العربي الإسلامي، مستندا إلى افتراض أصوغه بالشكل التالي: إن العرب المسلمين قد مارسوا "التصوير" وأكثروا منه، وإن دلت التجارب الواقعية أنهم أغفلوه، بمعنى أنهم لم ينسوا أبدا الصورة عكس ما يعتمده الناس، وسأحاول تسويغ ذلك بناء على مستويات غير التصوير المجسم، لأخلص أن الصورة ينبغي أن تطلب لدى العرب في التصوير إذا كان ثمة تصوير، في غير ذلك من كلامهم، وممارساتهم الفكرية، كالفلسفة، والتصوف، وصناعة المعاجم، والشعر والبلاغة والنحو وهلم جرّا…
العلامات في التراث العربي:
لكل ثقافة علاماتها، فما قد يكون مؤشرا Index(1) في الثقافة الفارسية Intention، قد يكون مؤشرا بقصد Index intentionnel في الثقافة العربية، الدخان la fumée مثلا، ليس عند العرب القدامى مجرد مؤشر على وجود النار le feu، وليس وجود النار مؤشرا على وجود الحرارة فحسب، بل إنه بسبب من المواضعة Convention، مرتبط في الثقافة العربية بالكرم والقرى، والكريم تدل عليه ناره، والرجل البخيل لا نار له. ويدلنا على ذلك قول الشاعر يهجو قوما بخلاء بكونهم إذا رأوا ناسا أغرابا قالوا لأمهم بولي على النار.
وبناء على ذلك، فإن العلامة "لا تكتسب دلالاتها إلا من خلال وضعها في الثقافة"(2)، وإذا كانت الثقافة عبارة عن علامات بأنواعها الثلاثة: مؤشر Index، رمز Symbole(3)، وأيقونة Icône(4)، فإننا لا يمكن أن نفهم في ثقافة، "أيقونة" كالصورة مثلا ما لم نربطها بالمجالات العلامية الأخرى، ولهذا فلا يمكن الحديث عن علامة مفردة: "الصورة" مثلا، بل المفروض إدخالها في "أنظمة دالة، أي مجموعات من العلامات"(5)، ويجب ربط المجال العلامي الخاص بغيره من أجل اكتشاف التداخل، والالتقاء والاندماج، ونحن نرى أن علامة ما إذا لم تكن ظاهرة للعيان، فقد تحولت ضرورة في الثقافة التي تنتمي إليها، إلى علامة من نوع آخر… ومن ثم استقر رأينا على وجوب البحث عن علامة "الصورة" في العلامات اللغوية، أي في المكتوب الثقافي لا المصور المجسم. وبهذا الشكل نستطيع أن نبحث في مجالات التشكيل عموما عن الأسئلة المعرفية التي تؤسسها في لا وعينا تراثيا، كما نرى وجوب أن تحتضن آفاق الأبحاث مثل هذا التوجه الحفري archéologique .

اِقرأ المزيد...

البربر/ الأمازيغ؛ ازدواجية التسمية ووحدة الأصل -الجزء الثاني - التجاني بولعوالي

انفاسحقيقة مصطلح الأمازيغ
في المقابل، إذا كانت دلالة مصطلح أمازيغ اللغوية تعني الرجل/الإنسان الحر، فإن الدلالة التاريخية والسياقية تحيل على أن أمازيغ هو الأب الروحي للبربر أو الأمازيغيين، وذلك اعتمادا على ما ذهب إليه ابن خلدون في تحديده لنسب الأمازيغ. فهو يقول في المقدمة:" والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح عليه السلام... وأن اسم أبيهم أمازيغ". فابن خلدون يحاول هنا الفصل في أمرين مهمين: أولهما يتعلق بأصل الأمازيغ وثانيهما يرتبط باسم أبيهم.
بخصوص الأمر الأول الذي يقترن بأصل الأمازيغ، نشب جدال ساخن انقسم فيه المتجادلون إلى تيارات ثلاث
1- دعاة التيار الأول تأثروا بالفكر الاستعماري الغربي، حيث يرون أن أصل سكان المغرب الأقدمون إنما يتأصل في أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية كثيرة تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي يمت بشكل أو بآخر بصلة إلى الجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا (حاليا)، والذي سبق له وأن استعمر شمال أفريقيا. هذا التفسير ينطوي على مؤشرات بمقدورها أن تغالط وتخادع البعض، خصوصا وأنها تركز أولا على الناحية اللغوية، فتدعي أن ثمة تماثلا لغويا بين الأمازيغية ولغة الوندال التي هي الجرمانية، لكن هذا لا يعدو الجانب المعجمي حيث هناك بعض الكلمات الأمازيغية المعدودة، التي لها مقابلات لفظية وليس دلالية في الجرمانية، وهذا أمر جد طبيعي، حيث تمكن علم اللسانيات الحديث من اكتشاف الكثير من مثل هذه الظواهر اللغوية الناشئة، إما عن طريق الاقتراض اللغوي أو بالصدفة. وتستند ثانيا إلى ذلك التشابه الكائن بين ملامح البربر والأوروبيين كلون العينين الأزرق، ولون الشعر الأشقر وغير ذلك، غير أن هذا الدليل يظل نسبيا مادام الأوروبيون قد استعمروا بلاد الشمال الأفريقي غير ما مرة، لذلك ليس ببعيد أن يكون قد تم التزاوج والتمازج بين هذين الجنسين، مما نتج عنه ظهور أجيال أمازيغية تحمل ملامح أوروبية.
2- أما أصحاب التيار الثاني فهم حديثو العهد، حيث تنبني وجهة نظرهم على بعض الكشوفات الأركيولوجية والأنثروبولوجية؛ إذ تم العثور على أول إنسان في التاريخ في بعض مناطق أفريقيا(بوتسوانا بجنوب أفريقيا، غرب أفريقيا وكينيا)، بل فقد أوضحت بعض الدلائل والاكتشافات العلمية الجديدة، أن أصل الإنسان الحديث ربما لا يعود فقط إلى أفريقيا، وإنما يرجع إليها ظهور أقدم دلائل السلوك الحضاري للإنسان. لذلك يعتقدون أن الإنسان الأمازيغي لم يهاجر إلى شمال أفريقيا من منطقة ما، وإنما كان فيها منذ بداية تاريخ الإنسانية.

اِقرأ المزيد...

البربر/ الأمازيغ؛ ازدواجية التسمية ووحدة الأصل -الجزء الأول - التجاني بولعوالي

انفاسحقيقة مصطلح البربر
شاع حول لفظة البربر تصور مبني على أحكام القيمة والإقصاء والانغلاق، يختزل دلالاتها في كل ما هو متوحش أو همجي أو بدائي أو نحو ذلك. ولا يعدو هذا التصور المعنى اللغوي والمعجمي المبثوث في بعض القواميس سواء العربية أم الأجنبية التي تتضمن أكثر من تلبيس أو مغالطة، حيث لا يرجع أصحابها إلى تاريخ هذا المصطلح ليثبتوا جذوره الحقيقية وإرهاصاته الأولى، ويطلعوا على الكيفية التي نشأ بها، بل ويتعقبوا تطوراته اللغوية وتبدله المعنوي، فيدركوا أن أصل هذه الكلمة إغريقي صرف، حيث سمى اليونانيون القدامى كل من لا يتكلم بالإغريقية (بارباروس)، ثم استعار الرومان نفس المصطلح فأطلقوه على الأجانب، وبالتحديد الخارجين عن طاعة الإمبراطورية الرومانية والنابذين لأفكارها الاستبدادية والرافضين لنفوذها العسكري. وبما أن الأمازيغ كما يشهد تاريخهم القديم تمردوا على الحكم الروماني العاتي، ورفضوا تمام الرفض وبكل الوسائل المادية والمعنوية سيادته، فقد نعتوا من قبله ب(Barbari)! أشار المؤرخ شارل أندري جوليان في كتابه تاريخ أفريقيا الشمالية "إلى أن البربر لم يطلقوا على أنفسهم هذا الاسم، بل أخذوه من دون أن يروموا استعماله عن الرومان الذين كانوا يعتبرونهم أجانب عن حضارتهم، وينعتونهم بالهمج، ومنه استعمل العرب كلمة بر ابر وبرابرة."
هكذا يمكن اعتبار هذا الدليل الذي يفسر به هذا المؤرخ الكيفية التي تم بها إلصاق هذا المصطلح بسكان الشمال الأفريقي الذين كانوا يسمون الأمازيغ، خير شاهد على براءتهم من الشحنة المعنوية الرديئة والغثة، التي تنتقص من شأن شخصيتهم وقدر ثقافتهم، وقيمة الحضارة التي شيدوها في بلاد شمال أفريقيا المتاخمة لحوض البحر الأبيض المتوسط وجزء من المحيط الأطلنطي. اعتبارا بأن هذا الكلام إنما هو صادر ليس عن أديب يخمن أكثر مما يعلل، أو عن سياسي ينساق إزاء سراب الأيديولوجيا فيجادل أكثر مما يوضح، وإنما عن دارس للتاريخ يستند إلى الشواهد التاريخية والأثرية، فيعمل فيها أدوات البحث من مقارنة وتمحيص وضبط زمني وجغرافي وغير ذلك. ثم إن هذا المؤرخ يذهب إلى حد بعيد في إنصافه لهؤلاء الناس، الذين ظلمتهم الدولة الرومانية ومن والاها من مؤرخي البلاط وكتبة التاريخ الرسمي، فرغم أن شارل أندري جوليان ينحدر من الربوع التي نشأت فيها تلك الإمبراطورية وسادت، فإنه توخى الموضوعية والعلمية في كتاباته التاريخية، فكانت ثمرة ذلك هو كشف النقاب عن حقيقة البربر الذين لم يكونوا بربرا إلا من حيث التسمية.

اِقرأ المزيد...