الجمعة 24 آذار

أنت هنا: الصفحة الرئيسية تاريخ وتراث تراث ودراسات تراثية ابن عبد ربه الأندلسي ( 328 هـ ) وكتابه العقد الفريد ـ محمد أبحير

تراث ودراسات تراثية

ابن عبد ربه الأندلسي ( 328 هـ ) وكتابه العقد الفريد ـ محمد أبحير

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse08059
تعود الباحثون و الدارسون للتراث العربي على النظر إلى الأدب من زاوية سياسية ، فحقبوه مجموعة من الحقب و الأزمنة الأدبية ، وكان مرتكزهم في هذا التقسيم التحولات السياسية التي اعترت بنية المجتمع العربي القديم .فقد عاش ابن عبد ربه في فترة تميزت بانقسام الغرب الإسلامي وقتئذ إلى ثلاث مجموعات هي : الأندلس و إفريقية و المغرب . ففي الأندلس أسس الأمويون الفارون من دمشق إمارة قرطبة منذ سنة 138 هـ ، أما إفريقية فقد كان يحكمها الأغالبة ، ثم الفاطميون ، بينما كان المغرب بيد الأدارسة .

التعريف بابن عبد ربه :
هو أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حبيب بن حدير بن سالم، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ، أبو عمر. من أهل العلم والأدب و الشعر ، وكان لأبي عمر بالعلم جلالة ، وبالأدب رياسة وشهرة ، مع ديانته وصيانته ، واتفقت له أيام وولايات للعلم فيها نفاق ، فساد بعد خمول ، وأثرى بعد فقر ، و أشير بالتفضيل إليه ، إلا أنه غلب الشعر عليه[1] .
وقد زاوج ابن عبد ربه أثناء التحصيل العلمي بين الثقافتين الدينية و الأدبية ، فانعكس ذلك على تأليفه لكتاب العقد ، حيث نجد الثقافة الدينية حاضرة فيه بقوة ، إلى جانبها ، نجد حضور الثقافة الأدبية كذلك ، بمعية أخبار الغناء و الموسيقى. لكن على الرغم من ذلك، فإن ذلك فإن المصنف تعمق في التحصيل و الدرس ، حتى عد من فقهاء الأندلس .

ويذهب الدارسون إلى أن من أسباب اعتناء ابن عبد ربه بأدب المشارقة ، ما تلقاه عن شيوخه في الأندلس مثل بقي بن مخلد و محمد بن عبد السلام الخشني و محمد بن وضاح ، وجميعهم من رجال المعرفة العميقة و الرحلة الواسعة في أقطار المشرق و الشهرة الذائعة في الأندلس وأقطار المغرب[2]  .
توفي ابن عبد ربه سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة ، ومولده سنة ست وأربعين ومائتين.

عتبة العنوان :
إن العنوان وما يدور في فلكه من إشارات تفتح للقارئ أفق انتظار إما للمساءلة أو لإعادة فهم منطق مؤلف ما أو غير ذلك ، إذ يمثل العنوان إحدى أهم عتبات النص لذلك فهو يرتبط بالعمل كيفما كان ارتباطا واضحا . يقول ابن عبد ربه متحدثا عن تسمية الكتاب : " وسميته كتاب العقد الفريد لما فيه من مختلف جواهر الكلام ، مع دقة السلك وحسن النظام " [3].
لهذا ، فإن ابن عبد ربه كان دقيقا عند اختياره كلمة " العقد " ، من خلال تسمية الأبواب من حقل دلالي واحد هو الجواهر دون غيرها . وعن وصفه بالفريد يرى البعض أن " كتاب العقد اكتسب عند المؤلفين المتأخرين صفة ( الفريد ) ، فصار لا يعرف الآن إلا بهذه الصفة ، وقد راعى الطابعون ذلك فسموه ( العقد الفريد ) " [4] .

أبواب الكتاب :
حصر المصنف أبواب الكتاب في خمس وعشرين وحدة من الجواهر جعل واسطتها أنفسها ، وأثمنها في نظره ، وجعل عن يمينها اثنتا عشرة جوهرة ، وعن يسارها مثل ذلك . يقول مفسرا هذا الأمر : " وجزأته على خمسة وعشرين كتابا ، كل كتاب منها جزأن ، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا [و] انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد " [5].ثم يسرد بعدئذ عناصر العقد ، فأوله كتاب اللؤلؤة في السلطان ، وخاتمته كتاب اللؤلؤة الثانية في النتف و الهدايا و الفكاهات و الملح ، أما واسطة العقد فهي كتاب الخطب .
وهكذا فإن الباعث على تسمية المؤلف بهذا الاسم أن " أبواب الكتاب تؤلف بمجموعها عقدا متناظرا ، تتوسطه الواسطة ، وتتقابل فيه الجواهر الكريمة من الطرفين "[6] .
كما يخص كل فصل / جوهرة بمقدمة موجزة بليغة ، فمن ذلك تمهيده لكتاب الزمردة في المواعظ و الزهد بقوله : " ونحن نبدأ بعون الله و توقيفه ، بالقول في الزهد ورجاله المشهورين به ، ونذكر المنتخل من كلامهم ، والمواعظ التي وعظت بها الأنبياء ... " [7].

منهجه في التأليف :
يتحدث ابن عبد ربه عن منهجه في التأليف قائلا : " وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان ، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب ، وإنما لي فيه تأليف الاختيار ، وحسن الاختصار و فرش في صدر كل كتاب ، وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء ، ومأثور عن الحكماء و الأدباء . واختيار الكلام أصعب من تأليفه " [8] .
أما عن مقاييس اختيار المادة فيقول : " وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرا وأظهرها رونقا ، وألطفها معنى ، وجزلها لفظا ، وأحسنها ديباجة ، وأكثرها طلاوة وحلاوة ، آخذا بقول الله تبارك و تعالى ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) " [9].
ويمكن تلخيص هذه المقاييس في مقياسين هما :
- مقياس أدبي : الشرف ، الرونق ...
- مقياس خلقي / ديني : مضمون الآية الكريمة .
أما عن طريقته في نقل الأخبار فيحددها في قوله : " وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبا للاستخفاف و الإيجاز ، وهربا من التثقيل و التطويل ، لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر ، لا ينفها الإسناد باتصاله ، ولا يضرها ما حذف منها "[10] . إذ يكون فعل القول – غالبا – هو المميز الذي يميز كلام ابن عبد ربه عن غيره .
فمن نماذج ذلك قوله : " ومن قولنا في خدمة السلطان و صحبته :
تجنب لباس الخز إن كنت عاقلا     ولا تختتم يوما بفص زبرجد "[11] .
ومن نماذج أقوال الغير ، قوله : " قال عبد الله بن عباس : لا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع إصرار "[12] ، وفي استشهاد آخر يقول : " قال أرسطا طاليس : عقول الرجال تحت سن أقلامهم "[13] .
ويجيب ابن عبد ربه ردا على سؤال : لماذا ألف كتاب " العقد " ؟ بقوله : " وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متصرفة في فنون الأخبار ، ولا جامعة لجمل الآثار ، فجعلت هذا الكتاب كافيا جامعا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامة والخاصة ... وحليت كل كتاب  منها بشواهد من الشعر ، تجانس الأخبار في معانيها و توافقها في مذاهبها "[14] .

وقد استثمر المصنف مناسبة ذكر دواعي التأليف ، لانتزاع التفوق من نفوس قارئي الكتاب ، فقد وصل ما انقطع من كلامه السابق بقوله : " وقرنت بها غرائب من شعري ، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته ، وبلدنا على انقطاعه حظا من المنظوم و المنثور "[15] .    

وحاصل الكلام إن المنهج الذي اصطنعه ابن عبد ربه في مقدمة كتابه ، يعد بمثابة ميثاق شرف بينه وبين القارئ ، إلا أننا نلاحظ غياب التصريح بالذين أثروا في المصنف عند اصطناعه هذا المنهج . فأمجد الطرابلسي يرى أن طريقة ابن عبد ربه ، كما يحدثنا عنها في مقدمة كتابه ، هي طريقة ابن قتيبة ذاتها ، من حيث جمع الأخبار ثم تصنيفها في أبواب بحسب معانيها العامة[16] .

مصادره :

يشير ابن بسام الشنتريني في ذخيرته إلى رواج بضاعة الشرق في الأندلس ، لذا لا نستغرب الاعتماد عليها أثناء وضع التصانيف، فابن عبد ربه وإن كان قليل الاشارة إلى المؤلفات التي نقل عنها[17] ، نجد بعض مؤلفات ابن قتيبة و الجاحظ و ابن المقفع ترد في كتاب "العقد" مصرحا بها ، فمن ذلك قوله : " وفي كتاب للهند ( يريد بكتاب الهند كليلة و دمنة ) أن رجلا دخل على بعض ملوكهم ، فقال : أيها الملك ، إن نصيحتك واجبة في الصغير الحقير ، و الكبير الخطير "[18] .
ومن مصادره الأخرى ، ما يرويه لنا القلقشندي في موسوعته "صبح الأعشى في صناعة الإنشا " إذ يقول : " ولأبي عبيدة مصنف مفرد في أيام العرب ، وقد أورد منها ابن عبد ربه في كتاب العقد جملة مستكثرة "[19] . 
وعلى سبيل الختم ، فالمصادر الهامة التي استقى منها ابن عبد ربه مواد كتابه هي[20] :
*  كتاب " عيون الأخبار " لابن قتيبة .
*  كتاب " البيان و التبيين " للجاحظ .
*  كتب المبرد ، مثل : " الروضة " و " الكامل " .
*  كتب ابن المقفع و دواوين الشعراء وهلم جرا .

على سبيل الختم :
وفي نهاية المطاف ، إن اعتبار كتاب " العقد الفريد " صورة مطابقة لكتب المشارقة ، له ما يبرره ، ونستحضر في هذا المقام ثقافة شيوخ ابن عبد ربه ، إلا أن الكتاب يمتاز بدقة التبويب و التصنيف و الاختيار ، على الرغم من الانتقادات الموجهة إليه .
كما حاول ابن عبد ربه أن يتدارك خلو الكتاب من الأدب الأندلسي فوشحه بأشعاره ، ويمكن اعتبار هذا الأمر محاولة من الكاتب لإثبات التفوق الشعري الأندلسي ، علاوة على الانخراط في التواصل الأدبي بين المشرق و المغرب .

[1] جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس للحميدي ، حققه و علق عليه : بشار عواد معروف و محمد بشار عواد  ، دار الغرب الإسلامي ، تونس ، ط : 1 ، 1429هـ/م2008 ، ص : 151 و 152 .
[2]  الشاعر الأندلسي أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه ، عبد القادر زمامة ، ضمن مجلة المناهل ، العدد : 5 ، ص : 259 .
 المناهل / ص: 259 .
[3] العقد الفريد ، شرحه وضبطه وصححه : أحمد امين ومن معه ، دار الكتاب العربي ، 1983 ،  1 / 4 .
[4] الشاعر الأندلسي ، ص : 269 .
[5] العقد الفريد ، 1 / 4 .
[6] نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة و الأدب ، د أمجد الطرابلسي ، ط : 5 ، 1986 ، ص : 165 .
[7] العقد الفريد ، 3 / 140 .
[8] نفسه ، 1/ 2 .
[9] نفسه ، 1/ 3  ، والآية من سورة الزمر ، رقم : 18 .
 نفسه ، 1 / 3 و 4 . [10]
[11]  نفسه ، 3 / 201 .
[12]  نفسه ، 3 / 222 .
[13]  نفسه ، 3 / 222 .
[14]  نفسه ، 1 / 4 .
[15]  نفسه ، 1 / 4 .
[16]  نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب ، ص : 162 .
[17]  العقد الفريد لابن عبد ربه ،  عبد الستار فراج ، ضمن مجلة العربي ، العدد : 142 ، 1970م ، ص : 99 .
[18]  العقد الفريد ، 1 / 10 .
[19]  صبح الاعشى في صناعة الإنشا ، القلقشندي ، وزارة الثقافة و الإرشاد القومي ، مصر ، 1 / 393 .
[20]  تأثر ابن رشيق في كتاب " العمدة" بابن عبد ربه في كتاب " العقد " ، ص : 476 .

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث