الأرثذوكسية الدينية : السلفية أنموذجا ـ عادل الطاهري

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

87لكي تتحرر من شيء ما ينبغي أن تكشف عن أصله أو جذره الأول –أي كيف تشكل و انبنى لأول مرة-، و من المعلوم أن الشيء يخفي أصله بكل الوسائل و ذلك لكي يقدم نفسه بشكل طبيعي بدهي لا يقبل النقاش، ثم لكي يقدم نفسه و كأنه كان دائما موجودا هكذا، و سوف يظل موجودا إلى الأبد. بمعنى آخر فإنه يفعل كل شيء لكي يغطي على لحظة انبثاقه التاريخي، لكي يخفي تاريخيته. هذا ما تفعله كافة العقائد و التصورات الدوغمائية في جميع الأديان". (1).

شاع عند الباحثين المعاصرين اعتقاد راسخ حول تحقيب الفكر العربي الإسلامي، فهذا الأخير بدأ منتعشا منفتحا في الفترة الكلاسيكية، و عرف تعددية منقطعة النظير بالنظر إلى المناخ الثقافي المتشنج و المنغلق السائد في العصور القروسطاوية، و كاد يبلور مشروعا حداثيا تنويريا إنسيا لو قدر له الاستمرار، و لم يطله سيف السلطة الاستبدادية التي عملت على إيقاف زحفه، بعد ذلك جاءت الفترة الطويلة التي تسمى في هذه الأدبيات بعصر الانحطاط – على اختلاف بينهم، حول مدشن هذه المرحلة-، و قد جاءت كثمرة لانتصار التيارات السلفية المحافظة على القوى التقدمية العقلانية و تعرض الكثير من أعلامها للتصفية الجسدية من قبل الاستبداد الأموي و إغفال العقلانية الرشدية فيما بعد و إحراق تراثه بعد أن صب عليه الكهنوت المقرب من السلطان لعناته، وقد اتسمت –مرحلة الانحطاط- بالاجترار و التكرار و إغلاق أبواب الاجتهاد و الجمود على ما أنتجه الأوائل، ثم مع القرن التاسع عشر انبعثت حركات إصلاحية عملت على إيقاظ الفكر العربي و إحياء الجانب المشرق منه في إطار الجدل الذي أحدثته صدمة الاحتكاك مع غرب متقدم سياسيا و اقتصاديا و تقنيا. لقد شكل كل من محمد عبده و جمال الدين الأفغاني بذورا أولى لهذه الحركة النهضوية، لكن يبدو أن التباسا ما حصل في توسيم هذا الفكر، فنعت الحركة النهضوية بالسلفية قد يوقعنا في سوء الفهم الكبير و تختلط علينا الأوراق، فنظن أن نسقية سلفية الأفغاني و عبده هي نفسها تتفق مع براديغم السلفية المعاصرة كما نجدها ممثلة في المغرب مثلا في فكر الفقيه محمد المغراوي و أتباعه و أولئك الذين يدين لهم بالولاء من وهابية العالم الإسلامي.

إن ما نصبو إليه من هذه المقالة هو التمييز بين الحركة النهضوية التي شهدها القرن التاسع عشر، و التي لم تتنكر رغم تقدميتها و وعيها بضرورة الانخراط في المسار التاريخي العالمي – مع ما يمليه ذلك من تجديد الفكر- لأصولها الإسلامية، و بين ما يسمى في الأدبيات المعاصرة بالسلفية "العلمية" أو التقليدية التي تفرخت في السعودية، و لهذا ستكون مهمتنا هنا اكتشاف النسيج الفكري الذي يطبع المقاربات السلفية للأسئلة التي تجابهه، و تفكيك هذا النموذج الذهني (البراديغم)، آلياته و منطلقاته الفكرية من أجل نفض ما علق في جسد الفكر العربي من مخلفات عصر الانحطاط و ما ترسب منه في أذهان البعض . إننا لن نناقش مواقف السلفيين التقليديين من قضايا مختلفة، سياسية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية، مع أن إضاءة جوانب من المواقف السلفية إزاء إشكالاتنا الراهنة مهم جدا للوقوف على مدى تأخر هذا الفكر و بعده عن الواقعية و العقلانية و السداد في الرؤية، لنذكر مثالا على ذلك النصائح التي قدمها الفقيه المغراوي لرئيس الحكومة الحالي إن هو أراد أن يظل و حزبه على سدة الحكم إلى قيام الساعة –على حد قوله-، إن هذه الوصفة السحرية التي يقترحها السيد المغراوي على رئيس الحكومة هي نشر الإسلام و ثقافة الكتاب و السنة، و يا ليت شعري كيف ينشر رئيس الحكومة الإسلام في مجتمع تشرب العقائد الإسلامية، لكن يبدو أن مثل هذه التصريحات النابعة من لاوعي غائر تسقط الأقنعة التي يتخفى وراءها خطاب التكفير، و تنزع تلك القشرة الرقيقة التي تعلو خطابه، فيبدو من خلال خطاب يحمل قسطا وافرا من "إلا أن تتقوا منهم تقاة" متسامحا و متعايشا مع الوضع الاجتماعي بكل أطيافه المتنوعة. و هو فوق ذلك – و هذا هو الأهم- يعكس تخلفا مهولا في طريقة معالجة الفقيه السلفي للأسئلة الوضعية، التي تنهل من معجم طوباوي لا علاقة له بالإلمام بالواقع، و هنا فليسمح لي المغراوي أن أقول له بأنه غير مؤهل للحديث في أمور العامة بشهادة إمامه أحمد بن حنبل، لأن المعرفة بالواقع أصل عظيم عنده لابد من توفره في المتصدر لمجالس النصح و الإفتاء و إلا "كان ما يفسده أكثر مما يصلح"، و السيد المغراوي صفر في معرفته بالواقع.
إن نقدنا هنا للأرثوذوكسيات الدينية في الإسلام ممثلة في التيار السلفي لن تقوم على تتبع زلاته و تصيد هناته و هو بصدد التفاعل مع مجريات الحياة اليومية و ما ينبثق عنها من جدل حول المشاكل التي تعترضنا، لسبب يبدو لي وجيها، فالخلل ليس في فهمه للواقع فقط، ذلك الفهم الذي لا يتجاوز الإدراك الصبياني الطفولي، و لكن في آليات التفكير السلفي و منطلقاته، فالميكانيزمات التي يوظفها الخطاب السلفي في بناء رؤاه و تشييد صرحه الفكري ليست علمية أبدا، و تفتقر لأدني مقومات الموضوعية، بل و تحول دون تقدم النظر العلمي و اكتساب ذهنية نقدية تستطيع مواكبة التطور العلمي المهول الذي قطعته البشرية، نقدنا إذا للسلفية ليس إيديولوجيا، و لكنه نقد "تطهيري" و "تقويمي" بالأساس، يهدف إلى المساهمة في تقويم الخلل الفكري للأرثوذوكسيات الإطلاقية، من أجل هذا فإننا سنبتدئ بمقدمة نعرف فيها بالدوغمائية (=الوثوقية)، و ما يشكل ركائز ثابتة لهذا الفكر الإطلاقي، و من ثمة سنقوم بإسقاط كليات و ثوابت الفكر الإطلاقي على السلفية كنموذج يستحق الدراسة باعتباره تجسيدا حيا لنموذج الفكر الدوغمائي الأرثوذكسي، و سنعقبها بنبذة حول تاريخية الفكر السلفي و تبرير التشدد الذي طبع رؤى أئمة يشكلون مرجعيات أساسية عند هذا الفكر السلفي التقليدي، ثم سنعرج في عجالة على التحولات التي عرفها الفكر السلفي، و هو تحول له دلالات عميقة بخصوص طبيعة الفكر السلفي المعاصر الذي يبدو غارقا في تتيمه بلحظة من تاريخنا تفصلنا عنه قطائع عديدة...
الصرامة العقلية لدى السلفيين.. كيف و لماذا؟
قد يكون سابقا لأوانه تجلية إحدى آليات الخطاب السلفي، إذ أننا سنتناول ذلك فيما سيأتي من فقرات هذا المقال، لكن طبيعة الموضوع الذي سنتصدى له، أقصد الأنماط التفكيرية للسلفية و طرائق اشتغالها و هي تتعامل مع النصوص التأسيسية للتراث من جهة، و الأنساق التأويلية الأخرى من جهة أخرى، تحتم علينا أن نعجل بذكرها، يتعلق الأمر بآلية "التوحيد بين الفكر و الدين"، إن الخطاب السلفي لا يقيم فصلا بين الذات و الموضوع، بل إنه يوحد بينهما عندما يتعلق الأمر بتأويله الخاص، و يعزل بينهما رافضا أن يكون أي تأويل آخر مما يحتمله النص عندما يتعلق الأمر بفكر الآخر، إنه يرى نفسه لوحده جديرا بتقديم فهمه للدين، في المقابل يرمي رؤى أخرى في سلة واحدة، فيراها مجرد تجديف و زندقة و هرطقة.
هكذا و تبعا لهذه الاقصائية و الرغبة في احتكار المقالة الدينية (هذا هو لب الإكليروسية التي انتفض عليها مفكرو النهضة و الأنوار في أوروبا) قد يرى الفكر السلفي في هذه المحاولة "ردة كبرى"، و نحن من البداية ننبه على أن عملنا هنا إبستمولوجيا بالأساس، إنه لا يُقيِّم المضامين و المعتقدات السلفية، بل إنه يحاول استجلاء النسق الفكري و النموذج الذهني الذي يمير الفكري السلفي، إنه بعبارة أخرى "يحذف من دائرة بحوثه مسألة المضامين و المحتويات لمصلحة الأشكال و الوظائف و الآليات و طرائق الاشتغال". (2)
إن العقل الديني إذ يعرض صفحا عن التنظير العقلي، و باستشعاره لهزالة إمكانياته التنظيرية و ضعف قدراته على التأسيس الفلسفي لبنائه الفكري، يعوض هذا الخصاص بجملة احتياطات تتخذ أشكالا سيكولوجية-سوسيولوجية تمنع المريد السلفي من إمكانية التحاور مع الآخر، فضلا عن ترك هامش و مسافة ذهنية لاحتمال الاقتناع بأطروحة مغايرة. نقدنا ليس للدين بل لموقف هذا العقل الدوغمائي الأرثذوكسي و هو يحتك بالنص، تأويلا و فهما، ثم للخطوات المنهجية و التأثيرات السيكولوجية التي تحمي الداخل و تسيج الحدود، هذه الصرامة العقلية la rigidité mentale هي التي سنبرز ميكانيزمات اشتغالها.
إن الصرامة العقلية مفهوم وظفه المفكر الأمريكي ذي الأصل البولوني ميلتون روكيتش، و قد عنى به : "عدم قدرة الشخص على تغيير جهازه الفكري أو العقلي عندما تتطلب الشروط الموضوعية ذلك، و عدم القدرة على إعادة ترتيب أو تركيب حقل ما تتواجد فيه عدة حلول لمشكلة واحدة و ذلك بهدف حل هذه المشكلة بفاعلية أكبر". (3).
إننا عندما نقرأ هذا التعريف للصرامة العقلية أو التصلب العقلي أول ما يتبادر إلى أذهاننا موقف السلفيين من التغيير، فهم يرفضون ما يسمى "فقه الواقع"، تحت يافطة أن السلف لم يعرفوه، و يرفضون تغيير جهازهم المعرفي بدءا من اللغة التي يوظفها، وصولا إلى الأصول التي تشكل دعامة ينتج من خلالها معارفه و أفكاره، و في الحقيقة فإن الذي يرى بأن ما صلح به أول هذه الأمة هو الذي يصلح لآخرها، لاشك سيرى في أي محاولة تغييرية بدعة و ضلالة، و سيستكين لما هو كائن، أو بالأحرى سيعمل جاهدا على إحياء الماضي، و هو بهذا يقع في إحدى آليات الفكر السلفي التي سنناقش فيما بعد ألا و هي "إهدار البعد التاريخي".
و لا نستبعد من حسباننا دور الحالة الوجدانية للإنسان في الوقوع فيما سماه "روكيتش" : "عدم القدرة على إعادة تركيب حقل ما تتواجد فيه عدة حلول"، فقد كان الورع الذي ميز شخصية الإمام أحمد بن حنبل سببا في عدم ترجيحه مثلا بين الآراء الواردة عن السلف، حتى عدد رواياته في المسألة الواحدة قد تصل سبعة، و بالموازاة مع هذه الحالة الوجدانية، كان ثمة أسباب موضوعية تاريخية، تتمثل في إغفال دور العقل كمرجح، فأحمد كان يفضل الحديث الضعيف على الرأي، و هو يرى في الترجيح مجرد رأي نابع عن هوى.
إن للفكر الدوغمائي الوثوقي سمات مجملة تنطبق انطباقا تاما على الفكري السلفي، و يمكن إجمالها فيما يلي :
1- الفكر الدوغمائي يضع حاجزا كثيفا معتما بين منظومته الإيمانية (المعتقدات) و منظومة المخالفين (اللامعتقدات)، إن هذا الفصل الحاسم بين نظام الإيمان و اللا إيمان يطعم من خلال خطوات منهجية دقيقة ينطوي عليها الفكر السلفي، و هي أربعة : أولا التشديد التكتيكي على أهمية الخلافات القائمة، من خلال التهويل في وصف الاختلافات القائمة، ثانيا رفض المحاجة التي تعمل على التقريب بين الأفكار التي تبدو مختلفة، و معلوم أن السلفيين هم من أكثر الفرق رفضا للتقريب بين الأديان التوحيدية أو حتى بين المذاهب الإسلامية، ثالثا إخفاء و احتقار ما قد يثبت تعارض الفكر السلفي مع الواقع، ثم أخيرا القبول بالتعايش مع التناقضات التي يعرفها البنيان الفكري للسلفية.
2- تكون تشكيلة ما دوغمائية، عندما لا تميز بين معتقدات المخالفين بل ترميهم جميعا في سلة واحدة، دون تمييز بين ما فيها من صواب و ما فيها من خطأ، هكذا نجد أن الصرامة العقلية للفكر السلفي مثلا لا تترك مجالا لإمكانية الثناء على الآخر الذي يختلف معه في بعض الفروع، بل الواجب عدم الموازنة بين المحاسن و المثالب، و كنماذج على ما نحن بصدد بيانه، يقول الفقيه المغراوي في الشهيد سيد قطب : "قطب هو أحد المنحرفين الذين خرجتهم مدرسة الإخوان ما بين داعية على تكفير المسلمين، و ما بين داعية على التقريب بين الكفر و الإسلام، و ما بين داعية إلى التقريب بين الرفض و السنة، و كلهم أجمعوا على محاربة المنهج السلفي المبارك" (4)، هكذا يتبين من كلام الفقيه السلفي أن رفض كل معتقدات الآخرين نابع عن وهم رفض هذا الآخر –كله كذلك- للمنهج السلفي، و هكذا يتبين أن في الأمر مساومات و لا علاقة له باستحضار الهيبة الإلهية أثناء الكلام، و يقول شيخ سعودي آخر من المرجعيات لدى الفكر السلفي : لا يجب ذكر محاسن أحد من أهل المبادئ الهدامة و المشبوهة من مظلين و بدعيين و حرفيين و حزبيين، لأننا إذا ذكرناها فإن هذا يغرر بالناس.." (5)، نعم، في الفكر السلفي لا فرق بين مبتدع و حرفي و حزبي، كلهم يجب أن يوضعوا في خانة المنحرفين، هذا هو التصلب العقلي و إلا فلا.
و في رفض الموازنة بين محاسن "الرجال" و مثالبهم، نجد الفكر السلفي يرفض هذا المنهج رفضا باتا، و يراه مخالفا لما كان عليه السلف، يقول أحد غلاة السلفيين : ثم إن أئمة الإسلام تكلموا في أهل البدع و في الرواة، و لم يشيروا من قريب و لا من بعيد إلى وجوب أو اشتراط هذه الموازنة، و ألفوا كتبا في الجرح و التعديل" (6)، و رغم أننا لسنا بصدد مناقشة رأي ربيع المدخلي في هذه المسألة لا بد من التنبيه من باب الأمانة العلمية أنه وصم علماء الجرح و التعديل بما لا يليق بهم، و قد كذب على السلف في هذه المسألة بالذات، بل كان معظم السلف منصفين مع "أهل البدع"، فنجد مثلا أسماء لمبتدعة في الصحاح، و هو ما تجاهله هذا الشيخ السلفي.
3- و من خصائص الفكر الدوغمائي، تمطيط نظام الإيمان، ليشمل بالإضافة إلى المعتقدات المركزية، أفكار أخرى هامشية فرعية، و هكذا تصير هذه الأخيرة هي الأخرى يقينات لا بد من الأخذ بها، يوالى و يعادى عليها تبعا للرؤية السلفية في الولاء و البراء. و من النماذج على تمديد محيط العقائد ليشمل أفكارا غير ذات موضوع، ما نجده في المتون السلفية التي تتناول قضايا العقيدة و التوحيد من معتقدات تبدو هامشية فرعية مثل الإيمان بخروج الدجال، يقول أحدهم "و نؤمن بأن الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة، كما أخبرالرسول (ص) و صح عنه" (7)، و من أغرب ما ورد في متون العقيدة، ما نقرأه في العقيدة الطحاوية : " و نرى المسح على الخفين، في السفر و الحضر، كما في الأثر".، فالمسح على الخفين عقيدة عند السلفيين، من أنكرها كان بلاشك من المنحرفين عن العقيدة الصحيحة.
4- كل فكر دوغمائي أرثوذكسي هو من جهة فكر طوباوي غير واقعي، إنه لا يعير اهتماما للحاضر، و لكنه فكر إما أن يتوجه نحو الماضي، أو إلى المستقبل، و الفكر السلفي كما يتبين من اسمه يختزل مشروعه في إيقاف عقارب الساعة بل و إعادتها إلى الوراء، و سنرى فيما يأتي آليات "إهدار البعد التاريخي" و "الاستناد إلى سلطة التراث" فيما سيأتي من فقرات هذا المقال.
براديغم الفكر السلفي
تحدثنا في الفقرة السابقة عن مميزات الفكر الأرثوذوكسي، و قلنا إن صرامته العقلية تحمله على الحسم القاطع بصحة رؤاه، و بالحسم نفسه يقطع ببطلان الفكر الآخر جملة و تفصيلا، فما هي آليات الفكر السلفي؟ و ما هو البراديغم السلفي؟
قد يكون من اللازم التنبيه على تشابك آليات الفكر السلفي و تقاطعها، بحيث يكون أحدها نتيجة للآخر، بالضبط كما قد تكون آلية علة أخرى. و من الضروري الوقوف هنا على خطأ بعض الباحثين الذين رأوا أن البراديغم السلفي يتحدد من خلال صدوره عن محددين : النص و الشكلانية (8)، و في الواقع لا يمكن حصر البراديغم السلفي بما هو قالب تنتج على مقاسه و طبقا لتفاصيله المعرفة في هذين المحددين، فالشكلانية مظهر من مظاهر هذا النموذج الذهني الذي لم يكشف عنه، أما النص فهو المادة التي يوظف معها الفكر السلفي صرامته العقلية، أو لنقل آلياته التي تشكل في مجملها براديغم الفكر السلفي، و التي من خلالها يتم التعامل مع النص، فالباحث إذا كان بعيدا كل البعد عن التوصل إلى النسق الفكري الناظم للرؤى السلفية إلى مختلف القضايا.
إن للخطاب السلفي آليات فكرية يوظفها بطريقة لاشعورية، أهمها كما سبق أن أشرنا "التوحيد بين الفكر و الدين" (9) ، إن هذا الفكر الذي يجاهر أحيانا بعصمته، بادعاء انتمائه لعموم الأمة التي وصفت بأنها لا تجتمع على ضلالة، ينطلق من مسلمة صدق تأويلاته و فهمه للدين، و يتفرع عن هذا بحكم ثبات هذا الفكر كنتيجة مباشرة ثبات الدين الإسلامي، و بالتالي فهو يقوض أركان شعار آخر طالما أشهره في وجه مخالفيه، أقصد صلاحية الدين الإسلامي لكل زمان و مكان، كما أن التوحيد بين الفكر السلفي باعتباره الفهم الصحيح الوحيد و الدين تنبني عليه نتائج خطيرة، أولها ادعاء القدرة على قطع كل الفواصل الوجودية بين المطلق و النسبي، بحيث يصير هؤلاء بمثابة "سوبرمانات" متحدثين باسم الله، و تجرنا هذه الفكرة الأخيرة إلى نتيجة ثانية خطيرة ينفيها الخطاب الديني عن نفسه حتى لا يتيح الفرصة للآخر للحديث عن علمنة الفكر، للقضاء على الطبقة الإكليروسية التي تحتكر المقالة الدينية، إن الحديث عن امتلاك طائفة لملكة فهم القصد الإلهي ستقودنا مباشرة للحديث عن وجود كهنوت إسلامي، و بالتالي تصير تحرير المعرفة من قيودهم إحدى الأسباب الحاملة على العلمنة، يقول أحد الباحثين عن نتائج التوحيد بين الفكر و الدين " و هكذا ينتهي الخطاب الديني إلى إيجاد كهنوت يمثل سلطة و مرجعا أخيرا في شؤون الدين و العقيدة، بل يصل إلى حد الإصرار على ضرورة التلقي الشفاهي المباشر في هذا المجال من العلماء" (10).
الآلية الثانية "رد الظواهر إلى مبدأ واحد"، إن الخطاب السلفي يرى أن كل المصائب التي تعتري المجتمع الإسلامي نتيجة ترك تأويله للدين الإسلامي، فالجفاف و الفقر و البطالة و الفساد السياسي و الاقتصادي و فشل البرامج التعليمية و هزالة المحاصيل و غياب البركة.. هي نوع من الانتقام الإلهي لهذا المجتمع الذي تخلى عن منهج السلف في فهم الدين. و لاشك أن هذه الرؤية للقضايا لها انعكاسات سلبية على العقل الإسلامي، إنها ستؤدي في آخر المطاف إلى الإعراض عن دراسة الظواهر الطبيعية و الاجتماعية، و هذا كذلك سيؤدي إلى ضعف التحصيل العلمي، و لعل هذا التصور "امتداد للموقف الأشعري القديم، الذي ينكر قوانين السببية في الطبيعة و العالم لحساب جبرية شاملة، تمثل غطاء إيديولوجيا للجبرية الاجتماعية و السياسية في الواقع" (11).
الآلية الثالثة هي "الاعتماد على سلطة السلف و التراث"، و هي السمة الماهوية للفكر السلفي، فهذا الأخير لا يعتمد فقط على سلطة السلف و التراث، و لكن مشروعه هو إحياء هذا الماضي و هذا التراث، من هنا فهو يتعارض على طول الخط مع الفكر الحداثي المتقدم، فالحداثة إذا كانت ترى في الحاضر لحظة ضاغطة عابرة نحو المستقبل، فإن الحاضر و المستقبل في الفكر السلفي يكرسان لخدمة إحياء الماضي.
و الاعتماد على سلطة التراث تتخذ شكل رفض بات و مطلق لطرحه و أعلامه للمساءلة و الاستشكال، و إضفاء هالة من القداسة عليه، و أي استدارك عليهم فهو خروج عن الدين ووقاحة، يقول المغراوي "فماذا يستدرك المتأخرون مما عساهم أن يفعلوا، ألم يبين أولئك المنهاج، و استكملوا الطريق و عبدوها، فالاستدراك عليهم وقاحة و بدعة و ضلال و انحراف و غرور عظيم و خروج عن دين الله". (12)
كما أن السلفية تتعامل مع التراث بانتقائية، فتختار منه المتزمت و الرجعي، و تقصي التراث الآخر العقلاني و المنفتح، و لا تتباهى بهذا الأخير إلا عندما تكون بصدد الجدل مع الغرب، و في إطار تبرير الأخذ بالتقنيات و الآلات التكنولوجية التي اكتشفها الأوروبيون، فالفكر السلفي يتباهى عندئذ و يفتخر بالعقلانيين المسلمين الذين سبقوا الغرب في توظيف المنهج التحريبي، و معلوم أن الغرب إنما توصل إلى هذه الانجازات من خلال اعتماد هذا المنهج، و بهذا يكون الأخذ عنه عبارة عن "بضاعتنا ردت إلينا"، أما عندما يكون الجدل داخليا بين المسلمين، فلا مديح و لا إطراء لهؤلاء العقلانيين، و إنما لهم الوصم بالبدعة و الضلالة، يقول نصر حامد : "لا يتورع الخطاب الديني عن التفاخر بالجانب العقلاني الذي يرفضه من التراث. و لكن هذا التفاخر ينحصر في مجال المقارنة بين أوروبا القرون الوسطى و بين حضارة المسلمين، و كيف تأثرت أوروبا بمنهج التفكير العقلي عند المسلمين خاصة في مجال العلوم الطبيعية" (13).
و يشكل الحسم الذهني و اليقين الفكري ركنا أساسيا في البراديغم السلفي، و هذه الآلية تتلاحم تلاحما عضويا مع آلية التوحيد بين الفكر و الدين، فلاشك أن الذي يظن في امتلاكه للحقيقة المطلقة كما هو الشأن مع السلفيين، و تمكن من بلوغ مقصد الله من خطابه، و إسقاط كل الحواجب التي توصله إلى هذا، سيتسم بغير قليل من الأرثذوكسية و الوثوقية، و في المقابل سيتسم الحوار مع الآخر –إن وجد- بالعنف المعنوي و المادي، من خلال التجهيل و التكفير، و إلا فإن الحور مرفوض عند أصحاب الأدبيات السلفية، لأن الأمر محسوم، و المناظرة إنما تتم بين حملة أفكار يؤمنون بنسبية المعتقدات، يقول الله عز وجل "و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين".
و من القضايا الشائكة التي تطفو فيها هذه الآلية، مقاربتهم لتطبيق الإسلام، يقول الفكر الديني السلفي في حسم قاطع و قطع حاسم، بأن الإسلام تم عزله في لحظة ما من تاريخنا، و سراحنا و انعتاقنا رهين بإعادة تطبيقه. قد لا نختلف مع الفكر السلفي في أهمية تطبيق الإسلام، لكن المشكل يتجلى في طبيعة المقاربة التي يقدمها، إنه بسبب هذا القطع و اليقين لا يترك مداخل تتسرب منها الأسئلة التي تضعنا أمام الظروف التاريخية لإقصاء الدين الإسلامي، لا يناقش لم و متى و كيف تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضود؟ لأنه يعلم عندئذ باصطدام هذا البحث التاريخي مع إحدى خصوصيات الفكر السلفي، أقصد الطعن في أولئك "السلف" الذين أسقطوا الخلافة الراشدة. كما لا يقدم السلفيون خططا و برامج لإعادة تطبيق الإسلام، بل يحصرون ذلك في الجانب الجنائي، أي التبشير بالرجم و قطع الأيادي و سلخ الجلود.. هذا هو الإسلام الذي يبشرون به، و علينا أن نصدقهم بجدواه على نحو هذا الفهم الذي يقدمونه رغم تلك الهلامية و الضبابية التي تحلق فوق مقارباتهم لمشروعهم.. يقول أحدهم : " كان بيدنا سلاح استخدمناه مرة للانتصار ثم ألقيناه فمضينا على طريق الهزيمة و الاندثار.. و عندما يطلق سراح القرآن يطلق سراح هذه الأمة.." (14) كيف تم "أسر القرآن" حتى نفكر في فك أسره؟ لا جواب داخل هذه الايديولوجيا.
و من آليات البراديغم السلفي "إهدار البعد التاريخي"، و هي نتيجة مباشرة و منطقية للآليات الأخرى، من الاعتماد على سلطة السلف، و التوحيد بين الفكر و الدين، و الحسم الفكري و اليقين الذهني.. إن النظر إلى السلف كمنظرين لا يمكن الاستدراك عليهم، و حلولهم لا مجال لمناقشتها على الرغم من الاختلاف الزمكاني، سيؤدي إلى تأزم الوعي التاريخي، و سينتهي بإهدراه ككل. و إغفال البعد التاريخي طال كذلك سيرورة المفاهيم، فلاشك أن السيرورة الزمانية تسهم في نحت المفاهيم و تغيير دلالتها، غير أن الفكر السلفي لا يلقي بالا لهذا الأمر، من هنا نفهم سر زلاته في توظيف الأصول، يقول السلفي مثلا "لا اجتهاد مع النص"، و يعتقد أن مقصود السلف بالنص ينطبق مع المعاني التي نضفيها عليه،و ينسى أن المقصود بالنص داخل النسق الأصولي هو البين بذاته الذي لا يحتمل تأويل، و هو قليل جدا في النصوص التأسيسية (بالمعنى الحديث لكلمة نص) كما يقول الأصوليون.
السلفية فكر تاريخي
يحاول الفكر السلفي إقناع من يتبناه و الآخر أن إيديولوجيته ليست غريبة على الجو الثقافي الإسلامي، و إنما تشكلت في اللحظة التأسيسية الأولى للإسلام، فهي الامتداد الطبيعي للإسلام "الصحيح"، و يبدو هذا الكلام مفهوم الأغراض، فالسلفية تحاول إثبات أصالتها، و جدارتها لوحدها لحيازة الثناء النبوي على الفرقة الناجية التي قال عنها محمد صلى الله عليه و سلم بأنها "ما أنا عليه و أصحابي"، و في الحقيقة فإن هذا التسابق المحموم على وصل المذهب بالبؤرة التاريخية التي انبثقت عنها التعاليم الإسلامية ديدن كل التيارات الايديولوجية، فهي تخفي تاريخيتها و تسدل ستارا على الملابسات التي لامست الظروف الموضوعية لانبثاقها و تشكلها، حتى تضفي الشرعية على ديمومتها، و تصله مباشرة بلحظة الرسول الكريم (ص)، و رغم كل محاولة لحصار النص و تطويقه لكي يخدم شرعية هذا الفكر أو ذاك، فإن هذه العملية القهرية ستبوء بالفشل، بل و ستؤدي إلى فوضى تنظيرية عارمة، فالشيعة سيرون في "التشيع" سنة نبوية بفهم آل البيت (و هم سلف كذلك أثنى عليهم الرسول)، كما يرى السلفيون في النبي عليه السلام سلفهم، اعتمادا على حديث يقول فيه لفاطمة عليهما السلام "إنه نعم السلف أنا لك"، و كذلك سيفعل كل الفرق الإسلامية، بحيث سيعمل كل تيار على البحث عن المفاهيم المحورية و المرتكزات الأساسية في فكرها، وظفها الرسول عليه السلام ثم تعرضها كتزكية نبوية و إشادة بهذا الفكر (15).
إذا كان الفكر السلفي غير أصيل في الثقافة الإسلامية، أي أنه فكر ظهر في لحظة غير لحظة التأسيس، فما هي الظروف التي ولدت لنا السلفية كتيار فكري قائم على النصوصية؟
يقول أحد الباحثين "السلفية ظاهرة عباسية" (16)، أي أنها تيار فكري ظهر أول مرة على صيغته المكتملة في الحقبة العباسية. في الحقيقة مستندات هذا الرأي قوية جدا، و لعلها المحاولة الرائدة لتفسير الظاهرة السلفية و استجلاء تاريخيتها و ارتباطها بمحيط سوسيوثقافي معين، و هي لا تنسجم مع ما انتشر في الأبحاث السوسيولوجية من التنصيص على انتشار السلفية في المناطق الهامشية حيث الثقافة المحدودة و الفقر المدقع، و لكن ظروف أخرى ثقافية اجتماعية أدت إلى تشكل هذا الفكر السلفي.
إن بروز فكر يمطط فاعلية النص و يلغي دور العقل في المساهمة في حل إشكالات الإنسان و المجتمع، تيار غريب على الجو الثقافي الإسلامي الأصيل، على الأقل في عصر الصحابة، فهؤلاء عرف عنهم التساؤل حول مصدر المعرفة النبوية هل هي الوحي أم الرأي؟ و النبي عليه السلام كان يتفهم هذه التفرقة بين حقل يخضع لفاعلية النص، و آخر يتصدى العقل لحل مشاكله و تذليل صعابه، يقول أحدهم و هو يعبر عن هذه الحقيقة " كان المسلمون يفرقون بين مجالات الممارسة الدينية التي يكون الكتاب إطارها المرجعي، و بين مجالات الحياة التي تكون التجربة و الخبرة هما إطارها المرجعي، و هو ما تجلى في مبدأ أنتم أدرى بشؤون دنياكم" (17)، و في موضع آخر يقول " منذ اللحظات الأولى في التاريخ الإسلامي – و خلال فترة نزول الوحي و تشكل النصوص- كان ثمة إدراك مستقر أن للنصوص الدينية مجالات فاعليتها الخاصة، و أن ثمة مجالات أخرى تخضع لفاعلية العقل البشري و الخبرة الإنسانية، و لا تتعلق بها فاعلية النصوص و كان المسلمون الأوائل كثيرا ما يسألون إزاء موقف بعينه ما إذا كان تصرف النبي محكوما بالوحي أم محكوما بالخبرة و العقل.." (18)
وإذا كان الباحث محمد عمارة يذهب إلى أن تبلور الفكر السلفي المتسم بغلوه في النص قد تبلور بالتزامن مع فترة حكم العباسيين (فترة المأمون)، فإني أعتقد أن الظاهرة السلفية لها جذور في أواخر الخلافة الراشدة كذلك، و إن كان على شكل تمظهر فرداني غير مؤسس على قاعدة تنظيرية متينة كما كان في الفترة العباسية، إن التنصيص على تقاطع الديني و الدنيوي خدعة أموية ماكرة وظفها معاوية و عمرو بن العاص لما استشعرا دنو لحظة الانهزام في موقعة صفين الأليمة التي بغى فيها معاوية على أمير المؤمنين علي عليه السلام اشتهاء لكرسي الخلافة، فأمرا أتباعهما من الشاميين برفع القرآن الكريم على أسنة القرآن، و قد رفض علي عليه السلام في بادئ الأمر مقترح الأمويين و دعا إلى مواصلة القتال، لإيمانه بأن القرآن كتاب صامت ينطق به الرجال، أي أنه كتاب حمال أوجه كل قد يؤوله لما يخدم قضيته، من هنا فمبدأ الحاكمية ليس مبدأ خارجيا كما درج معظم الباحثين على القول، بل إنه كان يندرج تحت مخطط أموي ماكر، إنه كما قال علي "حق أريد به باطل".
أما التشكل الرسمي لهذا الفكر فقد كان ردة فعل على خطر كان يتهدد الأسس المعرفية للفكر الإسلامي كما اعتقد مؤسسوه، و قد كانت رَدة الفعل هذه في الحقيقة رِدة عن العقلانية التي كانت تزدهر حينئذ و تتشكل على قدم و ساق و تخطو خطى حثيثة نحو بناء المجتمع الحداثي المؤمن بالتعددية و مركزية الإنسان، لولا الانقلاب الذي قادته القوى الرجعية. لقد عمل المأمون كما هو معروف في مصادرنا التاريخية على ترجمة الموروث اليوناني، العقلاني منه خاصة، ليؤدي دور المنافح الايديولوجي عن الفكر الإسلامي ضدا على الغنوص و العرفان، يقول أحد المستشرقين : "لقد كان الغنوص يحارب الإسلام دينيا و سياسيا، و في هذا النضال استعان الإسلام بالفلسفة اليونانية، و عني بإيجاد عالم من العلوم الدينية العقلية.. فكأن الإسلام الرسمي قد تحالف إذا مع التفكير اليوناني و الفلسفة اليونانية ضد الغنوص الذي كان خليطا من المذاهب القائمة على النظر و المنطق، و على مذاهب الخلاص، و من هنا نستطيع أن نفسر حماسة الخليفة المأمون للعمل على ترجمة أكبر عدد ممكن نت نؤلفات الفلاسفة اليونانيين إلى العربية" (19).
وحتى نقرب حيثيات ترجمة مؤلفات أرسطو من قبل المأمون، نذكر هنا بالحلم الذي رآه في منامه.
طالعنا ابن النديم في فهرسته تحت عنوان : " ذكر السبب الذي من أجله كثرت كتب الفلسفة و غيرها من العلوم القديمة في هذه البلاد"،فكتب يقول : " أحد الأسباب في ذلك أن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون مشربا حمرة واسع الجبهة مقرون الحاجب أجلج الرأس أشهل العينين حسن الشمائل،جالس على سريره،قال المأمون : كأني بين يديه قد ملئت له هيبة فقلت : من أنت؟ قال : أنا رسطاليس.فسررت به فقلت : أيها الحكيم أسألك؟ قال : سل.قلت ما الحسن؟ قال ما حسن في العقل.قلت ثم ماذا؟ قال : ما حسن في الشرع.قلت ثم ماذا؟ قال : ما حسن عند الجمهور.قلت ثم ماذا؟ قال : لا ثم لا..فكان هذا من أوكد الأسباب في إخراج الكتب ،فإن المأمون كان بينه و بين ملك الروم مراسلات،و قد استظهر عليه المأمون،فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما عنده من مختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلاد الروم.."
لا يهمنا كثيرا الإلمام بمدى صحة و صدق هذه الرواية،ليس من ناحية التوثيق، أي صحة السند ، بل صدق رؤية المأمون لأرسطو في منامه، إذ حتى إن كانت كاذبة، فإن ذلك لا ينقص من قيمتها كوثيقة تاريخية مهمة، تعبر عن الانشغالات الفكرية للعرب في حقبة معينة، و بالأخص عن دواعي حضور أرسطو، أقصد فلسفته، فى بلاد الإسلام. إن المأمون كخليفة مسلم كان بإمكانه أن يدعي رؤية الرسول محمد، غير أن سلطة الرسول كانت في تضاؤل رهيب عندئذ لغلبة سلطة التأويل، فالنص الديني لم يغب هكذا بإطلاقية و اختزالية، إلا أنه كان عرضة لتلاعب أمواج التأويل الذي رفعت لواءه "الباطنية" من الفرس، لذا احتاج المأمون و معه الفرقة الحاكمة عندئذ - المعتزلة – لسلطة تأويلية جديدة لرد الغزو الباطني الذي يهدد أركان الدولة العباسية، فاستنجد المأمون بأرسطو، و لأنه فيلسوف العقل و المنطق فإنه الأنسب لمقاومة الباطنية القائمة على العرفان، و التي تعتقد في نبات العلم في القلب، ما يعني استقالة العقل و اغتيال الشرع معا، إن أرسطو إذن جاء لتضميد الجراح الذي أحدثه الفكر الباطني،و الغاية من الفلسفة الأرسطية هي تقديمها كبديل للتأويلات الباطنية في قراءة النص الديني، و بالتالي الحفاظ على الدولة الإسلامية ضدا على الغزو الثقافي المانوي و الهرمسي خاصة. (20)
لذا مع تنامي الثقافة العقلانية في الفكر الإسلامي، كانت ردة الفعل من أحمد بن حنبل و غيره من رجال الحديث و الفقهاء، حيث دعوا إلى العودة لإسلام السلف، المعتمد على النصوص و المأثورات، ضدا على الفكر العقلاني الذي أعمل العقل و التأويل في فهم النص و لم يتوقف عند ظاهرها التي توحي أحيانا في مسألة الصفات مثلا بالتشبيه و التجسيم، و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تعسف كذلك على المجال الآخر الذي يخضع لفاعلية العقل، فأخضعه هو الآخر لسلطة النص حاجزا على حرية التفكير، رافضا للقياس و الرأي الذي كان منهج متكلمي المعتزلة، و رافعا من شأن النصوص و المأثورة حتى و إن كان فيها ضعف، لذا نجد منهج أحمد يقوم على خمسة أسس لا تخرج عن نطاق النص، و هي كما قال ابن قيم الجوزية :
- النصوص.
-أقوال الصحابة.
- في حال اختلاف فتاوي الصحابة، انتقاء أقربها إلى الكتاب و السنة.
- الحديث المرسل و الأحاديث الضعيفة عموما، و هو يقدمها على الرأي و القياس.
- القياس للضرورة.
و يبدو أن للقياس دلالة خاصة في الفكر السلفي، فهو لا يعني سوى استنباط ما هو موجود بالفعل في الشرع، فالاجتهاد في الفكر السلفي يقوم دائما على مثال سابق، و لا يكاد العقل يتحرر داخل هذا الفكر من سلطة النص، و لو تطلب ذلك لي أعناق النصوص لجعلها تطاوع قضايا ما لا يوجد في الشرع جوابها المفصل، لهذا لا يفتئ الإمام الشافعي يستدل في التمثيل لعملية القياس باكتشاف اتجاه القبلة. (21).
إن هذا التشدد و الغلو في النصوص الدينية، و إنكار أن يكون في الشريعة عفو، و مساحات فارغة يتطلب ملؤها إعمال العقل و الاجتهاد، ظاهرة تاريخية زمنية جاءت كرد فعل على تقديم العقل على النقل داخل أنساق فكرية أخرى، و من خلال الوقوف على الروايات التي يسأل فيها الصحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مصدر كلامه، هل هو الوحي أو الرأي، نعلم يقينا عدم أصالة الفكر السلفي التي تتوسع في فاعلية النص، و نقف كذلك عند كيفية تزييف وعي المسلمين من خلال مبدأ الحاكمية، الذي يرى أنه لا حكم إلا لله في كل القضايا التي تعترض الإنسان، دون أن تسترعيهم مفارقة احتواء الثابت للمتغير. و لعل الفكر السلفي مع ابن تيمية و ابن قيم الجوزية رحمهما الله استشعرا هذا النقص التنظيري لدى أعلام السلف، فإذا كان الشافعي لا يرى الاطلاع على كتب علم الكلام بحسم فكري و قطع ذهني متشدد للغاية، فعلى العكس من ذلك نجد الإمام ابن تيمية ألف كتب موسوعية في الرد على الفرق الأخرى بعد أن اطلع على أفكارهم و رؤاهم و الأسس التي قامت عليها هذه المذاهب الإسلامية. و كذلك نجد عند ابن قيم آراء في السياسة الشرعية متقدمة جدا لا بالمقارنة مع ما وصل إليه الوعي السياسي في ذلك العصر، بل إنه فكر متقدم بمعايير عصرنا، و لا يمت بصلة للفكر السلفي المعاصر الجامد، و يكفي أن نقف عند هذه الكلمة المضيئة التي لم يستطع استيعابها السلفيون المعاصرون، يقول ابن القيم في تعريف السياسة الشرعية العادلة : " ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح و أبعد عن الفساد،و إن لم يشرعه الرسول و لا نزل به وحي".
إن السلفية فكر تاريخي متموج كغيره من الطوائف و التيارات التي تشكلت من داخل الفكر الإسلامي، و كما راجع ابن تيمية و ابن قيم و ابن عقيل (22) الموروث السلفي و أدخلوا عليه تعديلات لكي تستجيب لتحديات و إكاراهات عصرهم، فعلى الفكر السلفي كذلك أن يتخلى على ما يشكل أسس الدوغمائية و الأرثوذوكسية و أن يتطعم بآليات الفكر العلمي النسبي و يسقط آخر ما توصل إليه العقل العلمي من نظريات إبستمولوجية على ميكانيزماته المنهجية، إن براديغم الفكر المعاصر الذي يشهد لها الواقع الغربي بالنجاعة و النفع يختزله عبد الله العروي في الجملة التالية "إن الأمر الإلهي ليس حاضرا في الكون منذ البدء و لا غائبا إلى أبد الدهر، أو بعبارة أقل ارتباطا بعلم الكلام إن الحقيقة المطلقة ليست معروفة منذ القدم و لا هي خارج متناول البشر أبد الآبدين، لأن في كلتا الحالتين يفقد التاريخ ايجابيته و يعود مسرحا لخيال الظل" (23)، إن هذا المنهج الفكري هو الكفيل بإخراج الفكر السلفي من أسر الأرثوذكسية ليعانق رحاب الفكر النسبي المنفتح.
______
(1) محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني : كيف نفهم الإسلام اليوم. ترجمة : هاشم صالح. دار الطليعة.بيروت، 2009. ط4 . ص 280.
(2) هاشم صالح، بين مفهوم الأرثوذكسية و العقلية الدوغمائية. مقال (مقدمة) ضمن :
محمد أركون، الفكر الإسلامي : قراءة علمية. مركز الإنماء القومي.بيروت، 1987. ص5
(3) انظر :
Jean pierre deconchy : milton rokeach et la notion de dogmatisme . in archives de sociologie des religiond, No 30, 1970. p 6.
يمكن الاطلاع عليه في الشبكة هنا
(4) محمد المغراوي، أهل الإفك و البهتان الرادون عن السنة و القرآن (مراكش، مكتبة دارة القرآن،2001) ص 37 نقلا عن :
عبد الحكيم أبو اللوز، الحركات السلفية في المغرب (1971-2004) : بحث أنثروبولوجي سوسيولوجي. (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009). ص 89.
(5) صالح الفوزان، الاجوبة المفيدة عن أسئلة المنهج الجديدة (الرياض، دار السلف، 1997) ص 29، نقلا عن :
عبد الحكيم أبو اللوز، الحركات السلفية في المغرب، ص 89.
(6) أبو بلال عبد القادر منير، الكشف الجلي عن ظلمات ربيع المدخلي : نقد لكتاب أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب و فكره للدكتور ربيع بن هادي عمير المدخلي. ( الرباط، طوب بريس. 2002). ص 14.
(7) عبد الغني المقدسي، الاقتصاد في الاعتقاد، في : متون التوحيد و العقيدة (القاهرة، دار المستقبل، 2005). ص 205.
(8) انظر فصل "نظام الحجاج و الإحالة"، في
عبد الحكيم أبو اللوز، الحركات السلفية في المغرب، ص 129-145
(9) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني. ( الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2007، ط 3). ص 29.
(10) نفسه، ص 32.
نفسه، ص 34.
(12) محمد عبد الرحمن المغراوي، عقيدة الإمام مالك، سلسلة العقائد السلفية (الرياض، مكتبة التراث الإسلامي، [د.ت]). ص 22.
(13) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، ص 43.
(14) فهمي هويدي، القرآن و السلطان، دار الشروق، القاهرة، ط 2، 1982. ص 18-19.
(15) انظر مقال : محمد عابد الجابري، الفرقة الناجية.. و ثقافة الفتنة (موجود في الشبكة).
(16) محمد عمارة، السلفية : واحدة؟.. أم سلفيات؟ (القاهرة، نهضة مصر، 2008) . ص 14-22.
(17) نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي و تأسيس الايديولوجية الوسطية، (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1) ص102.
(18) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، ص 29.
(19) بكر كارل هينرش –بحث منشور بكتاب "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" ص 7-9، 11 ترجمة د عبد الرحمن بدوي. طبعة القاهرة سنة 1965.
(20) حول استراتيجية المأمون في ترجمة الفلسفة اليونانية العقلانية، انظر فصل "تنصيب العقل في الإسلام" :
محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي. (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.2009.ط 10). ص 222 و ما يليها.
(21) نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي و تأسيس الايديولوجيا الوسطية، ص172.
(22) انظر فصل : تطور السلفية في :
محمد عمارة، السلفية واحدة أم سلفيات، ص 23-66
(23) عبد الله العروي، العرب و الفكر التاريخي. ( الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 4). ص 93.
الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن له تصور آخر، و يرى أن هذه النسبية التي تطغى في مجال التفكير العلمي، و القطائع الابستمولوجية التي تعرض لها، من مثالب العقلانية المجردة التي تؤخذ على الحداثة الغربية، و يصف واقع الفكر العلمي بالفوضوي، يقول معبرا عن ذلك : "إذا كان من المقاصد النافعة أن يؤدي المنهج العلمي إلى الترتيب والنظام و الترتيب و والوصل، فإن النظر في تاريخ العلم يبين أن النظريات العلمية لا تنمو نمو مطردا و لا يركب بعضها بعضا ركوب الطبقات بعضها فوق بعض، متجها خطوة خطوة إلى تحقيق كمال المعرفة، و إنما أن بعضها قاطع عن بعض، بحيث تقوم بينها علاقات تباين و تهادم، لا علاقة تكامل و تساند (نحو التباين بين نظرية التكوين و نظرية التطور، و كذا بين الميكانيكا العقلية و الميكانيكا الذرية و التباين بين نظرية أينشاين و نظرية نيوتن.."
طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق. (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 3). ص 66.
وفي اعتقادي ما أورده الدكتور خطأ نابع من طغيان الجانب الصوري في مقارباته الفكرية، و عدم النظر إلى الجانب الإجرائي للمعرفة العلمية،و ثمارها على أرض الواقع، صحيح أننا لا نختلف حول مساوئ الحداثة الأخلاقية، لكن التفكير العلمي كما يبين الواقع الغربي كانت له نتائج إيجابية جدا، و هذا الجدل القائم بين النظريات هو الذي ساهم في الدفع بها إلى ما وصلت إليه الآن. النسبية في الفكر داخل نسق فلسفي طامح بنفحة تبشيرية تؤمن بإمكانية الوصول إلى الحقيقة إطار فكري ناجع فعلا للسير قدما نحو التقدم.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟