حلف أيت يفلمان : التاريخ والمجال ـ عدي الراضي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

Anfasse20032إن  البحث في هذا الموضوع ليس بهدف إثارة النعرة القبلية أو إيقاظ الضغائن والأحقاد والتشجيع على إحياء القبلية أو التحريض على التفرقة وليس جانبا من الشوفينية كما يعتقد البعض . و الدافع الأساسي الكامن وراء هذه المحاولة هو الرغبة الملحة في البحث والتنقيب في الماضي البعيد لمنطقة الجنوب الشرقي عامة وللتحالفات القبلية التي  تشكلت بالمنطقة عبر تاريخها الطويل لان النظم العرفية والقانونية والأعراف الاجتماعية والاقتصادية والأنساق الفكرية والذهنية المؤطرة والمحددة لجميع التكتلات المذكورة في التاريخ بإسهاب كبير تشكل أرضية خصبة ومادة أساسية لايمكن  الاستغناء عنها في الدراسات الإنسانية بمختلف فروعها لكونها قواعد خاصة ناتجة ونابعة من الانشغالات والمثبطات والعراقيل اليومية والمستجدات الطارئة التي تهم الأنشطة اليومية للإنسان الأمازيغي محليا. لهذا فان البحث في مجال وتاريخ أيت يفلمان في الماضي يساعدنا  للوقوف على اللبنات الأولى لكل التجليات البارزة على سطح قشرة البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالجهة والتي تختفي في عمقها ألباب عبارة عن حقائق علمية وتاريخيو وسوسيولوجية وانتربولوجية  ؛ تمكن الباحثين في الميادين المختلفة لبلورة تصور عام يهم ويلامس البنيات العامة للنسيج الاجتماعي والفكري للمجتمعات بالجهة.


عرفت القبائل الصنهاجية بتكوين الأحلاف والاندماج العشائري  عبر تاريخها الطويل . ولاغرو فقد ساهم تحالف أقوى الفروع المكونة للقبيلة (لمثونة؛ جدالة ؛ مسوفة) في ميلاد الدولة المرابطية أول مشروع وحدوي بزعامة القوى لمحلية للمغرب الكبير وبلاد "تيموزغا".مهد لقيام الدولة الموحدية أعظم إمبراطورية  في تاريخ شمال أفريقيا.ومعاهدات "تايسا""  « تاضا" سمة عرفية وقانونية أمازيغية لتنظيم المجتمعات عبر التاريخ الطويل فقد تكونت اتحاديات كبيرة من القبائل أفضت إلى قيام ممالك أمازيغية بسطت سيطرتها على رقعة جغرافية مهمة من أرض تيموزغا أنكرها التاريخ الرسمي.
*حلف أيت يفلمان الاسم والمجال:بمتابعة تاريخ القبائل المكونة لهذا الحلف نجدها قد استوطنت الجنوب الشرقي وانتشرت على ضفاف الأودية الشهيرة بالمنطقة خاصة غريس وزيز وكير.بكل من تودغا ؛فركلة وتافيلالت منذ القرن 10م على اتفاق جميع الصادر التاريخية والرواية الشفوية وإذا سالت أحد العارفين والمهتمين بأنساب القبائل حول قبائل ايت يفلمان سيجيب بدون تردد أن أصل أيت حديدو وايت  مرغاد هو امضغاس وايت يحيى غادرت أغبلو نكردوس في ظروف تاريخية معروفة وأصل أيت يزدك تيزكي .لقد عرفت هذه الجهة من المغرب ميلاد أحلاف قبلية لعبت أدوارا مهمة وحاسمة في كثير من الأحداث خلال العصر الوسيط والحديث منها اتحادية أيت تيايرت منهم أهل تدغت وأيت سنان وأيت يزدك حسب البيدق  اأحد  الممؤرخين في بلاط عبد المؤمن بن علي (1)وقد دون هذه المعلومات أثناء حملة هذا الاخير إلى المنطقة خلال القرن 12م وأيت ادراسن .كلها قوى قبلية لها في تاريخ المغرب شأوا كبيرا.وبانتماء سجلماسة إلى هذا المجال الجغرافي فقد كان الجنوب الشرقي محط أنظار جميع القوى السياسية المتعاقبة على حكم المغرب سواء محلية أو انطلاقا من القيروان( العبيديين مثلا)أومن الأندلس( المر وانيين).
بتصفح المصادر التاريخية المهتمة بأنساب القبائل وأماكن استقرارها لم نجد ضمن أسماء هذه القبائل المشكلة لحلف أيت يفلمان في بدايات العصر الوسيط إلا أيت يزدك والعناصر الأخرى  ولم يتم الإشارة إليها إلا في المصادر الحديثة ليس أنها بعيدة عن المنطقة ولكن الاسطوغرافية  التقليدية تهتم بأخبار الملوك والقبائل المحيطة بالعواصم المغربية القديمة .ولاتهتم  بنظيرتها النائية إلا في من خلال مصادفتها في الحركات السلطانية .
أيت يفلمان :عبارة أمازيغية مركبة من كلمتين: أيت وتعني أهل ويفلمان بفتح الياء وتعني وجد الآمان وبضمها تعني الآمان أحسن وأفضل .والمغزى العام من العبارة والشعار هو تحقيق الآمان ونبذ الفوضى والسبة  واللااستقرار وتفادي الصراعات القبلية الغير المفيدة لجميع الأطراف.وهذه الغاية الكبرى من تأسيس هذا الحلف في ظرفية سياسية واقتصادية متميزة عرفها المغرب بعد وفاة المنصور الذهبي المتسم عهد بالرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي والوحدة الوطنية .وانقلاب الوضعية إلى عكسها نتيجة صراع أبناؤه حول السلطة وتشتت المغرب إلى كيانات وإمارات متصارعة؛واتحادات قبلية لتقوية الذات وضمان الموقع ضمن الخريطة السياسية للبلاد خاصة وباستحضار الفترة الزمنية التقريبية  التي تأسس فيها الحلف  من طرف أربعة قبائل أيت يزك أيت مرغاد ايت حديدو وايت يحيى وعرب الصباح(1055ه/م 1646م(2) المتميزة بالصراع القوي المحتدم حول السيطرة على سجلماسة والجنوب الشرقي عموما بين الدلائيين ومحمد الشريف  ولن نحسم بان تلك السنة هي البداية فتاريخ تشكيل وإنشاء الحلف يبقى من الإشكاليات التاريخية من الواجب التعمق فيها وتخصيص بحوثا مستفيضة في شأنها  وعلى  مايظهر سواء من الرواية الشفوية المتواترة بين الأجيال وانطلاق من بعض الإشارات الواردة في الحوليات التاريخية يتبين أن حلف ايت يفلمان لم يتكون دفعة واحدة وإنما تأسس عبر مراحل وخلال فترات تاريخية متباعدة ويتجدد بعد الأزمات والاضطرابات الناتجة عن الحروب وضعف السلطة المركزية في البداية ضم كروان  وأيت يزدك لتلتحق القبائل الأخرى في الأزمنة اللاحقة. ولعل وثيقة سيدي بويعقوب  خير دليل على كون الحلف يتجدد وفق رغبة السلطة وبإيعاز من الزوايا المحلية بمبادرة من القبائل المعنية لإعطاء الشرعية السياسية والدينية للتحالف ولم تنسحب قبائل كروان الحلف الا بعد بعد معركة زيان بين السلطان المولى سليمان وأيت ومالو1820م.  . والمسألة التي ينبغي التأكيد عليها أن الأحلاف القبلية تكونت  بالجنوب الشرقي إبان انهيار السلطة المرينية وظهور قوى محلية جديدة  في شخص القبائل المعقلية المستفيدة  من الوضع المتميز منح لها من قبل السلاطين المرينيين.  بينما أشارا لأستاذ لحسن أيت الفقيه بأن الحلف تكون إبان مجاعة 1522م( 3).
*أيت يفلمان والزاوية الدلائية: رغم تمكن الزاوية الدلائية من إخضاع عدة قصور بمنطقة زيز وغريس فأن أيت يفلمان لم ساندوا هذه اللامارة من قريب أو بعيد؛في حروبها مع مختلف الإمارات المتصارعة حول السلطة.ولم تذكر المصادر التاريخية حضور هذا الحلف إلى جانب الإمارة الدلائية.وبعد الحرب التي شنها المولى إسماعيل  سنة 1679م على أحمد بن عبد الله بن محمد الحاج الدلائي العائد من نفيه يتلمسان والذي حاول إحياء أمجاد أجداده ساند أيت يفلمان السلطان ضد أيت يدراسن العصبية القبلية لأهل الدلاء بإيعاز من أحد أبناء سيدي بويعقوب دفين أسول بأمر السلطان المولى إسماعيل الذي زار الزاوية خفية.وبعد هزيمة القوة الدلائية تم تفتيت الفصائل المكونة لجيشها واستغلت قبائل أيت يفلمان الوضع لتتقدم أكثر نحو أعالي زيز بعدما كان معظمها بغريس وتودغا العليا.لتستوطن المجال الوظيفي الخاضع سابقا لأيت يدراسن .وأصبحت هي المتحكمة في المحور الطرقي العمود الفقري للتجارة بالمغرب فاس سجلماسة ثم السودان ومنذ سيطرتها على على واحة تعلا لين في شخص قبائل أيت يزك تبوأ حلف أيت يفلمان مكانة بارزة في الأطلس الكبير الشرقي وتافيلالت وساهمت في إعادة  توازن القوى بالمنطقة. خاصة بعد الهزيمة النكراء التي ألحقت بايت ومالو بعد محاصرتهم من جميع الجهات وقد شاركت أيت يفلمان في هذا الحرب إلى جانب السلطان حيث بعث الى أهل تدغة وفركلة وغريس والصباح ااأن يقدموا بجموعهم على علي بن يشي  وبعث إليه مع ذلك بعسكرالطبجية بالمدافع والمهاريس وسائر آلات الحرب.ونزل ايت يمور بقيادة علي بن بركات تغالين  ومساهل نزل خلف ايت يسري بوادي العبيد.(4)
*حلف أيت يفلمان والزاوية الدرقاوية:تأسست الزاوية الدرقاوية بشمال المغرب على يد عبد الله بن محمد بن يوسف المعروف بودرقة نسبة الى واقية من الرصاص يضعها في المعارك والحروب وامتد نفوذها وإشعاعها الروحي ليشمل ويعم  مناطق عديدة من المغرب خلال القرن التاسع عشر الذي عرف بقرن الزاوية الدرقاوية بامتياز.وبناحية تافيلالت تم تأسيس فرع للزاوية الدرقاوية على يد ابن القاضي المدغري المشهور محمد بن الهاشمي المسمى محمد العربي الدرقاوي( 1801م -1892م) ؛وبسرعة فائقة امتد نفوذها الدعوي إلى كل التجمعات السكانية بالأطلس الكبير الشرقي .وكان مركز الزاوية بأكاوز قرب قصر تينغراس التاريخي بأحواز سجلماسة ثم مركز آخر برحمة الله بالرتب لتقريب الزاوية من قبائل القسم الجبلي من تافيلالت.  وتحتفظ الذاكرة الجماعية لساكنة أعالي زيز بروايات شفوية تشكل أدلة تاريخية ومصدر أساسي لكشف حقائق تاريخية حول العلاقة الوطيدة بين مولاي العربي الدرقاوي وحلف أيت يفلمان وتنير الكثير من الأركان الدامسة والزوايا القاتمة حول تاريخ تافيلالت ومحيطها الجبلي خلال القرن 19م المتسم بوضع خاص واستثنائي بعد استعمار الجزائر 1931م وبعد هزيمة اسلي التي كان الآثار البالغ على المنطقة خاصة والمغرب بشكل عام والمغرب .فقد استغلت قبائل أيت عطا الوضع المختل بالمنطقة بتحالف مع بعض البطون المعقلية عن طريق مؤسسات عرفية"( تافركانت  وتاضا") مثل بني محمد وأهل فزنة(5) للسيطرة على المنطقة ومضايقة القبائل المجاورة  في مجالاتها الوظيفية.وفي الربع الأول  من القرن التاسع عشر تم تجديد وإحياء حلف ايت يفلمان  بمباركة الزاوية الدرقاوية لمواجهة أيت عطا  في معركة تلوين الشهيرة والتي أفاض ميشيل دوفوكو في وصفها فقد خلالها اللفين المتحاربين خيرة من رجالها وأبطالها الشجعان وكانت الهزيمة من نصيب ايت عطا .
 اجتمع  الزعماء التاريخيين لقبائل ايت يفلمان بامطغاس للمشاورة وتحديد  بنود الاتفاق منهم :"سكو  بويخف "قائد ايت حديدو ؛"على وهناش" قائد ايت مرغاد"؛إبراهيم نتاعكيت" قائد ايت يزدك؛"وموحى وعقا "قائد ايت يحيى ثم عرب الصباح (6)إن  المبدأ العام المتفق في شأنه هو الوحدة في إطارا لاحتفاظ على بعض الخصوصيات المحلية لكل قبيلة.هذه نقطة ضعف حلف أيت يفلمان لأنه لم يصل إلى مستوى الاندماج الكلي عكس لف أيت عطا المبني على قاعدة الجد الموحد "دادا عطا" شعار يجسد الرابطة الدموية العنصر الأول والأخير في الانصهار العشائري وتكوين الحلف .أما ايت يفلمان فالمصلحة الاقتصادية المشتركة تشكل القوة الكامنة  وراء ظهور الحلف لهذا فالتحالف ظرفي ومؤقت ومهدد بالتصدع في كل اللحظات.وبالرجوع إلى القيادة نلمس ذلك الاختلاف بشكل جلي فإذا كان الحلف الأول (أيت يفلمان)بقيادة جماعية ممثلة  في زعماء القبائل الأربعة فان الحلف الثاني كان بزعامة فردية مجسدة في القائد العطاوي المشهور" سعيد وفول"الذي قاد اللف خلال معركة تلوين.وانطلاقا من التفاوت والاختلاف البارز على مستوى طبيعة القيادة ذهب البعض بعيدا للحديث عن كفدرالية ايت يفلمان بدل الحلف.ومن البداية طرح مشكل الزعامة حيث تم الاتفاق على اعتماد مجلس للقياد من خلاله يتم التفاوض للحسم على الإشكالات المطروحة من بينها على سبيل المثال الخطة الحربية لمواجهة ايت عطا إبان معركة تلوين.وقد لاحظ ولامس الشيخ محمد العربي الدرقاوي ذلك المشكل القائم حول القيادة .وحاول إصلاح ذات البين كما تحكي الرواية الشفوية(7) بإلقاء خطبة موعظة على الزعماء  شبه في مضمونها  الحلف بشجرة نخلة يشكل أيت حديو جذعها وأيت مرغاد عرجونها  وايت يحيى سعفها بينما أيت يزك لقاحها المعروف محليا ب"الذكار" والنخلة الشجرة الوحيدة التي تشبه الكائنات الحية من الثدييات في عملية التخصيب والإنجاب حيث يتم رش العرجونات الأنثوية بنظيرتها الذكرية فيتحول البلح إلى ثمرة حلوة قابلة للاستهلاك وإذا لم تتم العملية لن يأخذ التمر ذلك المذاق الحلو الفريد وهذا التميز يمنح للنخلة مكانة مقدسة لعدة اعتبارات في لب الذهنية العامة للساكنة  .وهذا التشبيه العجيب دليل واضح على الذكاء الخارق للشيخ الدرقاوي فاختيار النخلة ليس اعتباطيا فهي الشجرة المقدسة في الواحات الصحراوية المغربية والعربية عامة لما توفره من مادة غذائية مفيدة للساكنة وكونها وسيلة للعيش وبفضل الحلاوة الطبيعية التي تميز ثمارها والمنافع العامة للشجرة على الإنسان .زيادة على وجودها في الأرض المقدسة بالحجاز مكان دفن الرسول وبقعة نزول الوحي ومحاج  المسلمين من جميع بقاع العالم انه شكل من أسلوب الصوفية والطرقية  بالمغرب حيث استحضار الديني والروحي في الوصايا والمواعظ وكل الخطوات اليومية بين الشيخ والمريدون والأتباع والمناصرون بهدف غرس و  زرع بذورا لوحدة والتضامن وجمع الشمل ونبذ الخلاف والصراعات بين القبائل .فالحلف شجرة نخلة مقدسة بدون الجذع لا وجود  للجريد والأغصان وبلا اللقاح يستحيل إعطاء ثمار جيدة يستسيغ أكلها  فكل مكون له وظيفته الخاصة وينطبق ذلك على الحلف فلكل قبيلة مكانتها الخاصة وأن غياب ركن من الأركان الأربعة للحلف لن يصمد كثيرا ومصيره التصدع والانشقاق؛  وفي التكامل تكمن القوة والكل لن يتشكل الا بدعم من أجزائه الرئيسية.وبطريقة ذكية ولبقة قسم الشيخ الدرقاوي الأدوار بين الزعماء دون إقصاء وبإرضاء جميع الأطراف.  وحسب الرواية الشفوية المتداولة بالتواتر بين الأجيال بأعالي زيز فقد  كانت القبائل تزور الزاوية لتقديم الزيارات والتبرك بالشيخ بشكل دوري .وخلال إحدى زيارات قبائل أيت حديدو لمقر الزوايا كان الطقس باردا منغمسون ومدثرون في البرانس والصمت يعم جمعهم ودخل الشيخ إلى قاعة الضيوف فوجدهم على هذه الحالة .فخاطبكم الشيخ ما خطبكم يا أخوالي من أيت حديدو صامتون ؟فأجاب زعيمهم يا شيخ نحن عوام لانتقن الأمداح مثل المريدون .فقال لهم بالأمازيغيةالتي كان الشيخ يتقنها " kat  asanfe t zwourmtne " وأضاف"hate orda itmoune d ighboula ghasse isnnane    . "inite  "لااله إلا الله واستغفر لله ولاحول ولاقوة الابالله  ؛ ونحاول ترجمة المقولة لتقريب مضمونها للجميع. فقد حث الشيخ زواره من أيت حديدو  للمرور عبر طريق مختصر للوصول قبلهم( أي المريدون).والمسلك القصير والقريب المسافة حسب الشيخ  هو الإكثار من ذكر الله .والقيمون بالزاوية رغم حفظهم للقرآن والأوراد فالزوار أفضل منهم بكثير.و النية ابلغ من العمل لأن  قصد الزاوية من أماكن بعيدة مع إحضار الهدايا من الزرع والماشية دليل واضح على قوة وصفاء إيمانهم عكس الأتباع ولعل تشبيههم من قبل الشيخ  بالأشواك المحيطة بعين جارية خير برهان  على أن مكانة وقيمة الزوار أحسن  بكثير من مرددي الأوراد والأمداح(8) .فوجود الزاوية رهين بالعطايا والهبات والأوقاف المحبوسة عليها من طرف الأنصار والزوار لكونها  موارد قارة ؛ تعتمد عليها  الزاوية في عملية الإطعام وإيواء المحتاجين من الفقهاء والطلبة وغيرهم.
لقد بلغ حلف أيت يفلمان أوج وذروة قوته خلال النصف الثاني من القرن 19م بالسيطرة على الطريق الرابطة بين فاس وسجلماسة في شخص قبيلة أيت يزدك التي استوطنت واحة تعلا لين والخنق وفم اغيور ولم تكتفي بهذا بل تم الاستحواذ وتعمير كل الأراضي التابعة سابقا لكروان وايت عياش  بعد إجلائهم  عن المنطقة  بداية النصف الثاني من القرن19م.ليمتد نفوذ أيت يزك إلى قصور اوطاط بالسفح الشمالي لجبل العياشي وشمل أيضا قرى كير ومناطق بواحات الصحراء الشرقية ؛ تحت قيادة إبراهيم وسومور اليزدكي.فوظيفة اللقاح وما يحمله من رمزية التي منحها الشيخ لأيت يزدك ضمن نخلة  حلف أيت يفلمان  برزت دلالته  بوضوح  بعد سنوات من تجديد وأحياء الحلف فقد فطن الدرقاوي بل تنبأ بمستقبل أيت يزك في إطار اللف بصيغته الجديدة وانطلاقا من الوضعية العامة لتاقيلالت خلال الفترة المعنية.  فوجود القبيلة بالمراكز الهامة حول الطريق التجارية فاس تومبوكتو وعلى مسافة طويلة والسهر على تأمين المرور مقابل إتاوات ورسوم جمركية باللغة المعاصرة  يجعل من القبيلة الفصيل الأكثر قوة والأكثر حضورا المغرب خلال تلك الفترة الحرجة من تاريخ المغرب الحديث.
كانت معركة تلوين 1883م آخر معركة بين اللفين المتصارعين حول المجال . وبعد هذا النزال بدا المستعمر الجاثم على الجارة الجزائر يتحرش  بالواحات   الشرقية فانكمشت واضمحلت الخلافات والنزاعات المحلية والداخلية بمنطقة تافيلالت .فانطلقت التعبئة الشعبية من أجل التأهب والاستعداد لمواجهة المستعمر الغاشم ؛واتحد الجميع بهدف مقاومة الغزاة.وبعد تسع سنوات من المعركة توفي الشيخ محمد العربي الدرقاوي وانعكس الوضع الجديد سلبا على الحلف  وعمت الفوضى جموع الأطلس الكبير الشرقي بعد إن كان مجتمعا منضبطا ومؤ طرا من طرف الزاوية الدرقاوية.
 فقام السلطان الحسن الأول بزيارة إلى المنطقة في إطار  الحركات السلطانية 1894م . وتوفي سنة بعد ها بتادلا.
ازدادت الأمور تعقيدا  بعد وفاة السلطان الحسن الأول واشتدت أعمال النهب والسرقة وانعدم الأمن في الطرق.وأمسى وضع  الحلف صوريا لم تعد بنوده تلزم الكثير من البطون القبلية،واحتدمت الصراعات الثنائية بين حلفاء الأمس حول المراعي في الحدود بين القبائل .ومن جديد التحم الحلف مؤقتا لمواجهة الاستعمار خلال معركة بوذنيب 1908م  انفضت جموع المقاومة تحت وابل من القنابل والرصاص وكان ذلك آخر مسمار يدق في نعش حلف وتعاقد أبت يفلمان.حيث اكتسح المستعمر أراضي داخل المجال الوظيفي لقبائل أيت يزذك  بمقاومة طفيفة .وبعد سنوات قليلة وصل إلى الريش وبدأ يهدد المجال الوظيفي لقبائل ايت حديدو الذي شهد أعنف المعارك بالأطلس الكبير الشرقي.وكانت معركة أيت يعقوب أولها التفت خلالها بعض فصائل أيت يفلمان إلى جانب ايت حديدو نجد أيت مرغاد وأيت يحيى .وآخرها معركة بادو1933م.
بعد استكمال عمليات التهدئة بلغة المستعمرة والقضاء على المقاومة  بالجنوب الشرقي تم تعيين قواد محليين على قبائل أيت يفلمان (عدي وبيهي ايت يزدك- رهو ونو أيت حديدو – علوبان على أيت جرهور-وعرجي على أيت مرغاد........ .وتم تأسيس المحاكم العرفية بمراكز ضباط الشؤون الأهلية للفصل في القضايا المعروضة على أعيان القبائل يسمون ايت المجلس الذين يتداولون في القضايا حسب العرفي المحلي.ذا لم يستطيع المجلس الحسم والبث في القضية تعرض على محكمة الاستئناف بمركز "ولغازي باميلشيل
خضعت قبائل أيت يفلمان للمستعمر الفرنسي مدة وجيزة خاصة بالقسم الجبلي إذ لم يمكث فيه الاحتلال إلا ربع قرن من الزمن تقريبا.
نال المغرب الاستقلال الشكلي 1956م وتم تعييين عدي وبيهي عاملا على تافيلالت وانتعشت القبائل المنضوية تحت لواء الحلف مدة وجيزة . بعد عصيان هذا الأخير تم تعيين محمد بن العربي العلوي بديلا عنه.  ونظرا لتغيير الأنشطة الاقتصادية للساكنة ولم تعد الفلاحة النشاط الوحيد الممارس بالمنطقة؛ استقطبت المدن الكثير من الساكنة القروية واختل التوازن بين المدينة والبادية.فظهرت مدن محل مراكز قروية  بمنطقة ايت يفلمان مثل الرشيدية ؛الريش كولميمة ؛ميدلت.....ببناء الإدارات العمومية من الجماعات المحلية؛ والمستشفيات والمدارس.أما الأطر العاملة بكل هذه المؤسسات فقد قدمت من المدن والقرى من خارج المنطقة. وبدأت تتشكل مجتمعات متجانسة  بقبائل مختلفة . وايت يفلمان اختزل بعد كل هذه التحولات الطارئة على بنية المجتمع المغربي بعد الحماية الفرنسية في مجال شاسع يشمل الأطلس الكبير الشرقي ثم واحات غريس وزيز.واختفى التحديد العرقي والقبلي ليصبح المعيار الجغرافي هوا لمحدد الفعلي في تعريف اسم ايت يفلمان.
بعد جفاف 1980-1981م نفقت الكثير من رؤوس الماشية للرحل وأنصاف الرحل من أيت  يفلمان واستقر الكثير منهم بهوامش المدن الرئيسية بالمنطقة خاصة مدينة الريش والتي أصبحت خلال العقود الأخيرة عاصمة ايت يفلمان بدون منافس .ومن المطالب المستعجلة والتي لاتقبل التأجيل ضرورة جعل المدينة إقليما على غرار ميدلت وتنغير.على كل الفعاليات بالريش الاهتمام بهذا المطلب الملح .مع الانكباب على انجاز البنيات التحتية خاصة الطرق لفك العزلة على مجموعة الدواوير البعيدة بين شعاب الجبال لربطها بالريش المدينة التي تمارس سلطتها ونفوذها الاقتصادي على المجال الجغرافي المعروف بايت يفلمان لاوجود للمدينة بدون محيطها من القصور الممتدة على مسافات طويلة 150كلم نحو اميلشيل .60كلم في اتجاه أفراسكو آخر قصر على واد أيت يعقوب .50كلم نحو زاوية سيدي حمزة وتازروفت.70 كلم تسراولين أخر قصر على واد بنرات.90كلم نحو أسول  .50كلم في اتجاه كرامة والقرى المجاورة لها. كل هذه المعطيات البسيطة تبين بأن مدينة الريش سوف تنمو وتزدهر اقتصاديا ولن يتحقق ذلك إلا بتنمية المجال الجغرافي لأيت يفلمان.
 يشكل المجال الجغرافي المتمد على مساحة شاسعة تشمل الأطلس الكبير الشرقي وبعض الواحات المنتشرة على ضفاف أهم الأودية ورافدها النابعة من السلسلة الجبلية السابقة الذكر خاصة زيز؛غريس؛ وكير عبر التاريخ الطويل الذي حاولنا اختزاله في مراحل حاسمة في المسار التاريخي الغني بالمنطقة إقليما منسيا في الماضي والحاضر رغم وجوده قي قلب أهم الأحداث النوعية والمتميزة في  تاريخ المغرب وكل شمال إفريقيا بقربه من سجلماسة أ قدم العواصم من جهة واعتباره ممرا رئيسيا للهجرة من الجنوب إلى الشمال ظاهرة ميزت من العصور الغابرة.

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة في البحث :
1-أبوبكربن علي الصنهاجي (البيدق).أخبار بن تومرت.دار المنصور للطباعة –الرباط 1971م.
2-اسما عين يعقوبي؛الشيخ ابو يعقوب يوسف الامغاري دفين أسول.الجزء الأول ؛الطبعة الأولى 2012م.
3-لحسن أيت لفقيه؛اميلشيل بين جدلية الانغلاق والانفتاح.
4_أبو العباس بن خالد الناصري؛ المجلد الثالث.دار الكتب العلمية لبنان الطبعة الثانية 2010.
5_مجلة قراءات العدد 4ربيع 2006.
6_الشعر الأمازيغي بمنطقة اميلشيل: بحث لنيل الإجازة في الأدب الموسم الدراسي 1997-1998م.من انجاز الطالبين :احمد أيت ساين؛الحسين أمعجون.
7-الرواية الشفوية:والدنا :. علي بن حماد بن الراضي بن محمد الغازي بن وبطيب بن أحمد أبو الطيب دفين تاعرعارت القادم من زاوية ايت إسحاق بعد سحق الزاوية الدلائية إبان معركة بطن الرومان 1968م .ازداد ولدنا يوم 11يونيو 1929م بقرية تحيانت يوم معركة أيت يعقوب التاريخية .ورحل صحبة أسرته وهو صبي لم يتمم أسبوع من عمره  إلى تاكوديت بمنابع ملوية وهناك تم الاحتفال بيوم العقيقة.


تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟