الخميس 17 آب

أنت هنا: الصفحة الرئيسية فلسفة وتربية

التلميذ و"المعنى" - نور الدين العمارتي

انفاس1 – المعرفي والمعنى:
في كتابه التربية الوظيفية كان إدوار كلاباريد قد أكد بأنه لا يكفي القول بأن مهمة المربي تتمثل في تنمية ذكاء مرباه، لأن السؤال الأساسي يبقى هو "إلى أي حد يمكن القول بأن اكتساب المعارف يستجيب لهذا الهدف؟" وفي نفس الاتجاه سار ديوي عندما اعتبر أن "كل درس ينبغي أن يكون جوابا"، والجواب لا يمكن أن يكون إلا نتيجة تحريك لحاجة معرفية سبق وأن طرحت بشكل صحيح وبدرجة كافية من الإدهاش والتساؤل. وتوالت النظريات والتجارب بين مغال في نزعته المعرفية (العقلية) المغرقة في شكليتها والمتقوقعة حول الطابع المنطقي/المجرد للأفكار وبين من ينظر إلى المعارف لا كوسائط شكلية، نهائية وجاهزة، بل كحياة متجددة تحرك الإنسان ويبدعها الإنسان في مغامرة لا تنقطع وتفاعل لا يفتر.
إن المقاربة المعرفية/العقلية (Le Cognitif) تعرف اليوم تجدرا وتحولا يسير نحو إعادة الاعتبار للبعد الثقافي لفعل التعلم. فحتى لدى أكثر البنائيين صرامة بدأنا نسمع عن شيء اسمه "سيكولوجيا ثقافية"، وعن أهمية أن يكون لما يتعلمه الفرد معنى يحرك الرغبة في الدخول إلى المعرفة وتمثلها انطلاقا من خلفية ثقافية موجودة سبقا. إن المعرفي (العقلي) بدأ يتجه اليوم إلى ما يصطلح عليه بما وراء المعرفي (العقلي) Le Metacognitif، أي التحليل الذي تقوم به الذات المتعلمة لوظيفتها الثقافية الخاصة قصد إيجاد نسق تفسيري Système Explicatif يتناسب مع المشكلة المطروحة أمامها، لأن اكتساب معارف جديدة يعني –كما يقول جيوردان Giordan- "إدماجها في بنية تفكير موجودة مسبقا ومكونة من معارف خاصة سابقة على الوضعية التربوية".
إن التعلم بهذا المعنى، يصبح عبارة عن تشغيل لقدرات محددة على معارف محددة ولا مجال للحديث عن قدرات عامة قابلة للتحويل (Transfert) أوتوماتيكيا. وبهذا تعد المعارف في اختلافها قابلة للرسوخ البنيوي La prégnance كإضافات حقيقية وليس كوسائط شكلية ترسخ قدرات متعالية على المعاني الحقيقية لوجودها وانتقالها وتطورها.

اِقرأ المزيد...

الرغبة والمعرفة - محمد بوبكري

تكثر مواضيع الرغبة وتتعدد، وهي فريدة في حد ذاتها. كما أنها قوة وتأكيد وإثبات وحضور، قوة حاضرة وقوة محدودة. إنها أساسية لكونها تشكل ماهية الإنسان حتى تستمر كينونته. وتذكرنا  J.Beillerot أن الرغبة طموح أولي Aspiration première، وهذا ما يجعلها لا نهائية. كما يؤكد سارتر Sartre أن معناها هو تطلع الفرد إلى أن يصير إلها Dieu. وهكذا تثبت رغبة الإنسان نزوعه وتطلعه إلى تفعيل كينونته (Lacan, 1966).
وتضيف J.Beillerot: "إن الرغبة هي السبب، وليس الموضوع هو الذي يسبب الرغبة (Beillerot, 1996). وإذا كانت الرغبة هي المعطى الأساس، وإذا كانت تعرف باعتبارها كذلك وليس انطلاقا من موضوعها، فإنها لا يمكن أن توجد إلا في شكل رغبة في…، إذ ليست هناك رغبة بدون موضوعها. وفي نهاية التحليل، فإن الرغبة تكون في الآخر، إنها من منظور هيجل Hegel رغبة الذات في اعتراف الآخر بها ورغبته فيها. كما أنها من منظور روني جيرار René Girard رغبة في رغبة الآخر فينا، إذ لا يمكنني الاستيلاء على كينونة الآخر إلا من خلال استيلائي على رغبته. إن الغير هو هدف الرغبة، إنه دائما الآخر، ولا تقوم الرغبة إلا على رغبة أخرى، إذ أنها ترمي إلى ما يشكل رغبة لدى الآخر. وفي نهاية المطاف، فإن جوهر رغبتي هو رغبة في أن يتم الاعتراف بالقيمة التي أمثلها وممارستها من قبل الآخر. وهكذا تعني الرغبة أنه يجب أن يكون الغير آخر بالنسبة إلي وأكون نفس الشيء بالنسبة إليه. وبعبارة أخرى، يجب أن يكون الآخر ذاتا حرة حتى يكون لكلامه معنى أمام عيناي وفي مسمعي وذهني؛ وإلا فإنه لا يمكنني أبدا أن أكون آخر بالنسبة إليه، حيث إنه إذا لم يكن حرا سأصير أنا ذاتي موضوعا. فإذا لم يكن الغير حرا، وإذا كان مسيطرا عليه، فإنني لن أتأكد أبدا من حريتي الخاصة.  
ليست الرغبة تحويلا لنزوة بيولوجية. إنها في الآن نفسه غياب الذات عن نفسها وحضورها في الآخر. فالذات الباحثة عن نفسها والمتفتحة على الآخر والمنفتحة على العالم هي التي تدرك المعنى وتمتلكه. وكل علاقة للذات بذاتها هي علاقة بالعالم وبالآخر. وكل علاقة للذات بالآخر هي علاقة بذاتها. وهذه العلاقة المزدوجة –التي هي بالفعل علاقة واحدة- هي علاقة بين الأنا والآخر في عالم نشترك فيه، عالم أوسع من علاقتنا ومتجاوز لها. وتدخل هذه المسألة في إطار الأنثروبولوجيا، إذ تستمد، كل من الذات ورغبتها، معقوليتهما من خلال خصوصية الوضع البشري La condition humaine. فمن هنا يجب البدء، وهذا الوضع البشري هو ما يجعل من الإنسان الصغير ذاتا مرتبطة بالآخر وراغبة فيه ومشتركة في العالم مع ذوات أخرى، بل مغيرة له معها. إن هذا الوضع هو ما يفرض على الإنسان الصغير اكتساب العالم وبناء ذاته بنفسه ومن قبل الآخرين.
فمن خلال خصوصية الوضع البشري يكون الإنسان غائبا عن ذاته. إنه يحمل هذا الغياب في ذاته باعتباره رغبة في ما ينقصه. وهذه الرغبة التي هي دائما في العمق رغبة في الذات وفي ذلك الكائن الذي ينقصها، هي رغبة لا يمكن إشباعها، وذلك لأن الإشباع هو إعدام للإنسان باعتباره إنسانا.

اِقرأ المزيد...

البيداغوجيا المؤسسية - عبد الفتاح ديبون

انفاسفي سنة 1958 اقترح الدكتور جون أوري مصطلح "البيداغوجيا المؤسسية" La pédagogie institutionnelle معلنا بذلك إمكانية استفادة الحقل البيداغوجي من منجزات علم النفس العلاجي La psychothérapie(1). وفي سنة 1965 أصبح الاقتراح رسميا(2) ليعبر عن تيار ظل على امتداد الستينات وما بعدها توجها جديدا في مسار "التربية الجديدة" في فرنسا خاصة. وقد تحكمت الخلفيات المعرفية في تقسيم هذا التيار إلى توجهين: الأول تبنى المقاربة اللاتوجيهية Nondirective والسيكوسوسيولوجيا، وتزعمه لوبرو Lobrot ولا باساد Lapassad والثاني تبنى المقاربة الفرويدية ومساهمة علم النفس العلاجي المؤسسي "La psychothérapie institutionnelle" وتزعمه فرنوند أوري F.Oury وعايدة فاسكيز A.Vasques(3). في هذا المقال سنتوقف عند التوجه الثاني لمعرفة مكوناته البيداغوجية وخلفياته، المعرفية.

ما هي البيداغوجيا المؤسسية؟
تعني البيداغوجيا المؤسسية مجموعة التقنيات والطرائق، والمؤسسات الداخلية، المنبثقة من الممارسة داخل الأقسام التعاونية Classes coopératives(4) في أفق خلق نشاط تربوي حر وهادف ومشترك، يساهم في إنجازه جميع الأطفال. وبذلك تكون المؤسسة استجابة لحاجات الطفل النفسية والاجتماعية والحياتية، كما تقرب المسافة بين المدرسة والأسرة، المدرسة والمجتمع، بتعويد الطفل على الانخراط في العمل الجماعي المنظم. ولتحقيق هذه الأهداف قامت البيداغوجيا المؤسسية على مكونات ثلاثة هي: الأنشطة، التنظيم، المؤسسات.

1 - الأنشطة:
ويقصد بها مجموع البرامج المنجزة داخل المؤسسة أو خارجها لتحقيق التعلم وهي:

اِقرأ المزيد...

التعليم وتحديات العولمة - عبد الله الخياري

انفاسمن المؤكد أن ظهور العولمة لا يعود بالضبط إلى سقوط جدار برلين، وبداية ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، بل إنها تعود إلى مرحلة أبعد، قد تصل إلى قرون خلت. غير أن الشكل الذي ظهرت به العولمة في العقد الأخير، وإيقاعها السريع في الانتشار وفي غزو كل الآفاق، بفضل اعتمادها على تقانة اتصالية جد متطورة، يعبر عن تحول نوعي في نظام العولمة وفي استراتيجيتها. ونظرا لأن العولمة كمشروع تاريخي هي عملية لم تنته بعد، فإنه يصعب الإلمام حاليا بكل خباياها، أو فهم القوانين المتحكمة فيها بدقة. لذلك فإنه من غير الممكن حاليا تقديم إطار مفهومي شامل للعولمة، بل يمكن فقط الاكتفاء برصد البعض من آثارها الدالة عليها ومنها:
ـ اقتصاد تتحكم فيه الشركات متعددة الجنسية، وتبادل تجاري غير متكافئ، في المجالين المادي والرمزي؛
ـ تقليص أدوار الدولة القومية، والسير في اتجاه إلغاء الحدود بين الدول؛
ـ ثورة عارمة في مجال الإعلام والتربية والاتصال، والتقانة المرتبطة بها؛
ـ شيوع ثقافة الاختراق التي تسعى لفرض قيم وفكر واتجاهات وأذواق استهلاكية منمطة؛
إن تشريح الظواهر السابقة ومساءلتها، سيؤدي بنا إلى تسجيل الملاحظات الأولية التالية:
1 ـ إن العولمة لا تعني بأي حال من الأحوال العالمية Universalité، وذلك رغم كل المظاهر الخادعة التي تحاول ارتداءها تمويها للحقائق. ففي الوقت الذي تطمح فيه العالمية للتفتح على ما هو عالمي وكوني، نجد أن العولمة تبقى سجينة نزوعها نحو إحتواء العالم. إن إرادة فرض نظام اقتصادي واجتماعي وثقافي وتربوي وحيد، لا يمكن أن يدخل إلا في باب إرادة الهيمنة واختراق الخصوصيات الوطنية. فما يميز العولمة عن الاستعمار هو اختلاف في أسلوب الهيمنة ووسائل فرضها. إن العولمة تلتجئ لخلق شروط تنطوي أحيانا على إغراءات لا تقاوم، تجعل الآخر يتقبل بسهولة ضغوط العولمة أو يطالب من تلقاء نفسه بإحدى منافعها الظاهرة.

اِقرأ المزيد...

أفكار حول إصلاح التعليم بالمغرب الراهن - محمد عابد الجابري

انفاسقضية التعليم وقضية العدل قضيتان مطروحتان في المغرب منذ الثلاثينات من هذا القرن، أي منذ أن جعلتهما الحركة الوطنية المغربية على رأس مطالبها الإصلاحية التي واجهت بها الحماية الفرنسية، قبل أن تنتقل إلى مطلب الاستقلال. وموضوعنا هنا قضية التعليم وحدها، وقد خصصنا لها ملفا غنيا في هذا العدد.
وما يهمنا هنا في هذا الحديث هو التذكير بما ظل يشكل "الثابت" الرئيسي في السياسة التعليمية في المغرب منذ الاستقلال، والذي يبدو أن بعض الجهات تريد تجاوزه إن لم نقل "التخلص" منه، على الرغم من أنه ظل "ثابتا" على مستوى الشعارات فقط، أما على مستوى التطبيق فإن ما تحقق في ميدان التعليم على مدى الأربعين سنة الماضية على استقلال المغرب ما زال بعيدا عن ما يجب. والرتبة المخجلة التي أعطيت للمغرب في التقرير الذي نشره مؤخرا برنامج الأمم المتحدة لسنة 1998، والذي عين لدول العالم مراتبها على مستوى التنمية البشرية، تضع بلادنا في مكان يشعر المرء معه، إن كان فيه بقية من ضمير وطني وإنساني، بالخزي والعار. ومعلوم أن من أهم المقاييس التي يعتمدها هذا التقرير في ترتيب الدول: انتشار التعليم وتعميمه ومستوى التشغيل ونسبة البطالة.

وما نقصده هنا بـ"الثابت" في خطاب السياسة التعليمية بالمغرب هو ما عرف تاريخيا بـ"المبادئ الأربعة"، وهي المبادئ التي أقرتها "اللجنة الملكية لإصلاح التعليم" التي كونها الملك الراحل محمد الخامس والتي عقدت أول اجتماع لها يوم 28 سبتمبر 1957. وكان تكوين هذه اللجنة في هذا التاريخ، في الواقع، إحياء للجنة تحمل الاسم نفسه شكلت أثناء الحماية، عقب الحرب العالمية الثانية، ولكنها فشلت في مهمتها خاصة بعد أن عدل الفرنسيون عن سياسة "التفتح" التي كان قد سلكها آنذاك المقيم العام الفرنسي في المغرب إريك لابون، مما دفع بالأمور نحو الأزمة التي انتهت بالمقاومة وجيش التحرير واستقلال المغرب.

اِقرأ المزيد...

العمل بين مطلب النجاعة ومبدأ العدالة - زهير الخويلدي

انفاس" العمل ليس مجرد ضرورة قاسية لا يستطيع الإنسان التملص منها بل هو في الوقت ذاته الإمكان المتاح له حتى يبلغ جدارة عالية"[1]
استهلال:
لم يوجد الإنسان فقط ليتأمل ويحب الحياة وينظم الشعر ويؤلف الموسيقى ويلهو ويلعب بل وجد أيضا ليعمل ويشقى ويكابد وينتج ويحول ظواهر الطبيعة إلى أشياء نافعة وينمى ثرواته ويمتلك جملة من خيرات ويطور فرديته ويستقل نسبيا عن الجماعة التي وجد ضمنها في السابق لاسيما أنه "كلما أخلد إلى الكسل كلما صعب عليه أن يعزم على العمل"[2]، لكن التوتر سيبرز والإشكال سيظهر عندما يجد المرء نفسه حائرا أمام إيجاد تفسير لعمله فهل هو وسيلة لتحقيق الربح بتقاضي أجر أم أنه غاية إنسانية نبيلة؟ وهل يعمل لتلبية الضرورة الطبيعية أم لتجسيم اختيار ثقافي؟ هل العمل هو مصدر الملكية وطريق نحو السعادة أم أنه يضفي معنى على الحياة؟
ما يزيد من حيرتنا هو تحول العمل من الحرفة إلى المانيفاكتورة ومن علاقة إنتاج داخل المصنع إلى علاقة تبادلية بين الدول في إطار التقسيم العالمي للعمل "عمل على تأبيد التبادل اللامتكافىء وتفاقمه"[3]، وقد انعكس التقسيم التقني للعمل كذلك سلبا على العمال وعوض أن يخلصهم من الملل صار هو الذي يسبب لهم ذلك وصاروا يعملون دون متعة وكما يقول دي توكفيل:"كلما تقبل مبدأ تقسيم العمل تطبيقا أكثر تقدمت الصنعة وانحط الصانع" وبالتالي عوض أن يحفظ العمل كرامة العامل ويحقق له الازدهار والرخاء المادي فاقم من بؤسه وجعله ينحط عن كرامة طبيعته ويحن إلى حياة البدائي الهمجية الحرة الواسعة.
إن الذي يدعونا إلى الاستشكال الفلسفي المعاصر لظاهرة العمل هو المفارقات التي أصبحت تطرحها والاحراجات التي بات تخلفها عند الإنسان العادي ومحترف الثقافة وممتهن الصناعة وخاصة تواجدها على عتبة البطالة والاستعباد وبين نحتها لماهية الإنسان وتسببها في فقدان الذاتية والتحول إلى آلة عاملة غير قادرة على التمتع باستهلاك قليل مما تنتجه.

اِقرأ المزيد...

مجموعات فرعية