الإثنين 22 كانون2

أنت هنا: الصفحة الرئيسية فلسفة وتربية فلسفة معنى أن تصير سينيكيا؟ ـ ادريس شرود

فلسفة

معنى أن تصير سينيكيا؟ ـ ادريس شرود

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse22126
إلى ريــم وريــان،
إلى الصغير قاسـم.                            
"إننا الوحيدون الذين لنا قلب صاف وأياد بريئة كالأطفال"
هولدرلين
تقديم
    تعبر حياة الفلاسفة السينيكيين(1) عن تجربة فريدة، نظريا وممارسة، إذ شكل فكرهم وأسلوب عيشهم كيفية وجود مغايرة، ومثالا ل"حياة فلسفية". فقد خلقوا نموذجا فلسفيا متميزا ومثيرا داخل الفضاء الفكري والإجتماعي اليوناني القديم، من خلال اعتراضهم على مجموع القيم التي سادت الحاضرة الإغريقية، وانتقادهم لمختلف التعاقدات الإجتماعية والقوانين السياسية والقواعد الأخلاقية التي تتحكم في حياة مواطنيها. وأبانوا عن سخرية من الأعراف التي تحكم الطعام والنشاط الجنسي واحترام السلطة، في حين مثلت تجربتهم في الحياة نموذجا لذلك التوافق الصارم مع الطبيعة وطريقة متميزة في الوجود مع العالم.
1-في البدء كانت السياسة
    لا يمكن فهم الرغبة القوية للحرية عند الفلاسفة السينيكيين، إلا بالرجوع إلى ذلك الإهتمام بشؤون المدينة وأزمة السلطة التي كانت تعاني منها المدن-الدول اليونانية منذ نهاية القرن الرابع والقرن الثالث قبل الميلاد، والمطالب التي كانت تصدر من فلاسفة مهتمين بما يجري داخلها، ككزينوفون وإيزوقراط. حيث أكد الأول في "المـأثورات" والثاني في "الخطاب إلى نيقوقليس" إلى الصفات والفضائل التي يتعين على الملك أن يحوزها ليقتدر على الحكم(2). إن هذه المطالب تدل على الإطار المؤسسي القديم الذي يحكم الحياة الإجتماعية والسياسية داخل المدينة/الدولة، والمعروف تاريخيا عند اليونان ب"الديمقراطية"، والتي كانت لها علاقة مزدوجة بالنخبة السياسية: فمن ناحية، يتم منح الحق في الحديث إلى الجميع ( إيسيجوريا)، ومن ناحية أخرى، لا يستطيع الجميع أن يتحدثوا( الباريسيا). ومن تم، فهناك مفارقة بين الديمقراطية والباريسيا: حيث تصبح الباريسيا متاحة فقط عبر لعبة قول الحقيقة بطريقة ديمقراطية على المستوى الرسمي، إلى أن الباريسيا تقحم النخبوية على الديمقراطية بطريقة تختلف تماما عن البنية الديمقراطية التي تتسم بالمساواة. ومن هنا تصبح الباريسيا خطرا يتهدد الديمقراطية، وفي نفس الوقت، لا يمكن أن تقوم الديمقراطية دون الباريسيا لأنها قلب البناء الديمقراطي للحكومة(3).

لقد شكلت المدن اليونانية مجتمعات أصدقاء أو متنافسين، وخلقت بينهم علاقات تنافس تقيم تقابلا بين الراغبين في جميع المجالات، في الحب وفي الألعاب وفي المحاكم ومجالس القضاء، في السياسة وحتى في الفكر(4). وفي ظل هذا الصراع والتنافس، كان كل مواطن يظهر قدرته على الذهاب أبعد من ذاته، متجاوزا نفسه والآخرين، ومخاطرا بمقامه وحياته. الشيء الذي ساهم في بروز خصوصية الفضاء السياسي الآثيني، بالإعلان عن تجربة فريدة في التاريخ حملت إسم "الديمقراطية"، والتي شكلت فضاء لقول الحق والكلام الصريح.
تجد التجربة الديمقراطية في آثينا جذرها في مبدأين:
-الإيزيغوريا l’isêgoria : التي تعني حرية الكلام، إنها الإمكانية المعطاة لكل مواطن حر من آثينا، سواء كان حرفيا أم محاربا أم فلاحا، في أن يقف داخل الجمعية لإبداء رأيه.
-الباريزيا parrêsia la: التي تردنا إلى إلى استخدام آخر للكلام؛ أي تناول الكلام بشكل شجاع من قبل رجل مبرز من أجل أن يقدم للشعب خطابا حقيقيا ودون مواربة(5).
تدل الباريسيا على كيفية وجود إرادية، مبنية على اختبار الذات وتجريب قدرتها على قول الحقيقة وعلى المقاومة. فالباريسياني كائن متفوق على نفسه ومتحكم فيها، يسعى إلى بناء ذاته كغاية نهائية لذاتها، وذلك بواسطة ممارسة الحقيقة مع نفسه ومع المجتمع، هو صاحب قول صريح في الفضاء السياسي، ويمثل بركليس Périclès هنا، نموذجا لكائن الباريزيا، كما يخبرنا ميشيل فوكو.
ستدخل حياة الفلاسفة السينكيين منعطفا مثيرا مع قيام الإمبراطورية الرومانية والأشكال الجديدة للعبة السياسية. بحيث نجد في بعض التيارات الفلسفية نصيحة بالإبتعاد عن الشؤون العامة وعن الإضطرابات والأهواء التي تثيرها(…). إن التحولات السياسية المهمة التي  حصلت في العالم الإستهلاني والروماني قد حثت على بعض التصرفات الإنطوائية؛ لكنها أدت بخاصة، وبصورة أكثر جوهرية، إلى طرح مسألية النشاط السياسي(6). يمكن اعتبار حياة الفلاسفة السينيكيين، وابتعادهم عن الحياة المدنية والسياسية واختيارهم لطريقة وجود مختلفة، علامة أولا على تحول جذري في تصورهم للحياة، وثانيا على تفكير نقدي حول مبدإ العلاقة مع الذات والآخر. غايتهم في ذلك هو تأكيد الحياة، وتحقيق الخلاص؛ أي راحة الضمير ataraxie والإكتفاء autarcie (أي، الإكتفاء الذاتي الذي يجعلنا في غنى عن أي شيء، في غنى عن الآخر أيا كان). وتكمن مكافأة الخلاص في نوعية العلاقة التي تقيمها النفس مع نفسها، وذلك عندما تصبح بعيدة عن الإضطرابات الخارجية أو عندما لا تبلغها الإضطرابات الخارجية، وعندما تجد كفايتها ولم تعد في حاجة لأي شيء آخر غير ذاتها(7).
2-الحكمة السينيكية: العلاقة مع الذات والآخر وأشياء العالم
    تتأسس حكمة الفيلسوف السينيكي على ممارسة الحياة الحقيقية، عن طريق الظهور الفجائي على مسرح الحياة العامة، والإتيان بالسلوكات الغير المتوقعة، والردود السريعة العنيفة والفظة، والإعتباطية في الأفعال، وغياب المهلة في إشباع الرغبات(8). لكنه يعتبر صاحب قول صريح -باريسيا- جعله ينسج علاقات مغايرة مع الذات والآخر وأشياء العالم:
- العلاقة مع الذات :
يقيم  الفيلسوف السينيكي علاقة خاصة مع نفسه، فهو لا يتردد في الكشف عن أفعاله وسلوكاته أمام الملإ؛ في الساحة العامة والأسواق، ضاربا عرض الحائط أخلاق المجتمع وأعرافه، وتمثلات الناس حول خير الأمور وشرها. فهناك إهمال ظاهر للإعتناء بجسمه، وبآداب المائدة، وبالرغبة في الحصول على منزل(اتخذ ديوجين البرميل مأوى له) وتكوين عائلة(لم يتزوج) والإنتماء إلى دولة(الإنتماء إلى العالم). لكنه منشغل أكثر بما سيحدث، وبالتحضير والإستعداد لمواجهة الأخطار والمصائب. وهذا يتطلب حسب دمتريوس Demetrius ممارسة وتمرّن وتكوين، حتى نكون أكثر قوة بالنسبة لكل ما يمكن أن يحدث لنا خلال وجودنا(9). ويستهدف هذا التجهيز والإستعداد تأهيل الجسد؛ فالجسم، يتم إخضاعه لأقصى التجارب بممارسة تمارين وحركات قاسية (كان ديوجين يستلقي على الرمل الحار صيفا، ويقبل التماثيل الرخامية الباردة شتاء، أما سقراط فكان يمشي حافي القدمين خلال فصل الشتاء ودون معطف)، أما الفكر، فيجب أن يتملك خطابا أو خطابات حقيقية وصادقة، موجودة في ماديتها، ومحتفظ بها في ماديتها، وقائمة على العقل؛ إنها أولا عبارة عن جمل، وعناصر للخطاب وللعقلانية: عقلانية تقول الحقيقة/الصدق وما يجب القيام به في الوقت نفسه، وهي ثانيا خطابات مقنعة بمعنى أنها لا تؤدي إلى الإقتناع فقط، وإنما كذلك إلى القيام بالأفعال(10) والسلوكات المعقولة، وتكون هذه الخطابات تحت التصرف وقابلة للإستعمال. ترتبط هذه الأفعال عند الفيلسوف السينيكي باهتمامه الكبير بالحياة الحقيقية المبنية على الصراحة والشجاعة والحكمة، ولب هذه الحياة هو ممارسة واحدة "إشهار" الحقيقة بالكلمات والأفعال(11). و"ممارسة القول الصريح مع الجنس البشري قاطبة" و"الحرب ضد الإنسانية جمعاء" احتراما لمبدإ "القول الصريح"(الباريسيا) (12).
-العلاقة مع الآخر وأشياء العالم :
ينطوي الإرتباط بالحياة الحقيقية على إعادة صياغة العالم، ومحاولة فهمه بشكل مختلف. ويتشكل هذا الفهم من خلال نموذج "المعرفة العلائقية" relationnel بين الذات وأشياء العالم، والتي تهدف إلى "تشكيل وتكوين معرفة بالعالم باعتباره تجربة روحية للذات" في علاقتها بنفسها، علاقة تكون فيها النفس ممتلئة ومنجزة ومكتفية بذاتها وقابلة لأن تنتج ذلك التحول الذي هو السعادة الذي تحققه النفس بنفسها(13). تظهر هذه المعرفة في نصوص ديمتريوس في شكل وصفات، يتعلق الأمر فيها، بمعرفة أن على الإنسان أن يخاف قليلا من البشر، وأن عليه أن لا يخاف من الآلهة، وبإمكانه أن يحتقر البهرجة والزينة، والنزق والطيش - أي المصائب وزينة الحياة معا – وأن عليه أن يعرف أن "الموت لا يسبب الألم، وأن ننتهي ونفنى"(14).
وتبرز العلاقة بالآخر، في المعارف التي يملكها الفيلسوف السينيكي، وفي أفعاله وتصرفاته وعلاقاته. فبالنسبة للمعارف، ما أن يكتسبها، حتى يتغير نمط وجوده، وبسببها -يقول ديمتريوس- "يتم احترامنا أكثر من قبل الآخرين، وبسببها نبتعد عن العواصف والهزات، ونبقى في هدوء دائم in solido et sereno stare: نستطيع أن نمكت ونبقى في العنصر الصلب والنزيه والصافي"(15). أما بالنسبة للأفعال والتصرفات والعلاقات، فالفيلسوف السينيكي يعيش دون ارتباطات، خاصة علاقته بالملكية والثروة المادية، وبالجاه والتشريفات التي تتطلب الإنخراط في الحياة العامة وضرورة حضور الآخر.
3-المسألة الإيتيقية عند الفيلسوف السينيكي
    تأسست الإيتيقا السينيكية بعيدا عن السياسية وقريبا من حياة الناس وعلاقاتهم الإجتماعية، أي قريبا من الموضوع السياسي، وهي ترتكز على رغبة قوية في تشكيل طريقة وجود مختلفة مبنية على:
-العيش وفق الطبيعية : السعادة لن تتحقق إلا بأن يحيا الإنسان على وفاق مع الطبيعة، وأن يسعى إلى أن يتحرر من كل القيود، وأن يكون مكتفيا بذاته، وأن يحافظ على استقلاله تجاه كل سلطة، داخلية كانت أم خارجية(16). فالمبدأ الأساسي في الحياة يجب أن يقوم على الحرية. هكذا كان ديوجين يرفض كل ما يقيد حريته، ويجعله عبدا للرغبات والشهوات والحاجيات، بما في ذلك الضرورية منها. فالحياة عند الفيلسوف السينيكي فعل محايث مبني على الإنخراط في الحياة اليومية بناء على ممارسات وسلوكات حقيقية، لا تأبه بالقيم والعادات السائدة التي "تضللنا، وتعمي عقولنا، وأبصارنا"(17). وقد استمد ديوجين إيمانه بالطبيعة من الحيوان(الكلب)، والشعوب البدائية، وأيضا الأطفال(18).
-كره المدنية والسلطة : لا يتمكن الفيلسوف السينيكي من تحمل الرغبات والحاجيات والمتع التي تميز الحياة المدنية، كالهرولة لجمع المال، وتوسيع النفوذ، وتحقيق الشهرة. فهذا أنتستاين يذهب مذهبا آخر في البحث عن الفضيلة، وهو معاداة المتعة بشكل متطرف بقوله:"أنا أفضل الجنون عن المتعة"، وكان يرى أن المتعة هي الشر أو البوابة إليه(19). كما يعلن هذا الفيلسوف عن اشمئزازه من القوانين و السلطة والمتملقين لها. فهذا أفلاطون رأى يوما ديوجين السينوبي يغسل الخص، فقال له:"لو توددت للحاكم لما اضطررت لهذا العمل، فأجابه ديوجين: لو غسلت أنت الخص.. لما اضطررت لتملق الحاكم"(20). لم يمتلك ديوجين إلا الإزدراء لأفلاطون وفلسفته المثالية ولمدينته الفاضلة وحكامها؛ فكان يواجهه فعليا بالسخرية والنقد لأفكاره وتصوراته، كتعريفه البليد لماهية الإنسان(حيوان بلا ريش ويمشي على قدمين)، وخضوعه الإرادي لقوانين المجتمع والحضارة المتمثلة في مجموع القيم والتقاليد والعادات، وتملقه للحكام ولأصاحب السلطة. إن الأمر سيان بالنسبة للفيلسوف السينيكي، سواء توجه إلى أصحاب السلطة أو عامة الناس، فالمهم هو قول الحقيقة بكل شجاعة وصراحة، حتى ولو أدى الامر إلى إثارة العقيرة أو زحزحة المقام أو المخاطرة بالحياة. إن "الإلتزام السياسي" عند الفيلسوف السينيكي، هو النطق بالحقيقة في نظام السلطة ومدى المخاطرة المفتوحة بالنسبة للذات الناطقة. وعلى هذا الإلتزام، سيلعب الكلام-الحق هنا دور المقاومة في وجه السلطة(21).
-تحقيق الإكتفاء الذاتي وخصوصية العيش في المدينة الواقعية : ويعني ذلك أن يعيش الإنسان حياة "الأريت"؛ هذا المفهوم اليوناني الذي يعني أن يعيش بدرجات من الإمتياز. وبعض الأحيان تعني أن يعيش الإنسان حياة الفضيلة. وتعني كذلك بأن يعيش الإنسان بأحسن ما يستطيع أو الوصول إلى أعلى الممكنات الإنسانية. وأن الطريق إلى "الأريت"، هو تحرير النفس من تأثير الثروة، والشهرة والسلطة، والتي لا قيمة لها في الطبيعة(22). إن المدينة التي يحلم بها الكلبيون لا تستبعد، بل على العكس تستدعي المدينة الفعلية الواقعية المبنية على قواعد صحيحة للإجتماع البشري، هذا ما يقوله أقراطس (نحو 328ق.م)، تلميذ ديوجينيس ومعلم زينون الرواقي، في قصيدة حفظها لنا الزمن:"في دخان الكبرياء الأحمر شيد الخرج، مدينة الكلبي التي لا يحط فيها رحال أي طفيلي، والتي لا تنتج سوى الصعتر والتين والخبز الذي لا يشهر السلاح على بعضهم بعضا ليضعوا اليد عليه"(23).
يبتغي الفيلسوف السينيكي العيش وفق الطبيعة، مكتفيا بذاته ومتمتعا بكفاية أدنى حاجياته. لا تثيره الاملاك والثروات، ولا الجاه والنفوذ والشهرة. فالإعتماد على الذات(23) وبساطة الحياة، والزهد في الإقبال على الرغبات واللذات، هي طريقه المقدس نحو التمتع بالحرية والسعادة، والمساهمة في تهذيب الحياة الإجتماعية بالإعتراض على تعسف الممنوعات وتعرية مختلف الأوهام، والإرتقاء بالكائن البشري عن طريق تعليمه كيفية التخلص من ثقل الاحكام الأخلاقية ومن الخضوع ل"العبودية الإرادية"، والتشجيع على محبة الحكمة وعيش "حياة فلسفية".
4-ديوجين السينوبي: المواطن الحر والمواطنة العالمية
     اتخذ ديوجين السينوبي(412-323 ق.م) من هرقليس مثالا له، جسّده في حياته؛ في مجموع سلوكاته وعلاقاته، واضعا مثله الحرية والإرادة الكاملة فوق كل اعتبار. واعتقد أن الفضيلة تفصح عن حالها في أفضل صورة في الفعل، وليس في النظرية. ذلك الفعل المبني على العقل، وعلى الجهد والمران الذاتي. كما أسس انطلاقا من تقليده لتفاصيل الحياة عند حيوان "الكلب"، كيفية وجود أصيلة وطبيعية، كما أبدع مفهوما جديدا -مطلوبا هنا والآن- وهو المواطنة العالمية Cosmopolitisme.
بالنسبة لحياة ديوجين، فهي متناقضة؛ فهناك ديوجين طالب المعرفة والمدافع الجسور على حق التعلم والتثقيف، الذي صاح في وجه انتستاين، الذي رفضه كتلميذ وضربه بعصاه، فرد عليه قائلا: "اضربني كما تشاء، لكنك لن تجد أبدا عصا أصلب من تصميمي على البقاء والإستماع إلى ما تقوله، طالما يستحق الإستماع". وهناك ديوجين صاحب نزوع متعي ومجرد من الروابط الأخلاقية السائدة، ومتيقظ ومنتبه للتصرفات المقرفة للإنسان. وهناك ديوجين الصارم، الزاهد والمنفذ لحكمة أنتستاين "يؤثر أن يبتلى بالجنون على أن يشعر باللذة"، القوي الإرادة -الذي يقول لمن ينصحه بالإخلاد إلى الراحة وقد طعن في السن:"لو كنت عداء في الملعب الطويل، فهل كنت سأخلد للراحة في نهاية شوطي، أم سأضاعف على العكس من جهدي؟"-. يعبر هذا التناقض عن سلوك إيتيقي مبني على اعتبارالمعرفة فضيلة، وعلى تدبير عقلاني للحاجيات والرغبات والمسؤوليات، وعلى استبعاد كل رغبة شرهة في الملكية والملك والإكتفاء بما توفر الطبيعة. فالحياة السينيكية تعبير عن احترام متكامل للوجود والموجود، وتحمل نبيل للمسؤولية بحكمة وشجاعة، وثقة تامة بالجهد العاقل المبني على الخبرة والتجربة وعلى المعرفة الحقيقية بحياة الناس اليومية. ويكفينا التذكير بالخدمات التي يقدمها الفيلسوف السينيكي؛ والمتمثلة في مراقبة رذائل الناس وشهواتهم وإحصاء أخطائهم، والتنديد بمواضعاتهم، وتقويض أحكامهم المسبقة، والشجاعة في مصارحتهم بحقيقتهم، وبحثه المظني والمستحيل عن رجل: شريف.. محترم..فاضل..أمين.. مستقيم..صادق.. صريح.. مخلص.. بسيط.. بريء...، وهو يحمل مصباحا مضيئا ويتجول به نهارا، وإعلانه أخيرا عن خيبة أمله قائلا:
كم محزن هو المشهد
دون جدوى
فتشت بينكم عن إنسان
إنسان حقيقي
لم أجد سوى الأوغاد".
أما مفهوم "المواطنة العالمية"، الذي نحته ديوجين انطلاقا من الكلمات الآتية: Cosmos, l’Univers, Politê, Citoyen، فهو يعبر عن إمكانية الإنتماء إلى وسط أو مكان ما، وفي نفس الوقت ملامسة الكونية دون إنكار الخصوصية(24(، أي الإخلاص للأرض بكاملها وأحيانا للإنسانية جمعاء(25). فأن تكون مواطنا عالميا، هذا يعني:
-أن تحيا دون ارتباطات، أو كما قال ديوجينيس عن نفسه بلسان أحد كتاب المآسي:"بلا مدينة، بلا مأوى، بلا وطن"(26). وفك الإرتباط المثير هذا، إعلان صريح عن ازدراء قوانين المدينة ومؤسساتها، بل أخلاق مواطنيها وتقاليدهم وعاداتهم وأعرافهم؛ أي مجموع السلوكات والتصرفات التي تحد من حرية الفرد، وتخضعه لمشيئة الأخلاق والمبادئ والقواعد المفروضة بقوة الإنتماء والهوية. انسجاما مع هذا الموقف الكوسموبوليتي، كان ديوجين لا يشاطر أفلاطون أو إيزوقراطس فخرهما بأنهما خلقا يونانيين وتحدرا من سلالة أولئك الآثينيين الذين ردوا الغازي الفارسي على عقبيه؛ بل يبدو أن أنتستاين قال حقا إن انتصار الإغريق على الفرس كان مسألة بخث لا أكثر(27).
-أن تمارس القول الصريح(الباريسيا) تجاه الإنسانية جمعاء، بعيدا عن طريقة بركليس، وروح الأمير(أفلاطون)، وشعب آثينا(سقراط). الشيء الذي يجعل من الفيلسوف السينيكي بمثابة الحارس العالمي أو موظف الإنسانية الإيتيقية، و"كشاف" أو "مراقب" البشرية، حسب ما كتب فوكو(28)، ويجعل "سياسته تتقيد بقوانين الفضيلة أكثر مما تتقيد بقوانين المدينة"(29)، باعتبار أن الفضيلة هي الإيتيقا الطبيعية والكونية.
لقد أبدع الفيلسوف السينيكي ممثلا في شخصية ديوجين السينوبي، سياسة ثورية مؤسسة على تشريع جديد وتصور خاص لمواطن صار "عالميا"(30)، إذ مكنته طريقة عيشه دون ارتباطات وقدرته على القول الحق والصريح، من ممارسة حكمته وإنجاز مهمته الفلسفية، يقول مقدما نفسه:
"إسمي ديوجين، كنيتي كلب
يا صاحب العربة
يا حامل الموتى إلى الطرف الآخر
خذني معك
لا تنسى أنني إن فعلت شيئا في كامل حياتي
هو حين خلصت الحياة الإنسانية من كل فخر مزيف".
5-شذرات حول حياة بعض الفلاسفة السينيكيين: أنتستاين، كراتيس، ديمتريوس
-أنتستاين(حوالي 440-370 ق.م): هو مؤسس الفلسفة السينيكية، ومن أتباع الفيلسوف سقراط. كان يرى أن الفضيلة هي الهدف الأسمى للحياة وهي التي تمثل السعادة الحقيقة، وأن الحكيم "هو من نظم حياته المواطنة ليس وفق القوانين السائدة، بل وفق قانون الفضيلة". وكان يرى في الممارسة مدخلا لاكتساب الفضيلة، حيث يقول:"إنما الفضيلة في الأفعال، ولا حاجة بها لا إلى الخطب المطولة ولا إلى العلوم. بيد أن الأفعال لا تعلم؛ وإنما بالمران والتمرس ASKESIS تكتسب القدرة عليها"(31). هكذا وضع أنتستاين الفضيلة كأساس للحياة الحقيقية، وشجع على الإقبال عليها بتأكيده على أن "الفضيلة يمكن تعلمها" اعتمادا على العقل، وجعلها كقانون أسمى. كما أكد على الإهتمام بالفلسفة وتدريسها، فكان يرد عندما يسأل عن ماذا يدرس ابنه :"الفلسفة إذا رغب في العيش بصحبة الآلهة، والخطابة إذا كان يحيا مع الناس". لكن أنتستاين كان محط انتقاد من طرف أفلاطون(شيخ بليد العقل) وأرسطو(أحمق وشخص فظ)، وكان إيزوقراط (أشهر خطباء آثينا) يرى فيه منافسا وناقدا له.
-كراتيس(365-285 ق.م): الفيلسوف والشاعر، وريث ديوجانس على المدرسة السنيكية، ورئيسها. يصفه بلوتارك على أنه إنسان من نوع خاص، فيقول:"كان كريتس لا يملك شيئا، سوى محفظته، وردائه الرث، ودائما تراه يضاحك الحياة  بدعابة ساخرة، وكأنه في مهرجان". ويتبين من كتاباته، أنه كان يعلم أسلوب الزهد البسيط. ولهذا كان صاحب نهج زهدي معتدل أكثر من سلفه ديوجانس(32). ويظهر هذا النزوع الزهدي حين سأل رجلا كريتس قائلا:"ماذا سيكون حالي إذا أصبحت فيلسوف؟، فرد عليه:"ستكون قادرا بالتأكيد". ومن تم فصل أكثر: "ستكون قادرا على فتح محفظتك بسهولة، وتتصرف بسخاء، وتوزع بكرم بدلا مما عليه أنت الآن؛ الخجل يلفك، كثير التردد، ودائما ترتجف مثل أيادي المشلولين. وبدلا من ذلك، إذا كانت محفظتك مملوءة، فبالتأكيد ستنظر بكل ذلك. ولكن إذا كانت محفظتك فارغة، فإنك لا تكون متحيرا ممتحنا. وإذا حاولت مرة أن تستعمل النقود، فإنك ستكون قادرا على التصرف بسهولة ويسر. ولكن إذا كنت لا تملك شيئا، فإنك لا تستحق شيئا، وإنك ستعيش بقناعة مع ما تملك، ولا ترغب بما لا تملك، ولا تبتئس بما سيأتي في طريقك؟(33).
-ديمتريوس(1-75م): كان صديقا حميميا للفيلسوف الرواقي سنيكا(4-66م)، وكان يصفه ب"الرجل الكامل" ويقول عنه:"ليس لدي أي شك، من أن ديمتريس مسكون برعاية إلهية، وطهارة الحياة، والطاقة القوية على الكلام، ولذلك فإن عصرنا لا يحتاج إلى مثال، ولا إلى أي زجر". عرف ديمتريس باحتقاره للثروة والأثرياء، وهذا الأمر حمله على التقاطع والمجابهة الحادة مع الإمبراطور كاليكولا. تطلع الأخير إلى رشوة الفيلسوف (أي إفساده بلغة ديمتريس) وشراء صوته ليعمل لصالح الإمبراطور؛ حدث عن طريق عرض مساعدة مالية كبيرة تقدر بمائتي ألف سسترتيس(عملة فضية رومانية)، فكان رد الفيلسوف ديمتريس: "إذا كان هذا يعني إغرائي، فإن على الإمبراطور أن يقدم لي مملكته كاملة"(34).
 
6-أفول السينيكية وصعود "الباريسيا السيئة" والنزعة المثالية في الفكر والحياة
    ارتبطت الباريسيا الحقيقية بشخصية بركليس(490-429 ق.م) الذي اعتبر كأهم ساسة آثينا. تميز بالإستقامة والنزاهة في تسيير شؤون المدينة، وشجع الفلاسفة على المجاهرة بآرائهم ومنهم سقراط الذي لم تبدأ مشاكله إلا بعد وفاته. فبركليس هو التجسيد الأمثل ل"السياسة"، أي لذلك "القرار" الذي يمنح للتاريخ الحاضر خلوده، وللحياة دور وصل الجيران وتلاقيهم، يقول فرانسوا شاتلي: "إن كان ذلك في آثينا أو في غرفتي، كل فعل هو فعل "بركليسي"، وفي "العمق ما ينتج عن الفعل البركليسي هو القرار"(35). إن اتخاذ القرار لا يعني حسب جيل دولوز، مجرد الرغبة في القيام به، بل فعله؛ بحسب بريكليس:"أفضل أن لا نمجد الأفعال إلا بالأفعال"، أو التعبير عنه في خطاب، بل قول الصراحة والحق، بحيث تدل "العبارة الصادقة عن الحقيقة الراهنة". ومع ديوجين السينوبي، سيتحقق ذلك التناغم المثير بين النظر والفعل، بين الفلسفة والممارسة، بين الفكر والحياة، وسيكون الطريق المختصر لتحقيق ذلك هو الحرية والتجربة، باعتبارهما الشرطين الضرورين للوصول إلى الحقيقة الإيتيقية وإلى الفضيلة في أقل وقت ممكن.
ستسود الباريزيا السيئة التي أصبحت كلاما منظما ليس تبعا للحقيقية ولكن تبعا لرغبة الرعاع. لم تعد لتمثل شجاعة الحقيقة وإنما الرغبة في النجاح، كما لم تعد لتبرز أخيرا سمو الرجل النادر والمستعد لحكم الآخرين وإنما إرادة القوة عند القادم الأول. إنها خيانة الديمقراطية وحيث يصبح كل خطاب سياسي مديحا مثيرا للقرف(...)، وترجمة للجبن والرغبة الحقيرة في الإرضاء والكذب(36).
رافق انتشار الباريسيا السيئة تحولات سياسية وفكرية ودينية:
-سياسيا : تمثلت هذه التحولات أساسا في تقهقر الحياة الإجتماعية نتيجة انحطاط المدن/الدول ككيانات سياسية ابتداء من القرن الثالث قبل الميلاد. والتأثير الذي مارسه النظام الإمبراطوري الروماني على الحياة السياسية وممارسة السلطة، حيث أمكن الحديث عن تحكم فعلي في الفضاء السياسي واللعبة السياسية بواسطة إدارة رومانية ممثلة في "أرستقراطية إدارية" وأرستقراطية وظيفية من شأنها أن تمد بمختلف المأمورين الضروريين "لحكم العالم"- أي "ضباط في الجيش ولاة ماليون وحكام مقاطعات"(37). الشيء الذي فرض البحث عن طريقة جديدة في التفكير في العلاقة التي تليق بمقام المرء ووظائفه ونشاطاته والتزاماته. وهنا نجد في بعض التيارات الفلسفية نصيحة بالإبتعاد عن الشؤون العامة وعن الإضطرابات والأهواء التي تثيرها، ونخص بالذكر تيار الفلسفة السنيكية. نلمس إذن تبدلا في الظروف والأحوال، والتي كانت تسمح للفيلسوف السنيكي ممارسة حياته دون تدخل أية سلطة سياسية لإجباره على الخضوع للأعراف والقوانين وانتهاك حرمة "أخلاق العامة"، تلك "الأخلاق" التي ستتعزز مع أفول القيم الإيتيقية اليونانية والهلينستية والرومانية، بل الدعاية ضد الفلاسفة وطردهم كما حدث في روما سنة 71م(38)، وصعود الأخلاق والقواعد الحياتية المسيحية، والتي ألحقت انقلابا مس المناحي الفكرية والدينية:
-فكريا : من اللازم استحضار  ذلك التحول البطيء والرهيب الذي لحق بالثقافة اليونانية والهلنيستية والرومانية، وخصوصا خلال القرنين الاول والثاني الميلادين، والذي استهل بتساؤل مريب عن فائدة الفلسفة. يبدو ذلك بشكل خاص في حاشية أغسطيس نفسه في بداية الإمبراطورية، حيث [طرحت] مسألة معرفة ما إذا كانت الفلسفة، باعتبارها فنا للإهتمام بالنفس ودعوة الناس إلى الإهتمام بأنفسهم، ما إذا كانت هذه المعرفة مجدية ومفيدة ونافعة أم لا(39). كما يظهر ذلك في مواقف الأبيقوريين وتوجسهم من النشاط السياسي والمقاومة السياسية، وبحثهم عن التوازن بين النشاط السياسي حول الأمير والحياة المريحة الضرورية(40). هذا ما دعا بإميل برهييه إلى الإشارة إلى ذلك اللبس الذي أحاط بتاريخ الفكر العقلي في القرنين والثاني للميلاد؛ فمع سنيكا وإبقتاتوس ومرقوس أوراليوس سطعت في سماء هذين القرنين ثم أفلت شمس المذاهب الوثوقية اللاحقة على أرسطو(...). وبالمقابل بعثت من جديد المثالية الأثينية التي كانت النور في القرنين الخامس والرابع، وبعثت معها المذاهب الأفلاطونية والأرسطوطاليسية. والشاهد على هذا الإنبعاث كتابات فيلون الأسكندري في مفتتح التاريخ الميلادي، وبلوتارخوس الخيروني(39-120)، ثم شراح أفلاطون، وبخاصة منهم ألبينوس في أواسط القرن الثاني، وأخيرا شراح أرسطو؛ وفي الوقت نفسه ظهر إلى حيز الوجود أدب فيثاغوري مشرب بالأفلاطونية(41).
-دينيا : رافق إنبعاث المثالية الأثينية، تزايد نفوذ ودعوات المسيحية والتأثير الكبير والمتزايد للرهبان والقساوسة وآباء الكنيسة. بل تحول العديد من الفلاسفة وأصحاب الفكر الحر والنزعة العقلية إلى المنافحة عن الشريعة الجديدة، في حين تأثر مريدون مسيحيون بالرواقية والأفلاطونية الجديدة واعتبروها حصان طروادة للدفاع عن اللاهوت الجديد. ولم تعد محبة الحكمة أو السؤال أو اللوغوس أو فن العيش المحرك الاول للتفكير الفلسفي، كما عودتنا التعاريف المألوفة للفلسفة داخل التراث اليوناني والهلنيستي والروماني، بل أصبحت "التوبة هي بداية الفلسفة" حسب هيروكليوس Hiéroclés. كما ازدهر في القرن الثاني أدب المنافحين عن العقيدة النصرانية، من أمثال يوستينوس وتاسيانوس وإرانايوس، وظهرت إلى حيز الوجود في الوقت نفسه المذاهب الغنوصية الكبرى(42).
في ظل هذه التحولات، ستتدهور تلك العلاقة المتميزة التي نحتها الفلاسفة السينكيين مع الذات والآخر وأشياء العالم. بحيث تستصير مع المسيحية علاقة أحادية مع الإله وغير قابلة للتدهور وللفساد. وستعوض المفاهيم المسيحية كالحقيقة المتعالية والإيمان والخطيئة والإعتراف والتوبة والخلاص وتفسير الذات والتخلي عنها(إنكار الحياة)، المفاهيم السنيكية كالحقيقة الإيتيقية والفضيلة والعيش وفق الطبيعة (فن الحياة) والإكتفاء الذاتي والإستقلال والحرية واكتمال الذات(43).
خاتمة
    اقترح الفيلسوف السينكي على المواطن اليوناني والروماني وعلى الإنسانية جمعاء، طريقة عيش مبنية على الفضيلة والقول الصريح ومعاملة الكائن البشري بعيدا عن منطق الهوية والخصوصية. فقد كان الفيلسوف السينيكي يدرك العالم بشكل مغاير، ويعرض حياته كشهادة فاضحة عن الحقيقية. ولا يتم ذلك برغبة مجانية للإستفزاز، وإنما بغاية إحداث القلق في وعي من يفكرون حياة جيدة ومستقيمة(44)، وإجبارهم على التساؤل حول طريقة تفكيرهم وأسلوب عيشهم وطبيعة علاقتهم مع العالم. لهذا كان ديوجين السينوبي مثلا، يعتقد أن الناس يحبون صراحته وبساطته، ويأخذون بمحمل الجد تعريفه لدور الفيلسوف:
                                       " ما فائدة الفيلسوف الذي لا يجرح مشاعر أي شخص".
كما قدم الفيلسوف السنيكي اجتهادات فكرية تروم إعادة توطين الفلسفة في كيفية وجودية، وفي نمط من السلوك، وفي مجموعة من القيم، وكذلك في مجموعة من التقنيات(45). هكذا خلف "ذكرى حلوى" لمن يريد أن "يقطف يومه"، لخصها ديوجين السينوبي في جوابه عن دور الفلسفة، قائلا:
                                     "ما أهمية أن تعيش إن أنت لم تتعلم كيف تعيش بشكل جيد".
الهوامش:
1-حافظت على لفظ Cyniques les بالأحرف العربية؛ أي السنيكيين، وليس "الكلبيين" كما هو معتاد عند أساتذة الفلسفة، والكتاب، والكتاب الصحفيين المنتمين إلى الفضاء الممتد جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، نظرا للحمولة القدحية التي تفاجيء القارىء عند النطق. في نفس الوقت آثرت عدم تغيير اللفظ "كلبيين" أو "كلبي" في العديد من الإحالات حرصا على الامانة اللفظية. لهذا أدعو القارئ الكريم، إلى الإنتباه إلى خصوصية تجربة الفلاسفة السنيكيين وتوجههم الفكري والمذهبي وموقعهم ضمن المدارس الفلسفية القديمة. في هذا السياق، يقول إميل برهييه:"إننا نضع أيدينا هنا على تيار فكري متميز جدا عن الرواقية والأبيقورية، يتفق مع الرواقية في استخدامها الجدل ومع الأبيقورية في نفيها المعتقدات الرواقية، لكنه يناهض بقوة وثوقية المدرستين كلتيهما. وأهم سمات هذا التيارالفكري وقوف موقف العداء من الطبيعيات بملء معنى الكلمة، أي من تصور شامل للكون هو موضوع إيمان PHISTIS يقيني، على أساسه تنهض الحياة الخلقية. هذه الوثوقية يعارضها هذا التيار الفلسفي بضرب من نزعة إنسانية ترتد باستمرار بالعقل من الأشياء الخارجية التي لا منفذ لنا إليها إلى التأمل في الشروط الإنسانية للنشاط العقلي والأخلاقي"، تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1982، ص131.
2-إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلينستية والرومانية، الجزء الثاني، ص15.
3- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم "باريسيا"  عند ميشيل فوكو: "قول الحقيقة" بين الديمقراطية وحكم الذات، ترجمة نصر عبد الرحمن، https://qira2at.com/2014/10/19.
4- جيل دولوز وفيليكس غتاري: ما هي الفلسفة؟، ترجمة مطاع صفدي وفريق مركز الإنماء القومي، مركز الإنماء القومي، الطبعة الأولى، 1991، ص29.
5-فريديريك غرو: ميشال فوكو، ترجمة د محمد وطفة، مجد-المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2008 ص150و152.
6- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، تاريخ الجنسانية، الجزء الثاني، ترجمة جورج أبي صالح، مراجعة مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، ص61.
7- ميشيل فوكو: تأويل الذات، دروس ألقيت في "الكوليج دوفرانس" لسنة 1981-1986، ترجمة وتقديم وتعليق د.الزواوي بغوره، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2011، ص179. يسمي ميشيل فوكو هذا الخلاص ب-الخلاص الهلنيستيني والروماني- وتكون فيه النفس هي الفاعل والموضوع والأداة والغاية. ويؤكد على أن هذا النوع من الخلاص بعيد عن الخلاص الذي أشاعته المدينة التي نجدها عند أفلاطون...، وعن الخلاص في شكله الديني، الذي يحيل إلى نظام زوجي أو ثنائي، وإلى حدث مأساوي، وإلى علاقة بالآخر، كما يتضمن في المسيحية الترك والتخلي عن النفس" فوكو: تأويل الذات، ص179.
8- Jaques FONTANILLE : LE CYNISME DU SENSIBLE AU RISIBLE ,                                                                       www.unilim.fr/pages_perso/jacques.fontanille/textes-pdf/Acynisme.pdf
 9- ميشيل فوكو: تأويل الذات ص301. يقول فوكو:"هذا هو التكوين الرياضي للحكيم. هذا هو الموضوع الذي حدده جيدا دمتريوس، ونجده في كل مكان. إنني أحيلكم إلى نص ماركوس أورليوس، وإلى سنيكا، كما أنكم تجدونه عند إبقتاتوس...إلخ. يقول النص:"إن فن الحياة، يشبه الصراع أكثر مما يشبه الرقص، وذلك من حيث أنه يجب أن تكون مستعدا ومنتبها لكل الضربات المباغتة والمفاجئة الموجهة إليك" فوكو تاويل الذات، ص301.
10-ميشيل فوكو: تاويل الذات، ص303.
11- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم "باريسيا"  عند ميشيل فوكو...، مرجع سابق.
12- ميشيل فوكو: الدرس الأخير، ترجمة سعيد بوخليط الدرس الاخير، موقع "حكمة".
13- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص299.
14- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص224.
15- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص224.
16- ميشيل فوكو: الدرس الأخير، ترجمة سعيد بوخليط ، موقع "حكمة".
17- ميشيل فوكو: الدرس الأخير، ترجمة سعيد بوخليط، موقع "حكمة".
18-Marte-Odile Goulet-Gazé : La contestation de la loi dans le cynisme ancien,                                        randa- chahal.com/Musj%2061%20FINAL/Goulet%20final.pdf 
19- أحمد عامر: الفلسفة الكلبية،
http://aamerhalim1991.blogspot.com/2014/03/blog-post_23.html
20- أحمد عامر: الفلسفة الكلبية،
http://aamerhalim1991.blogspot.com/2014/03/blog-post_23.html
21- فريديريك غرو: ميشال فوكو، ص121.
22- محمد جلوب الفرحان: المدرسة الكلبية: فلسفة وفلاسفة،
https://drmfarhan.wordpress.com/2013/04/02
23- إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ص25.
24- "علم ديجينيوس الأطفال أن يخدموا أنفسهم، وألا يطلبوا شيئا من الخدم أو العبيد، وعلمهم ارتداء ملابس بسيطة، والسير دون حذاء، وعلمهم أن يسيروا في الطرقات وعيونهم في الأرض، وعلمهم أن يصطادوا لكي يأكلوا. وبهذه الطريقة اكتسب الأطفال "خبرة العمل والإعتماد على الذات" يعطي هنا فوكو مثالا بالإشارة إلى الطريقة التي كان ديجينيوس يعلم بها أطفال زينيندر"، ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم "باريسيا"  عند ميشيل فوكو...، مرجع سابق.
25- انظر:
Solène VINCK-KETERS : Michel Agier : La condition cosmopolite . L’anthropologie à l’épreuve du piège identitaire,
 https://lectures.revues.org/11258
26- انظر:
 
Jhon Moles : Le Cosmopolitsme Cynique in Le Cynisme Ancien et ses Prolongement, Actes du Collogue International du CNRS, Paris, 22-25 Juillet 1991, p268.
27- إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ص217.
28- إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ص26.
29- يقول ميشيل فوكو:" "إذا رغب الشخص أن يكون مراقبا للبشرية، ويحذر البشرية بصدق وشجاعة من كل ما يتهددها من مخاطر، وأين يتربص بها الأعداء، فعليه أن يكون بلا ارتباطات"، ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم "باريسيا"  عند ميشيل فوكو...، مرجع سابق.
30- إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة والهلنستية، الجزء الثاني، ص26.
31- انظر:
Marte-Odile Goulet-Gazé : La contestation de la loi dans le cynisme ancien,  randa-chahal.com/Musj%2061%20FINAL/Goulet%20final.pdf
32- إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ص18.
33- محمد جلوب الفرحان: المدرسة الكلبية: فلسفة وفلاسفة: https://drmfarhan.wordpress.com/2013/04/02/المدرسة-الكلبية-فلسفة-وفلاسفة
34- محمد جلوب الفرحان: المدرسة الكلبية: فلسفة وفلاسفة.
 https://drmfarhan.wordpress.com/2013/04/02/المدرسة-الكلبية-فلسفة-وفلاسفة
35- محمد جلوب الفرحات: تاريخ المدرسة الكلبية بعد الميلاد،
https://drmfarhan.wordpress.com/tag/تاريخ-المدرسة-الفلسفية-الكلبية-بعد-ال
36- جيل دولوز:بركليس وفردي: فلسفة فرانسوا شاتلي، ترجمة حسين عجة، https://damascusschool.wordpress.com/2015/06/03/
37- فريديريك غرو: ميشيل فوكو، ص151و152.
-يقول أنتستاين:"أفضل أن يلقي بي بين الغربان على أن أجلس مع المجاملين فالغربان يأكلون لحم الموتى أما المجاملين فيأكلون لحم الأموات".
-يقول ديوجين:"كم هي تعاسة كالستين، هذا الذي لا يأخذ وجبتي الفطور والغذاء إلا حين يحلو لألكسندر".
كان ديوجين يقول عندما يأمره كراتروس (جنرال أيام ألكسندر الأكبر) بالمجيء لرؤيته:"في الحقيقة، أريد حقا علق الملح في آثينا على التمتع بالمائدة الباذخة لكراتروس".
38-ميشيل فوكو:الإنهمام بالذات، ترجمة جورج أبي صالح، مراجعة مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، لبنان، ص59و60.
39- إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ص203.
40- ميشيل فوكو: تاويل الذات، ص147.
41- يشير فوكو إلى "تلك النصوص الهجائية والقدحية للقيانوس حيث نرى شخص الفيلسوف في صورة كاريكاتورية، وفي صورة الفرد الجشع والمحب للمال، والذي يطلب أثمانا/أسعارا باهضة وأموالا طائلة مقابل وعود بالسعادة، والذي يبيع أنماطا من الحياة في السوق، والذي يعتقد أنه كامل وأنه بلغ قمة الفلسفة، وهو في الوقت نفسه شخص مبتذل، يصارع خصومه لينتصر...إلخ، ليس له أي فضيلة يزعم أنه يملكها"، ميشيل فوكو: تاويل الذات، ص148.
42- إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ص197و198.
43- من المهم الإشارة إلى الفرق بين الحياة في الروحانية المسيحية والحياة الفلسفية، يقول فوكو:" "لا يجب أن ننسى أن  أحد  العناصر الكبرى للروحانية المسيحية هو أن تجعل الحياة "منظمة/مرتبة". إنها قاعدة حياتية regula vita، وهي قاعدة جوهرية.... في المقابل فإن الحياة الفلسفية أو الحياة كما حددها ووصفها الفلاسفة باعتبارها تلك الحياة التي نحصل عليها بفضل الفن، فإنها لا تخضع لقاعدة regula، وإنما تخضع لشكل وصورة forma"، ميشل فوكو: تأويل الذات، ص395 و396.
44- فريديريك غرو: ميشيل فوكو، ص156.
45-ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص151.

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث