الأحد 20 آب

أنت هنا: الصفحة الرئيسية فلسفة وتربية فلسفة حالة الطبيعة من الأساس الفرضي-التاريخي إلى بعده الإجرائي ـ اسماعيلي علوي يوسف

فلسفة

حالة الطبيعة من الأساس الفرضي-التاريخي إلى بعده الإجرائي ـ اسماعيلي علوي يوسف

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse19066
شكّلت الفلسفة السياسية في الفترة الحديثة، منطلقا جديدا، من خلال استنادها على الثورة الكوبرنيكية في الفلك، والجاليلية في الفيزياء، والديكارتية في الفلسفة، بحيث نجد منابع الذات في تلك الأسس. امتدّ الأمر في السياسة، من خلال التفكير في إعادة تقليب الأرضية السياسية، وبناء نظم جديدة، فانطلاق هوبز مثلا، من الإنسان في فلسفته السياسية، نابع من خلفية علمية-فلسفية حديثة. الحال كذلك مع جون جاك روسو الذي ناقش مفهوم الإنسان في خطابه عن أسس التفاوت بين الناس. من هنا يشكّل الإنسان الموضوع الرئيسي للسياسة؛ فأي تحديد للإنسان وطبيعته، وعلاقته مع الأفراد، إلا وينعكس على طبيعة النظرية السياسية، فتكون هذه الأخيرة تقعيدا لأسس العلاقات وتدبيرا للشؤون الاجتماعية والاقتصادية وغيرهما. لذلك كانت تأملا داخل الحدود العملية، لا تبرح مصالح الناس وواقعهم وحياتهم، ومنافعهم العامة. ولتحقيق ذلك قام فلاسفة العقد الاجتماعي بافتراض منهجي، يضع واقعهم بمختلف أبعاده بين قوسين، حدّد في حالة الطبيعة، غير أنّ هذه الحالة عند روسو تمثل بعدا تاريخيا، واجرائيا كذلك؛ إذ وضَع الطبيعة الإنسانية في مجرى الزمن، وتلمّس تغيراتها، في علاقتها بالطبيعة وموجوداتها، ومن حيث البعد الإجرائي الذي يحاكم الواقع الراهن، عند إدراك الأسس الحقيقية للمجتمع، ويفتح أفقا نحو العقد الاجتماعي، فكيف يمكن تحليل هذين البعدين في حالة الطبيعة؟


1.     البعد الفرضي-التاريخي لحالة الطبيعة
إنّ افتراض حالة الطبيعة مع روسو لا تنحصر في المستوى الفرضي، وإنما تمثّل بعدا أنثروبولوجيا كذلك، يبين لنا من خلالها دروب حياة الإنسان، ويحدد لنا الكائن الإنساني، وتطور طبيعته عبر الأزمنة، إلى أن صار على ما هو عليه في الحالة الراهنة، حيث المجتمع المدني وكل ما يحمله من قيم أخلاقية وسياسية. يقتضي الأمر منهجيا أن ننزع التغيرات التي لحقته، والترسبات التي شكلت عائقا وراء معرفة طبيعته الجوهرية، وذلك كفيل بمعرفة "الرزايا" التي لحقته ومظاهر التفاوتين الأخلاقي والسياسي، الذي آل إليها الآن؛ أي أنّ بيت القصيد هنا هو تمييز الأصيل من المصطنع الذي لحق على الإنسان مع الزمن إلى أن صار كتمثال جلوكوس الذي تضاربته الأمواج ففقد صورته الجميلة و الخالصة[i].

هذا الرد التاريخي- المنهجي، إن صحّ التعبير واستقام، هو الجزء الأساسي من مهمة جون جاك روسو ( 1712_1778) في كتابه " أصل التفاوت بين الناس" حيث يقول: " فيا أيها الإنسان كن من أي بلد شئت، ولتكن أراؤك كما أردت، واستمع، فهذا هو تاريخك كما أرى قراءته. لا في كتب أمثالك الذين هم كاذبون، بل في الطبيعة التي لا تكذب مطلقا...[ii] "، من حيث الجانب التاريخي (الماضي) الذي يعطي الأساس لفرضية حالة الطبيعة، ومن حيث المنهج الذي يدفع بالحالة نحو الطابع الإجرائي ( نقد الراهن ثم الرهان على التعاقد الحقيقي).

ينطلق روسو من الإنسان الذي احتضنته الطبيعة، ذي الحياد الاخلاقي ( ليس بالشرير أو الخير، سوى نزوعه نحو الرأفة). فقد كان في البداية منسجما مع الطبيعة، تمدّه بكل ما لذّ وطاب، حيث ما توفره هذه الأم من أرض وثمار أكبر من حاجيات الإنسان ورغباته، ولذلك كان الكسل صفة فيه، ما دامت تخدمه ببساطة. كان الكائن الذي يعيش بحرية مطلقة، وفردا وحيدا، متجولا يجوب الأرجاء، حتى إذا غلبته الشمس استظل تحت ظل شجرة، وإذا  غشيّ الليل أو نزل البرد أو المطر، آوى إلى كهف في طريقه، وإذا غلبته نزوة، علق بامرأة حتى تخمد رغبته، وبعدها راح إلى سبيله، حيث بقاؤه الخاص هو مدار غايته الوحيدة، أما اللقاء بين الأفراد فلم يكن إلا عرضا[iii]. كانت الرحمة والرأفة نزوع فطري عاطفي للإنسان، نحو موجودات الطبيعة، وشعورا يعادل حفظ بقاء النوع الإنساني، وحاجزا دون وقوع العنف المطلق[iv]. لأنّ لا أحد يصادر حرية الآخر أو حقه في الحياة إلا إذا أراد ذلك، مادامت المعمورة واسعة الأرجاء، والأشجار وافرة الثمار، إذ بإمكانه تغيير المكان تجنبا للصراعات على هذه الغنيمة أو تلك. ويستنتج روسو من ذلك أنّ التبعية والطاعة لا تكون لشخص معين في حالة الطبيعة، لأنّ فكرة الملكية لم تنبثق بعد. لمّا كان الأمر كذلك فما الذي حال الإنسانية إلى مرحلة أخرى حيث الملكية والتفاوت بين البشر في المال وظهور العبودية والظلم والاخلاق المصطنعة...؟

 إن علاقة التناسب هذه التي تكون الطبيعة خادمة للإنسان، لا تبقى على حالها، فحسب روسو أنّه مع اصطدام الإنسان مع الضواري، وتكاثر النوع الإنساني، أصبحت مشكلة الندرة مطروحة وضرورة تطوير قدراته، ثمّ الفكرة الأخطر: فكرة التملّك التي أصبحت قابلة لأن توجد بالفعل. هذه الأخيرة هي التي تحفّز الفكر على الاشتغال لأجل تنظيم الحاجيات، والبقاء في حدود المنفعة الذاتية، حفاظا على البقاء، لأنّه أصبح مسؤولا عن حياته في ظل تراجع الطبيعة عن تقديم يد العون له، عند وقوع مشكل الندرة نسبيا. ذلك أنّ العقل والتفكير وخصائص أخرى موجودة بالقوّة لدى الإنسان، ولا تظهر علنا إلا في سياق الحاجة إليها، وصلا بالظروف التي تقف حائلا أمام مطالبه[v]. على اعتبار أنّ وقوع هذا الخلل بين ما تقدمه الطبيعة وبين حاجيات الأفراد، هو الذي يؤثر على الطبيعة البشرية، فتتغير تبعا للظروف الجديدة، من الوفرة إلى تنظيم الندرة، ومن الكسل إلى العمل، ومن حالة السكون والوحدة إلى حالة الصراع مع الأخرين على الأشياء التي تؤمن الحياة الضرورية للفرد. سبب هذا الصراع لا يعود إلى الطبيعة السيكولوجية بقدر ما يأتي في سياق نزوح فردين أو أكثر نحو شيء واحد.
لا يبقى الإنسان على حاله، ولا يستسلم للظروف، إذ ما يجعله قادرا على التأقلم مع الظروف الجديدة، هو امتلاكه لخاصية القابلية للاكتمال perfectibilité، كخاصية تجعل من طبيعته الإنسانية قابلة للتطور واستيعاب خصائص أخرى، إما كانت في حالة كمون أو اكتسبها مع الزمن. اللغة والتفكير والتملك والتدبير... وغير ذلك، لم تكن له منذ البداية، وإنما تشكّلت في سياق وقائع متراكمة، كانت عرضا فأصبحت ضرورة، بل وكان يمكن ألا تظهر حسب روسو[vi]. في هذا السياق يكشف روسو على أنّ الطبيعة البشرية ليست تابثة، بل يمكن أن تتغير بحسب الظروف المطروحة، ولذلك ستكون حتى الديمقراطية بحسبه أفقا ينبغي نشدانه مع الوقت، ارتباطا بعدم تباث خصائص الكائن الإنساني. من هنا كان لتظافر بعض الأسباب التي لم تكن مشكلات حقيقة وظاهرة للعيان، كعلو الأشجار ومواجهة الضواري وتكاثر النوع البشري، أن أصبحت أسبابا رئيسية وفاعلة في الانتقال بالإنسان إلى شقّ مراحل جديدة، من قبيل أخذ القوّة بعين الاعتبار، وتطوير القدرات الفردية  لأجل توظيفها في الصراع حول الشيء، قصد الحفاظ على حياته[vii].

إنّ الاصطدام مع محدودية الطبيعة بعد توالي تلك الأسباب، دفع بظهور الصراع كشر لابدّ منه، لتأمين الفرد لقوت يومه وحفظا لحياته، فلم تكن مشكلة الحاجة مطروحة من قبل، ولذلك غذت الملكية ضرورة لا بد منها ، فقطعت عبارة "هذه لي" حسب روسو مع مرحلة الطبيعة وأسست للمجتمع المدني، حيث حاجة الإنسان عند الآخر، و"الاتحادات" لمواجهة الاخطار العظيمة، التي كانت من بين الأسباب التي انتقل فيها الإنسان من حالة الحياة الفردية إلى الحالة المجتمعية، وإلى اللغة كآلية للتواصل مع بني جنسه. من مرحلة الأرض والثمار للجميع، إلى مرحلة من يملك ومن لا يملك، وما استتبع ذلك من فوارق أخلاقية وسياسية واقتصادية.

في هذا السياق يمكن استحضار نظرة توماس هوبز ( 1588-1679) Thomas   Hobbes لحالة الطبيعة، فلم يقطع معها جون جاك روسو، وإنما أدخلها في سياق تاريخي (قوّة البعد التاريخي لحالة الطبيعة عند روسو)، مع تحفظه على اعتقاد هوبز بالطبيعة الشريرة للكائن الإنساني. إنه لا يمكن افتراض صراع مباشر بين الأفراد حول الحاجات، مادامت الطبيعة قد وفرتها في البداية بكثرة ( الأرض، الأشجار، الثمار، الحيوانات...)، و بالتالي لا يمكن تبرير المستبدّ العادل باسم أنانية الإنسان وميله إلى العنف تجاه الآخر.
إذا شئنا أن نسلط الضوء على فكرة هوبز بشيء من الاقتضاب يمكن القول بأن جميع الأفراد في حالة مساواة، حتى الفروق الطبيعية لا تعطي تفاوتا بالضرورة، بين حالة الاقتتال التي يتساوى فيها القوي مع الضعيف، والمساواة في الأمل للحصول على الشيء نفسه، هذا يولد الصراع حول الشيء الواحد الذي يكون هاجس حصول الأفراد عليه، مع انعدام الثقة التي تؤثث فضاء التحسب والهجوم قبل الدفاع وضرورة التسابق نحو فرض سيطرة الفرد على الآخر بالقوة أو الخداع[viii]. أما بالرجوع إلى الطبيعة الإنسانية التي كانت الأساس الذي تنطلق منه الفلسفة السياسية الحديثة في التقعيد للمقاربات السياسية، فإن في طبيعة الإنسان، الذي ينزع نحو رغبته بجلّ الوسائل لحفظ بقاءه وضمان منفعته الذاتية،  ثلاثة أسباب للصدام حسب توماس هوبس :

1)  المنافسة: حيث تكون أرضية لتفعيل الاصطدام مع الآخر على الشيء الذي يتنافسون عليه، ومقصد كل فرد منهما هو الكسب، متخذا من العنف وسيلة في تحقيق ذلك.
2)  عدم الثقة: لا تجعل هذه الصفة من سبل الأمن كشيء معطى ممكنا، وإنما يبنى باستمرار، لتحقيق الأمن الذاتي للفرد من مصادرة حياته أو ممتلكاته من طرف الآخر، ووسيلته في ذلك هي الدفاع عن النفس. مشكلة هذه الأخيرة أنها ترفع التمييز بين الظالم والمظلوم لأنهما يبرران سلوكهما الهجومي والاحترازي باسم الدفاع عن النفس، وتضع الفرد في ضرورة اتخاد جميع الإجراءات، ومن بينها الهجوم قبل الدفاع، لأنه ينظر إلى الآخر على أنه العدو الذي يجب مواجهته، مادام المرء في سياق المنافسة وانعدام الثقة.
3)     المجد: هذه الصفة تتجه نحو مقصد السمعة أخلاقيا، وتعتمد على نفس الوسائل، ومنها السلطة على الآخر، بالإضافة إلى اللباس والخدم وغيرهما.

إنّ هذه الأسباب لا تتجسد في الجانب العملي فقط، وإنما اجراءات ذهنية، واحترازات نفسية كذلك، حتى أننا في هذه الحالة كائنات مجرمة بالقوة، قبل أن يتاح لنا تفعيلها على بساط الواقع. يؤدي كل ذلك إلى عدم ميول الفرد نحو الشغل والعمل، مادامت ثماره غير مضمونة للعاملين عليها، أو يمكن مصادرتها من قبل من هم أقوى منه[ix]. تكون حياة الإنسان بائسة؛ فلا مجتمع ولا تاريخ لشيء يفيد الأفراد، ولا فنون ولا آداب. كل واحد في لحظة خوف، ولحظة الحرب تغطي الزمن كله، فحرب الكل ضد الكل،  تجعل من الفرد "مجرما" يتسنى الفرصة ليثبت ذلك، مادام الآخر هو "مجرم" كذلك. أنا أتسلح لأحمي نفسي، وأغلق خزانتي بشكل محكم لأحمي ممتلكاتي، وأسيج أرضي لأواجه من يقتحم مملكتي. في حالة الحرب هذه لا معنى للظلم أو القانون ولا للخطأ أو الصواب، ويكون ملكُ كل إنسان هو ما يستطيع الحصول عليه، طالما أنه قادر على الاحتفاظ به[x].
إنّ الرائي لطبيعة الانتقال من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني عند روسو، يحيل على جانب من تصور توماس هوبز، حيث الصراع نحو التملك، وانعدام الثقة. إنه صراع حول الأشياء التي لم تعد تلبي مجموع رغبات الأفراد في الطبيعة، اللهمّ القول مع هوبز بطمع الإنسان وجشعه، الذي هو جزء من طبيعته، ولكن إذا كان هذا الأمر حول الشيء الذي هو موضوع رغباتنا، فإنّ الإنسان قد اكتسبها مع الزمن، لأنّ لا قيمة للشيء إلا في ندرته، أما في لحظة الطبيعة الخيرة التي كانت توفره بكثرة فلا معنى للصراع حوله، وبالتالي الإقرار بلحظة المشاعة التي كان فيها الاستقرار ممكنا في حدود زمنية معينة ولم يكن الصراع قائما منذ البداية كما ذهب إلى ذلك هوبز، وكما أقرّه في الطبيعة الإنسانية، كطبيعة تنزع للشر[xi]. هذا يؤكد على أربعة مراحل في الحياة الإنسانية، نحو تحقيق العقد الاجتماعي؛ فمن مرحلة الحالة الطبيعية إلى مرحلة الصراع حول من يمتلك ومن يضمن بقائه، وعند هذه المرحلة يحسب كذلك للقوة الجسمانية، بعد أن لم يكن لها أي اعتبار؛ أي أنه من الصعوبة الإقرار بأنّ القوة التي تمنحها الطبيعة لبعض الأفراد، هي التي دفعت الفرد إلى التسلط على الآخر، وبالعنف وغيره في حالة الطبيعة منذ البداية، إنما أصبح لها اعتبار أساسي أثناء بروز مشكلة التملّك التي لم تكن من قبل. في هذا المستوى الثاني، يصنّف الموقف الهوبزي، ثمّ مرحلة المجتمع المدني، فمرحلة العقد الاجتماعي في الأخير.

الخروج من هذه المرحلة الثانية، كان من خلال المجتمع المدني الذي أوقف رحى العنف، من خلال إرساء الملكية والقانون والحكم مقابل الأمن، أو قواعد التفاوت باختصار. يقول روسو: " الغني الذي ضغطته الضرورة يفكر أخيرا في أرزن مشروع خطر على بال إنسان، وذلك أن يستخدم نفعا له قوى من كانوا يهاجمونه، وأن يجعل حماته من خصومه، فيوحي إليهم بمبادئ أخرى ويمنحهم نظما أخرى تكون ملائمة له، كعدم ملائمة الحق الطبيعي له[xii] ". لم ينطلق التقعيد السياسي للمجتمع المدني من حالة الطبيعة؛ أي بمسح الطاولة وتنظيمها من جديد على أساس من العدل والمساواة، وإنما أضاف لترسبات العنف والصراع مشروعية قانونية وسياسية، فالحكم مقابل الأمن مثلا، ليس إلا مبدأ مصطنعا، وليس إلا أضفاء للطابع الشرعي لسلطة القوي على الضعيف، ولا مشروعية لها باعتبار الحق قد تأسس على مبدأ القوة، فخلق العبودية والتبعية. وهنا كان الضعيف مخيرا بين أمرين أحلاهما مرّ، فإما أن يواصل صراعه لتحقيق مطامحه، والحفاظ على حريته أو يقبل بالإذعان، في نوع من المخاتلة والحذق لضمان حياته ( نهاية الصراع بالاعتراف عند هيجل). هذا الصراع برّر تقوية السلطة الجامعة في الأخير، باعتبارها صاحبة القرار في فّض النزاعات، وابتُلع الجميع " من قبل الغول في نهاية الأمر[xiii]"، وهو إحالة لروسو على "لوفياثان" هوبز.

بذلك ظهر القانون والتفاوت الاقتصادي، من خلال الإقرار بالملكية، استلزم منه تباعا، تشكل الاعتبارات الأخلاقية، أي أنّ الأمر امتدّ إلى فروق أخلاقية مدنية بين الأفراد[xiv]. هذه التفاوتات، من ناحية حالة الطبيعة، تجعل من المجتمع المدني موضع تساؤل واستفسار، كون هذه الحالات لم تكن من قبل. من هنا قوّة حالة الطبيعة لأنها تعطي لنا المشروعية لإعادة مسح الطاولة، وبالتالي قيمتها المنهجية- الإجرائية، وليس تبرير الواقع المشهود.

2.     البعــد الاجرائي لحــالـــة الطبيعة:
يتمثل البعد الاجرائي لحالة الطبيعة، في بعدها الفرضي الذي يحاكم طبيعة النتائج. معنى ذلك يتحقق، عندما استطاع البعد التاريخي أن يقوض أسس المجتمع المدني اجرائيا، وليس في الكشف عن طبيعة تشكلاته الأولى فقط، وإنما في التطلع إلى أسس جديدة، وهذه هي قوة الجانب الإجرائي. إذ أنّ فكرة الاجتماع التعاقدي الحقيقي ( المراهن عليه سواء في المجتمعات اللاديمقراطية أو الديمقراطية نفسها) ليس فرضية مستبعدة، أو اعتقادا ساذجا بأن الناس اجتمعوا وناقشوا شروط الحكم القويم، فخلصوا إلى مجموعة من القوانين التي توحد بينهم. ليس الأمر بهذا الطابع الشخصي، وبهذه البساطة في النقاش حول التدابير السياسية التي يمكن اتخادها لتدبير شؤون الأفراد، بقدر ما هي توظيف الطبيعة الإجرائية التي يتم من خلالها صياغة القوانين، وبالتالي إعادة أصولها لقاعدة الهرم (الإرادة العامة)، عوض رأسه الذي أصبح في العقد يعكس تلك القوانين فقط.
 إذا كانت حالة الطبيعة ليس قبولا بشروط الواقع، أو تبريرا للملَكية والملْكية، أو للحاكم المستبدّ، بقدر ماهي أفق ينبغي السعي وراء تحقيقه، فإن الرجوع إلى الوضعية الأصلية كفيل بالبحث عن شروط جديدة، وتقويض للأسس الراهنة، من خلال الشك في جميع الآراء التي تداولت بيننا على أنها حقائق، والمنجزات البشرية التي كان يبجلها الإنسان على أنها ذات نفع عظيم. استطاع البعد الإجرائي اذن أن يقوم بمسح الطاولة، وتعليق الأحكام السياسية، لإعادة تحديد مبادئها من جديد (العنوان الثانوي للعقد الاجتماعي هو: principes du droit politique). هو إذ وضع المجتمع المدني بين قوسين، فليس للقطع معه، بعد اكتشاف أسسه، ومن تمّة العودة الرومانسية لحالة الطبيعة، بل هي عودة متعقّلة لتلك الحالة، وفي سياق محايث للراهن السياسي، بحيث استثمره كذلك في بناء عقد اجتماعي. هذ الرجوع مثلا لم يجعل روسو ينادي بالفرد المتفرد، الذي يتحرر من كل القيود، كحالته في الطبيعة، بل إعادة تنظيم شروط حياة الفرد داخل المجتمع، وإعطاء القيمة للقوانين والمصلحة العامة، وتنظيم الملكية، وليس الدعوة إلى مشاعة جديدة.

 عودة روسو إلى حالة الطبيعة جعلتنا نقرّ بحرية الإنسان، والمساوة بين بني جنسه التي تمّ استنباطها، ومن تعداها فإنما تعدى على حقّ، بقوّة غير مشروعة. هذه المشروعية المزيفة قصد روسو في الفصل الثالث من عقده الاجتماعي إلى إبطالها، وتوضيح العلاقة المتنافرة بين القوّة والحقّ التي لا تؤسس لشيء ثابت، يضمن الحق لجميع الأفراد. بناء على هذا الفصل يصبح أساس الحق هو القانون التي وافقت عليه الارادة العامة، وليس مصادرة حرية الآخر بالقوّة[xv]. كما هو حال المجتمع المدني، وحال مدننا وأزماننا كذلك (لا قوّة إلا ما بنيت على الدولار). هذا التقويض يعيد مساءلة ملكية الأرض التي أرست قواعد التفاوت، وطبيعة القوانين التي شرّعت له ذلك، حين لم تستند على موافقة من الجنس البشري بأجمعه[xvi]، وبالتالي إعادة التفكير من جديد في هذه الأسس والمفاهيم.

 أما جون لوك، الذي وظف فرضية حالة الطبيعة كذلك، فلم يدفع بهذا المسح نحو حدوده المطلقة، على الرغم من إقراره بالحرية كحق فطري للإنسان. نجد هذه الحدود في المِلْكية التي أقر بها، من خلال حجّته بأنّ من حقّ الفرد أن يمتلك ما عمل عليه، وما كان من كدّه وعرق جبينه، فـ"الماء الجاري في الينابيع ملك لكل إنسان، ولكن من يشك أنّ الماء في الجرّة ملك لمن استقاه؟[xvii] "، وهذا يعني أنّ الأرض والخيرات تصبح ملكا لي، لأني قمت بجهد لأجلها، وليس أخذ موافقة صريحة من الناس جمعاء، هي التي من شأنها أن تشرعن لي ذلك، بل هو العمل. تراجعت حال التناسب التي تكون فيها الطبيعة أمّا ترضع البشرية، لينوب عمل الإنسان عنها، وبالتالي كان من يعمل يملك، إضافة إلى اعتباره حرا (من مبادئ الليبرالية). لذلك لم يكن الانتقال عند لوك، بمعنى مسح الطاولة، وإنما تثبيت القوانين، والحفاظ على الملكية والحرية مع تقنينهما، وعدم خرق تلك القوانين لأن الأمر ليس كالمشاع[xviii]، وتقييد سلطة الحكم الملكي، مع الفصل بين السلطة الأبوية والملكية؛ أي بين خلق آدم وحقه في الحكم[xix].

 في الجانب التعاقدي عند روسو، لا يستند على أساس شخصنة التدبير السياسي، مادام الفرد نفسه سعى إلى المنفعة الخاصة عندما سيّج أرضه ووافق على قانون التفاوت، بل  أصبحت القوانين في العقد تستند على الطابع المؤسساتي؛ أي في شخص معنوي، قادر على أن يعكس القوانين التي رفعت إليه من طرف الإرادة العامة، وحمل الناس الذين وافقوا عليها، وأسسوا لها، على احترامها والخضوع لها. هذا الخضوع هو إكراه للناس على أن يكونوا أحرارا، إذ القانون المتعاقد عليه باسم الإرادة العامة هو إكراه للفرد على أن يكون حراً[xx].

فلسفة الحق إذن، استمدت أساسها من حالة الطبيعة، وليس تثبيتا لما تمّ تقنينه في لحظة الانتقال للحالة المدنية. هذا الأساس نجده في الطبيعة المجرّدة للكائن الإنساني من كل اعتبار ديني أو عرقي، ومن كل مكانة أخلاقية أو اقتصادية أو قانونية، وبالتالي دفعت بالتأسيس للحقوق الإنسانية، وعلى رأسها الحرية[xxi]. كانت هذه ثورة فلسفية بكل ما يحمل المفهوم من دلالة وقصد، بحيث إذا كان ديكارت قد أسس للذات المفكرة، فإنّ روسو دشن للذات القانونية والسياسية، وامتدت إلى ترسيخ قواعدها وصيانة شكلها مع كانط عندما أيقظه روسو من سباته العميق (في الأخلاق والسياسية وفلسفة الحق وفلسفة التاريخ...). مع ما استتبع ذلك من فلسفة تربوية تربي الجيل الناشئ على تقديس الحرية والحفاظ على البراءة وحالة الطبيعة الخيرة، وكل خصائلها، ومستندا في الجانب السياسي على العقد الذي يضمن له المساواة والحرية[xxii]. 

هذا الأساس الإجرائي عند روسو، يجد امتداده الواضح والصريح في فلسفة جون رولز(1921-2002) John Rawls السياسية، من خلال توسط الفلسفة الكانطية في الأخلاق وفلسفة الحق. يتجلى هذا الإمتداد عندما افترض راولز مفهومي الوضعية الأصلية وحجاب الجهل، كوضعية مفترضة تقوم فكرتها على إجراء منصف، عندما نعلّق الاختلافات السياسية والاقتصادية وغيرهما بين الأفراد، من أجل اتفاق الجميع على مبادئ عادلة[xxiii]. هذه الطبيعة الإجرائية لحجاب الجهل ، تدفع بجميع الأطراف إلى إبطال اثار الظروف الطارئة التي تجعل الناس في خلاف وتفاوت اقتصادي، أو ترجيح كفّة المصلحة الذاتية. تجعلهم كذلك في جهل لوضعيتهم أو مكانتهم الاجتماعية، وللبدائل ونتائجها، من أجل تقييم كل شيء على أساس من الاعتبارات العامّة. إنها تجعلنا أمام إجراء مسح شامل، من الناحية المنهجية لكي تستجيب المبادئ لأعمّ اتفاق ممكن. تقف الذات كذلك خلف معرفة نصيبها، وتصورها للخير، ونزعتها ووضعيتها السيكولوجيتين (ثنائية التشاؤم والتفاؤل)، ونحن في الآن نفسه نستحضر روسو في سياق التأكيد على الطبيعة الأخلاقية المحايدة للإنسان، فليس بالشرير أو الخير، أو الذي يحقد ويبغض، إلى غير ذلك، معتبرا أن هذه الخصائل تمّ اكتسابها، وليس لديه إلا النزوع نحو الرأفة فقط. إذ يمكّن ذلك في اجرأة تأسيس جديد، على التوافق الأخلاقي، ومن تمّ بناء نسق أخلاقي يمكن الاتفاق عليه، وملزم لجميع الأطراف، في سياق وقالب قانونين. 

هذه المعارف والمعلومات ( روسو في سياق المجتمع المدني، ورولز في سياق العدالة) عن المجتمع البشري والمسائل السياسية والاقتصادية، والنوازع السيكولوجية، وغير ذلك، يعتبر رولز استثمارها ممكنا ومقبولا، إلا أنها لا تكون المحددة للمعايير طبعا[xxiv]، فمن ناحية النوازع السيكولوجية التي لا يجب إدخالها في مناقشة مبادئ العدالة، تجد روسو لم يتحدث عن الطبيعة الشريرة أو الجشع والطمع كمحددات سيكولوجية للإنسان، فتحديد ذلك يبرر الصراعات والعنف، بدل أن يكون جسرا نحو التقعيد للعقد ومبادئه السياسية، وهو ما اشترط رولز في إطار حجاب الجهل، حتى لا تكون عائقا وراء تبرير التفاوت الاقتصادي بين الأفراد في المجتمع الليبرالي أو بين المجتمعات، ومن أجل تأثيث الفضاء لمبادئ عامة.

من خلال حالة الطبيعة، سواء في بعدها الأنثروبولوجي أو الاجرائي يمكن أن نخلص إلى بعض النتائج التي يمكن تحديدها في النقاط التالية:
1.      العلاقة بين بعدي حالة الطبيعة، ليس في تبرير الوضع الاجتماعي، بل على العكس من ذلك هو تحديد لأسسه، ومن ثمة الانتقال إلى تقويض بنيته السياسية والاقتصادية.
2.      الرجوع لحالة الطبيعة من أجل الكشف عن أسس التفاوت بين الناس، فيكشف عن التفاوت الذي تمّ الترسيخ له أفقيا، من خلال ظروف إنسانية معينة، وليس عموديا، من خلال سلطة الله أو آدم، وبالتالي لم يكن نقد الحق الالهي ديدن روسو، بقدر ما كان الإنسان الذي صادر حرية وحقوق بني جنسه.
3.      حالة الطبيعة في بعدها الأنثروبولوجي تعطي قوّة للبعد الاجرائي، الذي يمكّن من فتح أفق جديد للعلاقات الفردية، وليس دعوة الفرد للعودة إلى الطبيعة، كما سخر من ذلك فولتير، عندما اعتبر روسو أنّه يريدنا أن نمشي على أربع قوائم، بعد أن أصبحنا نمشي على اثنان.
4.      فتح تقويض أسس المجتمع المدني حقّ مرافعة من اغتصب حقي، باسم حالة الطبيعة الذي كنا فيها أحرار ومتساوين[xxv].
5.      يقول روسو في مطلع خطاب التفاوت: " أود أن أولد في بلد لا يمكن أن يكون للسيد والشعب فيه غير مصلحة واحدة بذاتها، ولذلك لكي تميل جميع حركات الآلة إلى السعادة العامة، وبما أن هذا لا يمكن أن يكون مالم يكن الشعب والسيد شخصا واحدا، فإني أود لو ولدت في كنف حكومة ديمقراطية معتدلة بحكمة[xxvi] " إذ كان هذا بمثابة الأفق الذي تجسّد في المبادئ السياسية للعقد الاجتماعي، وتحقق هذا الجسر عبر مروره من حالة الطبيعة.

علـــى سبيــــل الختـــــم
      يتبين لنا من خلال ما سبق أنّ حالة الطبيعة الافتراضية، إجراء منهجي قويم، ومشروعية للشك، والتساؤل حول أسس المجتمع المدني، من خلال تحديد طبيعة الإنسان، وسيرورتها عبر الزمن. لا شيء غير الزمن، كمرآة تعكس تاريخ الإنسان، و تتبع محطاتها بعد أن كان الإنسان في مستوى "الوضعية الأصلية"، التي تعكس طبيعة محايدة، وفي مستوى اللامعنى؛ إذ ليس بالخير أو الشرير، الزاهد أو الطامع، كما نظر إليه هوبز، الشيء الذي يعني ملاحظة تاريخه الأخلاقي في سياق تاريخي وليس في وضع طبيعي ثابت. من جهة أخرى يخلص إلى حقّ الإنسان في مرافعة من صادر حريته، الذي صيره عبدا لسلطته، فعندما يتأمل المرء أنه خلق حرا، وخرج بني جنسه من بطن واحد، قد تكون هي الطبيعة، فإنه يستنتج أنه حرّ ومساو لباقي الأفراد، وبالتالي اعتبارها حقوقا طبيعية، يقاوم من أجل نزعها ممن اغتصبها منه.

       إذا كانت هناك ضبابية في موقف روسو من الملكية[xxvii]، فإن الارادة العامة الذي أسس لها، من خلال تعليق الحاضر باسم حالة الطبيعة، وجعل الفرد يتملّك القوانين التي تلزمه، إنْ لم يتملّك شيئا، من الأرض أو ممتلكات معينة، فعلى الأقل هو مطالب بإثبات ذاته قانونيا، لتصبح قوانين بلدته وكوكبه بنت إرادته واختياره.

الهوامش:

1.      جون جاك روسو، أصل التفاوت بين الناس، ت: عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط 2013، ص، 23.
2.      نفسه، ص، 30.
3.      نفسه، ص، 38.
4.      نفسه، ص، 49.
5.      نفسه، ص، 47.
6.      نفسه، ص، 55. هذه الخاصية لها دلالة قوية، فلو لم تكن في طبيعة الإنسان، لبقي على الحال الذي هو عليها، من قبل، كالحيوان، ولأن الأمر ليس كذلك، فقد شيد العلوم والفنون، والقوانين، وإمكانية للتغير والتحول، باعتبار الطبيعة الإنسانية إمكانية، لها القدرة على أن تتقدم، وتستوعب محمولات جديدة.
7.       أصل التفاوت بين الناس، م س، ص، 58.
8.      توماس هوبز، اللفياثان، الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ت: دنيانا حرب وبشرى صعب، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ( كلمة) ودار الفارابي،  أبو ظبي، ط1، 2011، ص، 133.
9.      اللوفياثان، م س، ص، 134.
10.      نفسه، ص، 136.
11.      يقول روسو في هذا الصدد" الانتقامات أصبحت هائلة، وصار الناس قساة سفاحين، وهذه هي الدرجة التي انتهى إليها بالضبط معظم الشعوب   الوحشية التي نعلم أمرها، وإنه لما وقع من الشعوب عن الحال الطبيعية الأولى، أسرع كثير في استنتاجه كون الإنسان قاسيا بحكم الطبيعة فيحتاج إلى ضابطة لإلانته، وبينما لا تجد ما هو ألطف منه في حاله الفطرية، المشئومة، ويكون مقصورا بالغريزة والعقل على ضمان نفسه من السوء الذي يهدده، تراه مزدجرا بالرأفة الطبيعية عن اساءة أحد من تلقاء نفسه، وذلك من غير أن يحمل عليه بشيء، حتى بعد أن يكون قد تلقاه، والأمر هو كما جاء في مبدأ الحكيم لوك القائل' لا يمكن أن توجد إهانة حيث لا يوجد تملك'. " أصل التفاوت بين الناس، ص، 64.
12.      أصل التفاوت بين الناس، م س، ص، 68.
13.    نفسه، ص، 79. 
14.      نفسه، ص، 77.
15.      جون جاك روسو، العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ت: بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972، ص، 20.
16.      أصل التفاوت بين الناس، م س، ص، 67.
17.      جون لوك، في الحكم المدني، ت: ماجد فخري، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت، 1959، ص، 154.
18.    نفسه، ص، 157. 
19.    نفسه، ص، 19. 
20.      العقد الاجتماعي، م س، 32.
21.      أصل التفاوت بين الناس، م س، ص، 25.
22.      اميل برهييه، تاريخ الفلسفة، الجزء الخامس، ت: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1993، ص، 200.
23.    جون رولز، نظرية في العدالة، ت: ليلى الطويل، منشورات الهيئة العربية السورية للكتاب، دار الثقافة، دمشق، ط1، 2011، ص، 181.  
24.    نفسه،  ص، 182.
25.       تاريخ الفلسفة، الجزء الخامس، م س، ص، 199.
26.       أصل التفاوت بين الناس، م س، ص، 14.
27.       يحتاج تحديد موقف روسو من الملكية بحثا مفردا بالفعل، ذلك أنه  انتقد الملكية في خطاب التفاوت، وأقرّ بها في مقاله عن الاقتصاد السياسي.




أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث