ابن رشـد والبحث عن الحقيقة - عبدالجبار محمود السامرائي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

أنفاس ثمانية قرون تفصل بيننا وبين المفكر العربي القرطبي الكبير ابن رشد، بيد أن هذه الفاصلة الزمنية الهائلة لم تلغ اتصاله بنا واتصالنا به، فكراً وعلماً وفلسفة. لقد كان الرجل فيلسوفاً بارعاً، خلّف لنا آثاراً شامخة في الحكمة،أبرزها:(تهافت التهافت)،(مناهج الأدلّة)،(فصل المقال) وكتاب في الطب أسمه(الكليات). كان ابن رشد نابغة أهل زمانه، لكن نبوغه كان وبالاً عليه، فقد رمي بتهمة المروق من الدين، ونفي خارج مدينة قرطبة، ثم أحرقت كتبه، وحُرّمت دراسة الفلسفة! بيد أن المحنة لم تدم طويلاً، فقد رد الاعتبار إلى الرجل بعد مضي سنة على المحنة، بفضل من ذوي الفضل وأصحاب الضمير. وفي ليلة الجمعة (11ديسمبر 1198م)الموافق 10صفر595هـ، وفي مفتتح دولة الناصر بالأندلس كانت الفلسفة محمولة على ظهر جمل. الجمل خرج من مراكش قاصداً قرطبة، وكان يمشي وئيداً، لكنه ما كان يحمل جندلاً أو حديداً.. كان يحمل كتباً ضخاماً في جهة، وجثمان رجل في الجهة الأخرى. الرجل هو ابن رشد، الذي مات جسداً، ولم يمت فكراً وروحاً.. أليس هو القائل:"تموت روحي بموت الفلسفة"؟. لقد كان ابن رشد ظاهرة بكل ما تعني هذه المفردة من معنى.ز ظاهرة متفردة في عصره، وصار جسراً من جسور الفلسفة العربية التي امتدت إلى أوربا. وبرغم الأجواء العدائية التي غلفت ابن رشد، إلا أنه قد استطاع بإصراره وأصالة تفكيره أن يضع أُسساً فكرية ونقدية تنم عن تحرر عقلي لا يستسلم للأجواء الملبدة بالغيوم والمصحوبة بقصف الرعود. كان هاجس ابن رشد هو إدراك الحقيقة.. وهذا حسبه.
الفلسفة هي الوليد الشرعي للعقل، وهي ربيبته على مر العصور. لذلك، اتخذ منها ابن رشد منهجاً وأسلوباً، ليهتدي به إلى معرفة الحقيقة. ولما كانت الفلسفة (حب الحكمة) لذا فقد ارتبطت بمعاني النظر والتأمل والتفكير والمشاهدة العقلية. ومادامت (الحكمة) هي النور العقلي الذي نسير على هديه في ظلمات الحياة، لذا فإن الحياة لا تكاد تنفصل عن التفلسف، شريطة أن نفهم من الفلسفة أنها عملية نقد الحياة وتحليلها وتقويمها. والفلسفة لا تخرج عن كونها محاولة إنسانية لتفسير الحياة، وتبرير الوجود، وتأويل الواقع. واما كانت الفلسفة ذات طابع إنساني عام، أو صبغة عقلية كلية، فذلك لأنها تستثير اهتمام كل فرد منا كائناً من كان، إذ ليس بيننا من لم تؤرقه يوماً ما بعض المشكلات حول مصيره، أو حريته، أو قصور معرفته، أو شقاء حياته، أو قلق ضميره، أو فناء وجوده...إلخ. والفلسفة وليدة الدهشة، فالدهشة، كما يقول أرسطو، هي:"الأم التي أنجبت لنا الفلسفة". والفلسفة، تلك الروح التساؤلية التي تقترن دائماً بأداة الاستفهام الكبرى؛لمَ، أو لماذا؟(1). لقد كانت الفلسفة محور اهتمام ابن رشد، ولم يكن من السهل تعاطي الفلسفة في عصره الذي كان فيه للفقهاء المتعصبين نفوذاً كبيراً (2).

 وإذا كان الكندي هو أول فيلسوف ظهر عند العرب، فإن ابن رشد كان أب الفلسفة المقارِنة، والشارح الأول لأرسطو (384ق.م. ــ 322ق.م.) والشارح،كما هو معروف، غير المترجم. لقد أضاف ابن رشد إلى حجيّة العلل الأربع التي استشهد بها أرسطو ما يمكن أن نطلق عليه (التمحيص العقلي) الذي هو أساس الفلسفة، إضافة إلى اعتماده التجربة العلمية التي تدعو إليها الشريعة، دعماً للحقيقة، لقوله تعالى:(ولا يعقلها إلا العالمون) أي ازدواج العقل والعلم كأساس وقوام للوصول إلى الحقيقة. ولذلك، عرّف ابن رشد لأول مرة هذه الازدواجية التي شرحها ابن تيمية في كتابه (موافقة العقل الصريح للشرع الصحيح)، وهو ما توصل إليه الفيلسوف (كانط) بعد قرون في كتابه (نقد العقل المحض)(3). ولما كانت الفلسفة وعلوم المنطق هي مجال العقل وميدانه الخصب، فقد افتتح ابن رشد كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) بالبحث عن حكم دراسة الفلسفة، وتساءل: هل النظر في الفلسفة وفي أمثالها من العلوم العقلية مباح بالشرع؟ وإذا كان القرآن الكريم يأمرنا بالنظر في الأشياء واعتبارها، فالمقصود بذلك هو؛استخدام طريقة الاستنباط التي ينتقل فيها الفكر من قضايا معلومة إلى حقائق مجهولة، استناداً إلى استقراء علمي صحيح. ومن هنا، يرى ابن رشد ضرورة دراسة علم المنطق وأساليبه العلمية في البرهنة والاستنباط، حيث يعد الاستنباط أو البرهان العقلي أرقى أنواع الاستدلال. ولذلك، إذا أردنا أن نتمثل أوامر الله في القرآن الكريم في الاستدلال على وجوده سبحانه وتعالى، بدأنا من عالم الخلق، أي بمعرفتنا للكون. لذلك، يجب أن نميز بين أنواع البراهين، خاصة وأن هناك أنواع جدلية، وأخرى خطابية، ولكن أعلاها، تلك البراهين العقلية. ولذلك علينا معرفة تلك البراهين العقلية الصحيحة، وتفهم كيفية تركيبها وترتيبها، ولا يتأتى لنا ذلك دون الاستعانة بالمجهود العقلي الذي بذله السابقون ـ كما يرى ابن رشد ـ من فلاسفة اليونان، كأرسطو الذي رتب منطقه الصوري على أتم وجه. لقد دافع ابن رشد عن أرسطو وفلسفته، لأنه يرى في هذه الفلسفة بناءاً عقلياً يمثل نسقاً متكاملاً لم يتكرر في الفكر اليوناني عند فيلسوف آخر. ويرى ابن رشد أن الآراء الفلسفية التي يأتي بها، لها ما يبررها داخل المنظومة والنسق الأرسطي المتماسك البناء. بعبارة أخرى، أن الصدق في هذه الآراء الفلسفية متحقق داخل المنظومة الأرسطية لا خارجها. لذلك، نجد أن المبدأ المنهاجي الذي سار عليه ابن رشد في شروحه لمؤلفات أرسطو هو قوله حكاية عن هذا الحكيم نفسه:" من العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه". لقد نبع إعجاب ابن رشد بأرسطو من كونه وجده باحثاً جاداً عن الحقيقة ومجتهداً بارعاً، أي عالماً يحاول فهم (كتاب الكون) برغم وعيه أن أرسطو فوق كل شيء ليس على وفاق معه. فالمبادئ التي كان يستند إليها أرسطو في البحث عن الحقيقة، لم تكن كلها على وفاق تام مع المبادئ التي يرتكز عليها الدين الإسلامي الذي يعتنقه الفيلسوف الكبير ابن رشد... وهكذا كان ابن رشد وأرسطو صديقين حميمين، لأنهما كانا يسيران على طريق واحد، طريق العقل، وكانا يهدفان الهدف ذاته؛ هدف الوصول إلى الحقيقة. ولكن الفيلسوفين، من جهة أخرى، لم يكونا يصدران من منطلقات وأصول واحدة.. لقد كان لكل منهما منظومته المرجعية الخاصة، وتلك هي العلاقة التي يقيمها ابن رشد بين الدين والفلسفة(4). لقد كان ابن رشد يرى في الحقيقة ضالة يتوق إليها الإنسان بطبيعته، وهي قيمة يمكننا أن نعثر عليها إذا بحثنا عنها، وسلكنا إليها الطريق الصحيح. ولهذا نجد ابن رشد يقول في تفسيره لما وراء الطبيعة:" من المعروف بنفسه عند جميع الناس، أن ها هنا سبيلاً تُفضي بنا إلى الحق، وإن إدراك الحق ليس يمتنع علينا في أكثر الأشياء. والدليل على ذلك أننا نعتقد اعتقاد يقين، أننا قد وقفنا على الحق في كثير من الأشياء، وهذا يقع به اليقين. ومن الدليل على ذلك ما نحن عليه من التشوق إلى معرفة الحق، فإنه لو كان إدراك الحق، ممتنعاً، لكان الشوق باطلاً، ومن المعترف به.. أنه ليس ها هنا شيء يكون في أصل الجِبلة ـ أي طبيعة الشيء ـ والخلقة وهو باطل"(5).
  والحقيقة التي يبحث عنها الفلاسفة هي:"تطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان"(6) ومعنى هذا: أن حكمنا يكون صادقاً، حينما يتطابق تفكيرنا مع الأشياء. والقول الحق، إنما هو القول الأمين للواقع، فالحق نسخة طبق الأصل من الواقع، أو، هو مثول الواقع نفسه في صميم الفكر الذي يتم التعرف عليه.(7)... إذاً فالحقيقة لها وجود قائم، ولنا السبيل الذي يفضي بنا إليها ـ في نظر ابن رشد ـ ودليله على ما يقوله:" ما نقف عليه من الحق في كثير من الأشياء أولاً، وتشوقنا إليها ثانياً، فتشوقنا إليها دليل على وجودها، لأنه لا يمكن، وهو في أصل الجبلة والخلقة، أن يكون باطلاً". ولكونه بهذه الصفة، فإنه يمكننا أن نعتبر طلب الحقيقة والبحث عنها، أمرين طبيعيين مرتبطين بطبيعة افطرة الإنسانية، وليس أمرين يمتاز بهما لدى ابن رشد طائفة خاصة من الناس. فأمثال الغزالي من المتعطشين غليها، وأمثال ديكارت ممن يشعرون شعوراً مؤلماً بحرمانهم منها. لذا فهم يطلبون الحقيقة، ويطلبها كل إنسان وصل إلى الإدراك الكامل لوظيفته الأساسية في الوجود، ووعى إلى أهمية تحقيقه لوظيفته الأساسية هذه، وهي: معرفة الله تعالى، ومعرفة سائر الموجودات على ما هي عليه، وكذلك معرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي... ان هذه المعرفة الشاملة هي الوظيفة الأساسية ـ في نظر ابن رشد ـ التي يقوم بها الإنسان الكامل الذي يهمه أمر وجوده، ويحاول بواسطة عقله أن يعرف حقيقته ليخرج من الظلمات التي تحيط به وتقيده إلى النور الذي أطلق سراحه. إن هذه المعرفة (معرفة الحقيقة) هي علامة يقظة الإنسان الكامل، ووسيلته إلى إثبات نفسه كإنسان مسؤول، يعنيه أن تكون آراءه صحيحة، ومواقفه واعية، وأعماله على بصيرة، وغاياته سامية، تتفق وتنسجم مع غايات الوجود.(8).
 لقد سعى ابن رشد إلى إدراك الحقيقة بالعقل، حيث يعتبره وسيلة المفكر الوحيدة والصحيحة لإدراك الحقيقة. فالعقل وسيلتنا إلى الحقائق الطبيعية، لأنه هو الذي ندرك به الموجودات التي تحيط بنا بأسبابها الفاعلة، وبأسبابها الذاتية، ولولاه لما كان لنا حدّ، ولا برهان، ولا علم حقيقي.(9). والعقل هو وسيلتنا التي تصل بها نفوسنا إلى معرفة ذواتها، وذلك حين يصل المرء إلى إدراك نفسه، ويصير العالم والمعلوم بالنسبة إليه شيئاً واحداً، ولولا العقل لما كان لنا علم بوجودنا، وما نصبو إليه من سعادة وكمال(10). إن العقل ـ في نظر ابن رشد ـ هو الطريق إلى المعرفة والهداية والكمال، ولهذا يدافع عنه، ويقضي على كل عُدُول عنه، ويحارب كل استعمال سيئ لمناهجه في البحث عن الحقيقة. لقد أعطى ابن رشد العقل المقام الجدير به في البحث عن الحقيقة، ولكنه يبعده عن النظر في الأمور التي تتجاوز مداركه (المغيّبات). ولذلك، فابن رشد يعتمد على العقل في الإدلاء بآرائه، ولا يعوّل إلا عليه من أجل الوصول إلى الحقيقة، بل ويمنحه سلطة مطلقة، ويرى أنه يجب عليه وعلى كل إنسان أن يخضع لها دون خوف(11). وصفوة القول؛ هل الفلاسفة المحدثون، مؤهلون للبحث عن الحقيقة والعناية بها كما كان ابن رشد؟ وإذا كانت الفلسفة وليدة الدهشة، فما وجه الاندهاش الذي تدعونا الحداثة للاضطلاع به كمهمة تخصنا؟.. هذا هو السؤال.
------------------------------------------------------------------
المراجع:
(1)ـ د.بركات محمد مراد/تأملات في فلسفة ابن رشد/نشر الصدر لخدمات الطباعة(سيسكو).
(2)ـ د.زكريا إبراهيم/مبادئ الفلسفة والأخلاق/القاهرة1966.
(3)ـ رمزي نجار/الفلسفة العربية عبر التاريخ/بيروت1977.
(4)ـ د.بركات محمد مراد/المرجع نفسه،ص47ـ50.
(5)ـ ابن رشد/تفسير مابعد الطبيعة/ج1ص5/ط1بيروت1967.
(6)ـ د.زكريا إبراهيم/المرجع نفسه،ص46.
(7)ـ المرجع نفسه.
(8)ـ د. بركات محمد مراد/تأملات في فلسفة ابن رشد،ص35ـ36.
(9)ـ ابن رشد/تهافت التهافت/ج2،ص869 و781 ومابعدها/ط1دار المعارف/القاهرة1965.
(10)ـ د.محمود قاسم/في النفس والعقل/ط3 القاهرة1962.
(11)ـ د.بركات محمد مراد/المرجع نفسه،ص39.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟