الإثنين 20 شباط

أنت هنا: الصفحة الرئيسية فلسفة وتربية علوم التربية كي تكون معلما عظيما ! ـ حميد بن خيبش

علوم التربية

كي تكون معلما عظيما ! ـ حميد بن خيبش

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse11011
على امتداد عشرة فصول من كتابها (طرائق التعليم المفضية إلى التعلم)*،تعرض الكاتبة أدريين ماكريشنر خبرتها التعليمية لأزيد من عقدين،بروح تواقة إلى حفزك لتذوق متعة التعليم وإدارة الصف ،بعيدا عن التفاعل الروتيني مع التوجيهات الرسمية. وذلك عبر استراتيجيات تدريسية تحقق تعلما مستمرا وعالي الجودة،كما تتيح للمعلم دليلا إرشاديا يلبي الطموح إلى تحقيق الفاعلية بجهد أقل !
تنصت المؤلفة إلى عشرات الهواجس و الأسئلة المقلقة التي لا تزال حتى اليوم تكتنف علاقتنا بالبيئة الصفية،فتقدم إجابات ومقترحات،وخلاصة سعي دؤوب لفك شيفرة التعلم التي بدونها يظل القسط الأوفر من جهدنا التعليمي مراوحا مكانه.
إن فشل استراتيجية تعليمية أو نجاحها رهين اليوم بإدراك ما يجري داخل هذا البناء المذهل الذي يمثله الدماغ البشري. فكلما اكتشفنا كيفية تعلم الدماغ إلا وصارت عملية التعليم و التعلم أكثر نجاحا،يقول دافيد سوسا، لكن المؤسف في الأمر أن المعلمين لا يتسنى لهم الحصول على مستجدات البحث العلمي حول علاقة التدريس بالدماغ في الوقت المناسب، مما يفضي إلى هدر كثير من الوقت و الجهد في اعتماد استراتيجيات لا تتناسب مع ميول واحتياجات المتعلمين.لذا ارتأت المؤلفة تصدير مستهل كتابها بتقديم حقائق علمية تصحح الأداء التعليمي داخل الفصل،ومن أهمها :

ـ  أن ربط المحتوى التعليمي بالخبرات السابقة شرط ضروري لإكساب الصغار معارف ومهارات جديدة.لأن الذاكرة بعيدة المدى لا تهتم سوى بتخزين المعلومات التي يستشعر المتعلم أهميتها ومعناها في حياته.فكلما ربطنا ما نتعلمه بمعارفنا الحالية زاد فهمنا له وديمومته في ذاكرتنا.
ـ  وأن القدرة على التذكر و استرجاع المعلومات مرتبطة أولا : بتحويل التعلمات إلى منتجات مبدعة (رسم ،لحن موسيقي،مقال ،حديث ،أو أي مشروع شخصي آخر) بحيث تيسر دمج التعلمات بالخبرة الحياتية.
وثانيا بالتعمق و الاستغراق في تنفيذ مهمة تعليمية واحدة،بدل التوسع و التشتت في مواد و مهام متنوعة.
وثالثا بمنح المتعلم وقتا كافيا للاسترجاع و التذكر ،وعدم السماح برفع الأيدي والإجابة عن السؤال إلا بعد الانهماك في التفكير لمدة لا تقل عن ثلاثين ثانية،لأنها المهلة التي توسع لاحقا شبكة المنخرطين في الممارسة الكفؤة للنشاط التعليمي ،وتكسب التلاميذ عادة التفكير فيما تعلموه .
ـ  وأن تحسين الاتجاهات نحو التعلم يبدأ من مساعدة التلاميذ على إيجاد روابط بين أهداف التعلم وعالمهم الحالي و المستقبلي ،والسماح لهم بالتفاعل فيما بينهم أو مع ذواتهم،وترك القيادة لهم وفق خطة تتساوق مع خطوات تعلم الدماغ البشري.
أما الخطوة الثانية في دليل ماكريشنر فهي تأسيس بيئة صفية داعمة للتعلم.لكن الأمر يستدعي بداية وضع معتقدات و تحيزات المدرسين على المحك،قبل إرساء جو من الثقة و الاستعداد لخوض غمار المهمة التعليمية :
" إننا نبني تدريسنا على معتقداتنا حول التلاميذ ،فلو ظننا أنهم لا يستطيعون التعلم فلن ننتظر منهم الكثير،ولو اعتقدنا أنهم غير أمناء فسنغلق الأقفال على ممتلكاتنا وموارد الصف،ونحبسهم في المقاعد."ص30  
" إن كنت تكره مادتك أو المستوى الصفي،وإذا كنت لا تقدر المنهج فإن تلاميذك كذلك سيشاطرونك الشعور ذاته،ويشعرون كذلك بأنهم عبء ثقيل،لأنهم ممزقون بين ما يتحتم عليك تدريسه وما ترغب فيه.إن التدريس الجيد هو الذي ينطلق من معارفنا وعواطفنا حيال ما نُدرس ومن نُدرس له.أحبها أو اتركها !" ص 32
وخلال الأسابيع القليلة الأولى ينبغي أن يُنضج المعلم شروط بناء مجتمع صفي جذاب،عبر إدارة جيدة تُشعر التلاميذ بمسؤوليتهم حيال تعلمهم،وتتحلى بالمرونة وتعزيز الاتجاهات الإيجابية نحو التعلم.إن ترك المبادرة لهم في توفير احتياجات البيئة الصفية " حجرة نظيفة وخضراء ،تبادل التحية ،إثراء مكتبة الفصل ،التنظيم المريح ،استخدام منعش أو معطر جيد في ساعات الحر الخانق،تشغيل مقطوعات موسيقية.." كل ذلك من شأنه أن يعزز احترامهم للفصل ،ويُشعرهم ببيئة آمنة لا مدعاة فيها للخجل و الارتباك.
أما دور المعلم فينحصر في وضع جدول للأعمال يحدد المهام ومواعيد الإنجاز ،والقواعد التي تضمن بيئة آمنة ومريحة.كما يُطلع صغاره في نهاية كل حصة على (صحيفة التعلم) التي تلزمهم طرح الأسئلة بشأن ما جنوه من ثمرات ذلك اليوم،وتحديد ما يرغبون في الاستزادة منه ،وما يستدعي التوضيح أو المراجعة .
ولأن الدافعية شرط للوصول إلى خبرات تعلم قوية،فإن تحفيزها يظل أمرا بالغ الأهمية.والمعلم مسؤول عن تهيئة الظروف،وإذابة ألواح الجليد التي تحول دون تحمس الصغار و استجابتهم .إن المؤلفة وهي تعرض خطوات ذات بعد وجداني واجتماعي لحفز الدافعية ،تؤكد مرة أخرى على أن جوهر العلاقة بين المعلم وصغاره لابد أن يصطبغ بالدفء و التفهم و تبادل الثقة.وأن أي فتور في المشاعر يعني ببساطة أنك لا تصلح للمهنة ! لذا يتوجب على المعلم " العظيم " أن يُشعرهم بأنهم محط الاهتمام ،وأن يحرص تنمية معارفهم ومهاراتهم التي تحقق زيادة نوعية في معيشتهم وإحساسهم بأهمية الذات،وأن يقدر جيدا كونهم يتعلمون في سياق اجتماعي مما يحتم عليه السماح لهم بوقت لتوطيد علاقاتهم فيما بينهم،ويربط تعلماتهم بالخبرات التي تجعل الحياة و التعلم ذوي معنى. إن نقص الدافعية يحيط بنا من كل مكان،تقول ماكريشنر، وإذا كان التلاميذ غير قادرين على الربط بين ما نعلمهم إياه ،وما يحسون بالحاجة لتعلمه ستنخفض الدافعية .ص 55
لا يعني الأمر البتة انقلابا على معايير المحتوى التعليمي أو الأهداف التعليمية المسطرة من لدن الجهة الوصية ،بقدر ما يعني إشراكا للتلاميذ منذ البداية في اختيار المعايير المستهدفة وإقناعهم بمدى ما يعود عليهم من نفع بتحقيقهم للأهداف التي تلبي متطلبات العالم الخارجي .تلك خطوة أولى تلزمهم بذل الجهد لتحقيقها،لكنها سرعان ما تفقد توهجها إن لم يحرص المعلم على تجهيز كل هدف تعلمي بمجموعة من التطبيقات " الحياتية " و الغير أكاديمية.إن الوتيرة التي تتضاعف بها المعلومات في ظل الانفجار المعرفي و التقدم المذهل لتكنولوجيا الحواسيب لا بد أن تحملنا على طرح أسئلة من قبيل : ما الذي ندرسه للتلاميذ الآن ويظل له معنى وأهمية حين يصبحون آباء ومواطنين وجزءا من القوة العاملة ؟ وكيف سنُدرس للمستقبل ما لا نعرفه ؟ إنها أسئلة تفضي بحسب المؤلفة إلى تبني استراتيجيات تعليمية تدمج أهداف المنهاج الدراسي مع المهارات الأساسية للقرن الحادي و العشرين التي عبر عنها بوضوح دايفيد ثورنبيرج في مؤلفه القيم " الأسس الجديدة : التعليم ومستقبل العمل في عصر الاتصالات " .
بعد الانتهاء من تحديد الأهداف التعليمية ،ووضع خطة تدريس محكمة يجيء وقت التخطيط للتقويم ،وما يثيره من أسئلة مؤرقة بشأن ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.لقد اعتدنا توزيع نقاط اختبار لا صلة له بحقيقة التعلم،لترك الانطباع بأن البعض تعلم و البعض الآخر لم يفلح،بيد أن هناك قائمة أسئلة تلح المؤلفة على تأملها و التعامل معها بغية إعادة النظر في أسلوب التقويم المعتمد برمته. و الحق أن القراءة المتأنية لأزيد من أربعين جملة استفهام تقود إلى محاكمة ضمنية للارتجال و العبث و التسرع الذي يطبع حتى اليوم إجراءات التقويم في مؤسساتنا التعليمية،وتسائل الكفاءة التقويمية لمعلم الفصل، وخطورة الاحتكام إلى قوالب جاهزة تعتمد الكم مؤشرا لجودة حواصل التعلم !
تقترح المؤلفة تغذية راجعة تشاركية ،لا تعتمد المدرس مصدرا أوحد للتقويم بل توظف جماعة الأقران التي تسهم على نحو فاعل في تنقيح التعلمات ،والتعاون لتحقيق تقويم دقيق للذات بدل الخضوع للمدرس كمقوم خارجي.
لا تكتمل دورة التدريس إلا عبر تدبر كيفية التعلم ،ورصد ما حققه التلاميذ من تقدم عبر ما جمعوه في حقائبهم التعليمية،أي تلك المجموعة الشخصية من الأعمال و الإنجازات التي تحدد مواطن القوة و التعثر. ولهذه الحقيبة التعليمية دور محوري في جعل الصف متمركزا حول المتعلم ،وتحويل المهام الصفية من أنشطة ينجزها المتعلم إرضاء لمعلمه إلى أداة لمعرفة كيفية التعلم.ولعل من أهم مزاياها أنها تغذي تفكير التلاميذ،وتجعل من تأملهم لما أنجزوه ،ومقارنته باستمرار مع الأهداف المسطرة وسيلة دينامية داعمة للتعلم عالي الجودة.
تخصص المؤلفة الفصول الأخيرة لعرض العادات الأكاديمية الإيجابية التي ينبغي أن يتمتع بها طلاب المستوى الثانوي ،والإشادة ب "مؤتمرات التلاميذ" التي تحقق تواصلا فعالا مع الآباء وأولياء الأمور ،كما تقترح " ذخيرة "من الاستراتيجيات التدريسية التي تتيح للمدرس بدائل يمكن تطويعها لتلائم أهداف كل مادة تعليمية ،ومن بينها : استراتيجية القراءة التفاعلية ،والعُصارة ،ورموز القراءة النشطة ،وأسئلة المحادثة التأملية و غيرها ..
إن المعلم العظيم ،كما حددت المؤلفة أدواره ومواصفاته ،هو الذي يتعامل بمزيد من الفطنة مع عمله ،ويوفر لصغاره الأدوات ثم يترك لهم العنان لدعم تعلماتهم بأنفسهم. فليست الفعالية محصلة العرق المبذول بقدر ما هي براعة " الحرفي " في نقل الحمل إلى عواتق صبيانه !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أدريين ماكريشنر : طرائق التعليم المفضية إلى التعلم .دار الكتاب الجامعي. غزة 2009

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث