المعلوماتية وتشكيل الثقافة مسألــة مجـــاز- جوزيف سليد- ت: حسام الخطيب

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا
هناك اتفاق بَديَهيّ على أن تاريخ الغرب استقى تسمياته المجازية من التقانات السائدة في عصوره المتعاقبة. وإذ نتحدث عن العصر الحديدي، أو عصر الملاحة، أو عصر الساعات، فإننا ببساطة لا نضع في أذهاننا تلك الثقافات وحدها بل نشير إلى الطرق العديدة التي اتبعتها مجتمعات هذه العصور في تقديم تلك الثقافات إلى العالم ومكانة العنصر البشري في هذه العملية. ونحن ندرك جيدا مدى الأهمية التي اكتسبها دولاب الحياكة لدى الإغريق القدامى.
فمثلا لا ترجع هذه الأهمية ببساطة إلى حكاية بنبليوبي زوجة أوليسوس في الأوديسّة، التي شغلت نفسها بحوك القماشة طوال فترة انتظار عودة زوجها، وإنما ترجع إلى أن الإغريق رفعوا هذه المهنة اليدوية، التي هي مهمة بحد ذاتها، إلى مستويات روحية ترمز إلى ما يصنعه القدر في حياكة مصير حياة الناس. كما نعلم أن الدهشة الناتجة عن آليات عمل الساعات في القرنين السابع عشر والثامن عشر ألهمت المثقفين باتجاه تأويل طبيعة المجتمع البشري والكون بأكمله على أنها خاضعة للعقل وبالتالي للتنبؤ بالمستقبل، وأشبه بفلتات يوجّه تحريكها صانع حاذق.(1)
واكتفاءً بمثال واحد نذكر أن توماس جفرسون بنى على أساس هذا المجاز «ثوابت الحقائق» الواردة في الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان. ثم إن الآلة البخارية عجلت حدوث الثورة الصناعية ولكنها أيضا دفعت سيغموند فرويد لوضع تصور للنفس الإنسانية مشتقٍ من اختراع جيمس وات للآلة البخارية بتصور الهو id على أنه مرجل للغليان والأنا ego على أنه قطار يدار بالطاقة والأنا الأعلى superego على أنه دولاب قيادة ضابطٍ للمسيرة. وللحاسوب يعود الفضل في إقبال ورثة فرويد على اعتبار ذواتهم أشبه بدوائر من الأسلاك الصلبة أي العتاد Hardware والبرمجيات العصبية Software.
وفي أيامنا هذه ما زلنا نراوح بين التسميات المختلفة لحقبتنا التاريخية بحيث لم تثبت أية تسمية مقترحة مثل: الحقبة ما بعد الصناعية، عصر التقانة النترونية، Technetronic، ثورة المايكرو The Micro Revolution. مجتمع شبكة الاتصال The Network Society. بل حتى عصر الحاسوب. وكل هذه التسميات تنبثق من تصورات ثورة التقانة. إلا أن أقواها على الصمود تلك المسميات التي تقرن الإعلام بالمعالجة الحاسوبية Processing. أي مثلا عصر الاتصال The Age of Communication أو الحقبة الرقمية Digital Era، أو ثقافة الاتصال. وتطغى على جميع هذه التسميات تقريبا أهمية التركيز على البثّ والتخزين والترميز. والحق أن المعلوماتية هي نظام معرفي انبثق من علم المعلومات والاتصال، ومن معالجة المعلومات، ومن تشغيل أنظمة المعلوماتية، وجميعها أتت استجابة لقفزات مثل هذه المجازات.
ونحن نعلم بالطبع أن جميع التقانات البشرية تنبثق وتتشكل في أحضان المجتمع وأن من قصر النظر إلصاق الحتمية «بمقدرتنا على أن نصنع» وهي العبارة التي استخدمها أرسطو لتعريف التقانة. وحين نتحدث عن التقانات في تشكيلها للثقافة ينبغي أيضا أن نتحدث عن الجانب العكسي أي عن الطرق التي تنتهجها الثقافة لتشكيل التقانات.
وهكذا فإن التقانة والثقافة هما مفهومان متقلبان، وفي الحالتين كلتيهما لا بد أن نعمد إلى المجاز. واليوم إذ نحن مُصابون بالدوار إزاء مقدرتنا على معالجة المعلومات، نعطي الأولوية للتقانة، وهو تحزّب بادٍ في قرننا العرضي للمعلومات مع الثقافة تحت عنوان ثقافة المعلوماتية Information Culture. حيث يبدو الجانب الأهم من المصطلح هو صفة الاسم. ومع أن جمهرة الناس يعتبرون الثقافة مجموعة من التقاليد والإضافات والعادات، نرى أن علماء عدد من التخصصات مثل المعرفة البشرية، والذكاء الاصطناعي، وعلم الأحياء التطوري، والبيولوجيا الجزيئية، وأنظمة الاتصال الجماعية يرَون الآن أن كلاً من البشر حسب نمط تيورنغ (Turing’s Man) وثقافاتهم يؤدون وظائفهم من خلال كونهم «معالجي معلومات». ولكن بما أن هذه المشابهات المعلوماتية تفرض نفسها على وعينا، ينبغي أن نعترف أن هناك مجازا قوي الصلة بالديناميكا الحرارية، يعتبر أساسا لفتوحات عديدة في المعالجة المعلوماتية.، أُضيف (وربما أسلس العنان) إلى مجازات أشد عضوية في مجال الثقافة. وهذا يعني أنه لا بد من السبق إلى فرض النظام على الفوضى. وتقويض المعلوماتية من خلال المعالجة، وإعلاء شأن العلامات على الفوضى مثلما يحدث في مجال الائتلافات الكلاسية للديناميكا الحرارية، نرى أن المجال العضوي لأيامنا هذه يخصص مزيدا من الوزن للتنظيم الذاتي، وخلق المعلوماتية من الفوضى وإبراز المعنى من قطاعات ثقافية غير متوقعة. والاستناد إلى هذه النقلة المجازية يمكن أن يدفع المعلوماتية إلى إدراكٍ مفهومي أفضل يوضح كيف أن ثقافة توصف عادة بأنها متصلبة من جراء ماديتها يمكن أن تحافظ على تماسكها، وكيف أن الثقافة لا يمكن فقط أن تشكّل ولكنها أيضا يمكن أن تشكل ذاتها من خلال معالجة معلومات تعنى بأنظمة العيش وطرقه بقدر ما تعنى بالأنظمة الآلية والإلكترونية.
معالجة المعلومات والاقتصاد المادي
إنّ قابلية استنتاج المشابهات المبنية على الثقافة ليست أمراً عصيّاً على المقاومة فحسب، بل يكون في الغالب كاشفاً، ولو لسبب واحد هو أنّ التقانة هي الواجهة الأساسية التي تربط البشر بالعالم الطبيعي. ومن خلال التقانة يستطيع أبناء جلدتنا أن يغيّروا أنفسهم وكذلك البيئة من حولهم، وهي عملية بدأت في الغرب من خلال المجازات حول طبيعة اعتُبرت منذ البدء أنّها قاصرة ومعادية وفوضوية. وفقًا لكتاب ماكس ويبر: أخلاقيات البروتستانت ومادية الرأسمالية، نأى الكلفينيون بأنفسهم عن الفوضى الشاملة (العشوائية المكشوفة) للطبيعة، من خلال محاولة تجاوز اللايقينية إلى النظام وفرض الضبط. وكانت اللغة أداتهم الأساسية، التي هي أهم تقاناتهم الأولية والمؤلفة من نظام من الرموز الاعتباطبة التي يمكن فكاكها عن الواقع الذي تمثله. وتلك اللغات التي يُزعًم أنّها طبيعية تفسح المجال دائمًا لرموز أكثر اصطناعًا وأكثر تعقيدًا من خلال وحدات قادرة على توليد تشكيلات وتعسفات لا نهاية لها، وكذلك من خلال الإضافات التي تولّدها طاقة الآلات الحرارية، أدّت اللغات والرموز وأنظمة التعليم إلى تحويل الطبيعة إلى تماثلات وأشكال من الزيف وأنظمة مصطنعة. كما امتدّت الرغبة في السيطرة إلى هندسة المجتمع، التي سمّاها ماكس ويبر «العقلانية»، وأحكمت قبضتها. وترتّب على ذلك خطر تمثّل في الطاقة الفائضة (إنتروبيا *entropy)، حيث أدى التنظيم المسرف إلى القضاء على الاختلاف السليم، وحيث أدى الانضباط القاسي للبنى المصحوب بمبالغة في العقلانية إلى خطر خنق التجديد وإلى تصلب الثقافة. وبين حين وآخر كانت هناك تفجرات قليلة للخروج على العقلانية المسرفة من مثل بروز الأشكال أو الحركات التي اعتبرها ويبر «خارقة» Charismatic والتي استطاعت أن تخترق، لا أن توقف، مسيرة التحكم. وكانت دينامية العقلنة والاختراق لدى ويبر النظير الثقافي للقانون الثاني في الديناميكا الحرارية المبني على أن كل عمليات تحويل الطاقة تتسبب في الانتقاص من الناموس الكوني. إن رؤية ويبر، ربما بمنأى عن الزخارف الدينية، مازالت تطبع افتراضاتنا الثقافية بطابعها.
إن الاندفاع باتجاه التحكم ظهر للعيان في هندستنا للاقتصاد المادي. وما أن انقضى العصر التجاري Mercantile Age وفسح المجال للعصر الصناعي (ها نحن نستخدم تسميتين مجازيتين أخرىين) حتى تولت هندستنا الزمام وروضت عمليات الاستخراج والانتاج والتوزيع.
وأدت الآلات التي تعتمد على طاقة الماء والبخار والانفجار الذاتي والكهرباء، أدت إلى ازدياد محصول الزراعة والتعدين والتخشيب والحفر وصيد الأسماك ومكنت المعامل من إنتاج كميات ضخمة من البضائع، كما طورت سرعة انتشار شبكات النقل بغية تسليم المواد الخام والبضائع المصنوعة لأسواق تتزايد وتتوسع باستمرار. وكما يشير جيمس بنيجر James Beniger في كتابه : «ثورة التحكم: الأصول التقانية والاقتصادية لمجتمع المعلومات». أدى حجم وسرعة وكمية هذه الأنظمة إلى أزمات في التحكم تمّ حلها من خلال تقانات المعلوماتية: التمييز والتخصيص، المعالجة المسبقة، البرمجة، الاستقلال الذاتي الموزع، التغذية الآلية الراجعة، الدمج والتنسيق بمقياس هائل وقادر على توفير استقرار للأنظمة التي عالجت المواد المصنعة مثل: المدخلات والوسائط والمخرجات.
ومن أجل دعم تنظيم هذه الأساليب عملت ثورة التحكم على توريد جيش جرار من التقانات الملحقة على شاكلة تحسين وسائل البريد، وقواعد المعلومات، وتوحيد الأوزان والمقاييس، والتغليف، والإدارة البشرية وتنظيم المكاتب. وغير ذلك.
وكما في تخطيط ويبر، ظهرت بنى التحكم أيضا كمستويات من التميّز المجتمعي. ويضيف بنيجر نقطتين أخريين في مجال قطاعات الاستخراج والانتاج والتوزيع.
الأولى هي القطاع الرباعي القائم على التجارة والتمويل والتأمين والسكن، والذي يشكل بنية تحتية موازية ومواتية لجمع ومعالجة وتوزيع المعلومات اللازمة لكل طراز معيشي من أجل التحكم في سيرورة المواد الأولية.
والثانية هي القطاع الخماسي وهو أرفع القطاعات في انتقاله من البيئة الفيزيائية إلى المستويات الأعلى مثل: الحكومة والقانون والتعليم، التي تمثل البرمجة المجتمعية - التكيف الاجتماعي،التعليم، التشريع- إلى جانب اتخاذ القرار الجماعي أو التمثيلي من أجل التأثير في التحكم.(2)
وهذه القطاعات في مستوييها الملحوظ أو الملفوظ تمثل المعالجة المعلوماتية على الصعد السياسية والاجتماعية والاتصالية، التي يتبع فيها بنيجر سلفه ماكس ويبر في اعتبارها أبرز ظواهر تراث العقلانية في أوجها وكذلك التحكم: أي البيروقراطية.
إن البيروقراطيات هي سلطات هرمية مصممة للتحكم في المدخلات المنسقة والمدخلات الوسيطة والمخرجات من خلال المعلومات ومعالجتها وتوزيعها، وتبدو من الناحية النظرية أنها منفتحة للتغذية الراجعة feedback من جانب المستويات الأدنى، مع أن البيروقراطيات [متفردة بالسلطة] وعديمة الاستجابة بل متحكمة، حينما تكون هرمية حادة، تقطع أوامرها الطريق على كل تغذية راجعة. وحينما تتحكم البيروقراطية، تتولى أحكامها برمجة الناس وإعطاء فرصة محدودة للمشاركة في اتخاذ القرار إلى جانب استقلالية ذاتية متواضعة حسب المستويات والطبقات المختلفة.
فمثلا السمسار، على الرغم من أنه يبرمَج بغرض اتباع الأحكام، يتمتع باستقلال ذاتي محدود ليقرر متى يمكن تطبيق هذه الأحكام، وكذلك شأن موظف التذاكر في القطار أو عامل الهاتف أمام جهاز رقمي. إن البنى البيروقراطية تدفع كل واجهات الثقافة الإنسانية من خلال إلقاء لوم التقاعس وضعف الكفاءة على مثل أولئك العاملين.
إن المربّين غالبا مايتلكأون عند تشخيص ما يفعلونه من برمجة، إلا أن التعليم الذي يأخذ شكل معدات وبرمجيات» Software – Hardware» ثقافية يزيد من قوة البرمجة الطبيعية الجاهزة التي يرثها كل مولود. والمشابهة الحتمية لهذه الحالة هي الحاسوب، فالتلاميذ يكتسبون من خلاله خوارزميات الثقافة، وقواعد اتخاذ القرار ونماذج الفهم، ومع ذلك تبقى برمجتهم مفتوحة إزاء استقلالهم الفردي ومبادرتهم وإبداعهم.
إن الثقافات الغربية تبرمج الأجيال على امتداد عقدين من السنين قبل أن تلحقهم (تحقنهم) بالقوة العاملة التي تزداد ميلا باتجاه المعالجة المعلوماتية، ولكن أيضا تستمر في برمجتهم طوال حياتهم من خلال الإعلام الجماهيري والأقنية القادرة على شحنهم بكميات هائلة من المعلومات الثقافية.
ومن سخرية القدر أن المربين هم الأسرع إلى الفهم وإلى حقن الطلبة روتينيا برسائل إعلامية مبرمجة: مثل «الحروب الثقافية» المزعومة والصراعات الناتجة عن السياسات والأيديولوجيات التي تلتهب من خلال شبكات الإعلام. وتقدَّم المعارك بطرق تمثيلية من شأنها أن تنوب عن الجهات المختلفة وتتصادم. إن الأكاديميين ومثلهم سائر الناس يلومون وسائل الإعلام بما تقترحه من نماذج تنميط الجنسين والتحزبات الطبقية، والحزازات العرقية والسلوكية، والشعارات الثقافية المتنوعة. ويُجمعون في إلقاء اللوم بشأن هذه الإساءات على أعتاب شبكات الإعلام النهمة.
والحق أن الغربيين يصرفون وقتا طويلا في مناقشة السلطة المزعومة لشبكات الاتصال التي تحصرهم وتفرقهم في آنٍ معاً. وكما يذكر جيمس كاري James Carey، من الملاحظ أن معظم الدراسات المتعلقة بوسائل الإعلام ركزت على نماذج البث أكثر من تركيزها على المناحي الطقوسية للاتصال، وعلى الإضافات المتراكمة التي تغذي الجماعات وتقودها إلى الاستقرار مع تأكيدات المقاصد، ربما لأن الوظائف الطقوسية للإعلام تفتقر إلى الدرامية وقوة التأثير، وتبدو أشبه بمفعول غرفة ذات أصداء(3). ثم إن النظرية الكلاسية للإعلام قد دُفعت باتجاه البث، وحتى كلود شانون Claude Shannon من جهابذة علم المعلومات، كان أكثر اهتماما بكيفية البث غير المخلّ من كيفية استطاعة الرموز على نقل المعنى. وبالتأكيد يعاني المعنى من الإخلال تحت وطأة مواصفات البث. وكما ألمح جون ديوي John Dewey الذي قال: «إن المجتمع لايوجد فقط من خلال البث والاتصال، ولكن من الصواب أن نقول: إنه يوجد في البث وفي الاتصال.»(4)
وقد أثيرت تساؤلات حول تأثير التقانة وعمقت الاعتقاد بالحتمية التقانية. وأوضح هارولد أنيس Harold Annis في كتابه «إمبراطورية الاتصال» أن شبكات النقل التي هي الأسبق إلى تبنّي أنظمة الإعلام الحديثة جعلت التحكم بثقافات أوسع ممكنا. وفي كتابها «المطيعة ودورها في التغيير» أوضحت اليزابيث آينشتين أن اختراع الطباعة هو الذي جعل المعلومة متوافرة للمتعلمين وأدخل هذه الثقافة من خلال تقويض السلطة القائمة آنذاك. أما هارولد أنيس، تلميذ مارشال ماكلوهان، الذي أدهشه مجسّ إلكتروني مطور ومقوى فقد أجرى مراجعة لتاريخ الثقافة من المرحلة الشفوية إلى مرحلة الخط فالطباعة وأخيرًا إلى التقانة الإلكترونية، وبيّن تأثير كل مرحلة في الوعي الإنساني.
على حين أن ولتر أونغ Walter Ong افترض نشوء مرحلة شفوية ثانوية من خلال وسائل الإعلام الالكترونية. وفيما بعد أدّى دخول الانترنت إلى تحليق مجازي مستعيدا الإيمان بفضائل الترابط، من خلال أنموذج للبث يعاد تصوره في شكل ثقافة فراغية Cyber Culture وهي مملكة قائمة على تشكيلات إعلامية يكون سكانها من فيروسات الحاسوب المجازية.
وهكذا فإن أغلب الدراسات المتعلقة بوسائل الإعلام مالت إلى افتراض أن القنوات الفضائية تعمل كأدوات للتحكم. وافترضت نظريات حتمية عديدة أن حدوث تأثيرات على المتلقين متراوحة بين القوة والضعف، يتزايد مفعولها من خلال خطوات منفردة أو مجتمعة: نماذج الإشارة والاستجابة، الدعاية، التعلّم الاجتماعي والتحصيل، وغير ذلك. وعند انعطافات متعددة أقدم علماء وسائل الإعلام على استعارة استبصاراتهم (مثل الإقناع، تنافر الأصوات المعرفية) من أساليب التواصل فيما بين الأشخاص.
وفي الآونة الأخيرة أخذت الحدود بين الاتصال والإعلام تتهاوى، نظرا لأن تتابع المجازات الفاشلة أو القاصرة يسهم بلا شك في تحويل النظر إلى المعلوماتية والميل إلى اعتبارها نظام مرحلة جديدة. وفي الواقع يبدو خطابنا حول قوة الإعلام، وإن كان طقوسيا على نحو ما يعتقد كاري Carey، كأنه يتبع قوسًا أشبه بالخطاب الثقافي المتعلق بالجنسوية على نحو ما رسمه ميشيل فوكو في تاريخه للجنسوية.(5)
ولنعترف أن المجتمع يشكل وسائل الإعلام بمقدار ما تُشكل المجتمعَ هذه الوسائل. ونحن ندّعي أن هذه الوسائل حتمية وأنها تُبرمج وتؤكد وتعدل، وتعزلنا عن العالم الطبيعي لأنها بلا شك حين تفعل ذلك تُريحنا من مسؤولية العمل النشيط لإصلاح المجتمع. وتتناثر الشكاوى مثل حلقة متناوبة، تزداد قوة مع كل ثورة جديدة. ومن الواضح والمفهوم أن قوة مقدرة وسائل الإعلام المزعومة على التحكم – أو على الأقل – على البرمجة تكتسب شرعيتها عبثيا من خلال ما ترددّه الثقافة باستمرار حول قوتها، وتستعمل هذا الخطاب باتجاه درامي وتأهيلي. وفي أيامنا هذه تعلو نبرة الخطاب الذي يبدو وكأنه يدعو إلى هذا الدور من خلال المبالغة في قضايا الخصوصية، والمراقبة، والملكية الفكرية، وحرية الكلام بلا قيود، والخلط، والإخضاع، والتعارض بين بقاع العالم. وإذا اتضح أن مزايا ومخاطر القرية العالمية التي تنبأ بها ماكلوهان أصبحت موضوع تسلية من أرفع طراز. يبدو من الثابت أن الذي كتب الخطوط الأصلية هو ماكس ويبر.
وإلى درجة معتبرة جداً، يمكن أن نرجع الاعتقاد بأن التحكم هو الوظيفة الرئيسية لمعالجة المعلومات إلى الديناميكيات الحرارية الإحصائية للقرن التاسع عشر ولا سيما للقانون الثاني الشهير منها. إن الأنظمة المختلفة تتعامل مع القانون بطرق مختلفة نسبيا، إلا أنها جميعا تشترك في معلومة واحدة مفادها أن التنظيم يكون في العادة هشا، وأن الطاقة لها قابلية بأن تصبح غير ميسورة وأن الخلل الذي ينتابها – أو سوء التنظيم. الذي يقاس على أنه في وقت واحد عرضي ومفتقر إلى التمييز- هو وحيد الاتجاه وعصيّ على أية مقاومة. وبسبب المركزية التي أعاقت تقدم الآلات الحرارية جزئيا مالت حركة التصنيع ميلا شديدا لاستخدام الديناميكا الحرارية في معالجة البضائع المادية. وقد استوعب الصناعيون العالم من ناحية تعريف العلوم الفيزيائية له: أي بوصفه مؤلفا من المادة والطاقة والمعلومة. إن الفيزيائيين ينظرون إلى المعلومة على أنها شبه ظاهره آنية أو ثانوية بالنسبة إلى المادة والطاقة، بما أنها تشير إلى الطريقة أو النظام. إن البنى والأنظمة التي تستهلك المادة والطاقة تعيش فقط حين توفر لنفسها مكسبا صافيا سواء من خلال النظام أو اللامصادفة، وتسمى عادة الأنتروبيا السلبية، وهو مصطلح يمتاز بوضوح أكثر من معادلة بولتمان Boltman (نفس العبارة الرياضية لكل من أنتروبيا الديناميكا الحرارية والمعلومة).
 وقد افترض الصناعيون أنه كلما عظمت المصادفة ازدادت الحاجة إلى التحكم، وهو اعتقاد وجه معالجتهم للبضائع المادية والأفكار والعالم. إن المعالجة المتشعبة مثل البيروقراطيات ومحركات البحث مثلا تعمل على الاستفادة مما يسميه منظرو المعلوماتية: المعالجة المسبقة – وهي تقنية تقوم على إتلاف المعلومة من خلال التصنيف والتقسيم لغرض توحيد البنى لتنساب بليونة من خلال نظام ما.
إن المعالجة المسبقة تخفض من درجة العشوائية أو «الضجيج» Noise فقط ولكنها تنال المعلومة أيضا. إن القطعة الشاذة «Odd lot» مثلا هي تلك التي لا تنسجم مع مقاييس الحجم والوزن والعدد، ولنقل إنها تحتوي على فائض في المعلومات أو على العكس من ذلك على «معلومات منقوصة»، بحيث لا تصلح لأن تعالج من خلال نظام مبني على سيولة المادة. إن بيروقراطيي الجامعات الحكومية يتبعون ممارسة مماثلة. إذا كان هناك متقدم بطلب لا يمكن إخضاعه للترقيم مثل رقم الضمان الاجتماعي Social Security أو الوضع الإجتماعي أو الطبقة أو العرق أو العمر أو معايير أخرى منتقاة – فهو لا يمكن أن يتابع بوصفه مدخَلا أو شبه مدخَل أو مُخرَجًا من مخرجات النظام المعتمد. والتحكم إذًا، يلجأ إلى شكل قاسٍ من الترتيب، أي تدمير المعلومات نفسها التي تتعلّق بإحساس شخصي أو ثقافي، والتي تُعرّف الأفراد بأنهم متفردون، إذ يجردهم (أي التحكم) من كل شيء ماعدا الهويات الإحصائية الفارغة من أية سمة.
 إن هذه الطريقة العرضية التي من خلالها نقبل أشباه تلك المعالجة يمكن أن تكون ذات صلة بالتأثير الأسطوري للعلم الذي يعتدّ دائماً بتقويض ماضيه وكذلك بالرأسمالية نفسها على نحو ما يتمثل بدفاع جوزيف شومبيتر بدفاعه المتين عن النظام الاقتصادي الراهن من خلال تدمير خلاق لأجيال السوق القديمة(6). (ولو كان شومبيتر حياً الآن لكان لاحظ أن الحقبة الراهنة للرأسمالية قد تجاوزتها الأحداث ولم يبق لها مكان سوى أكوام مزبلة التاريخ). وعلى حين يرى المؤيدون والأنصار في مثل هذا الدمار بشائر قوة وصحة بالطبع فإن النقاد الثقافيين يرون في هذا الدمار سِباباً وخراباً. وتطبيقاً لهذا المبدأ على الإعلام الجماهيري، تكون المعالجات المسبقة معتمدة على حراسة البوابة وجدولة البنود، وبذلك تحيل المضمون إلى مردّدات سردية، وجداول مجهزة، وصراعات مبتذلة، وتنميطات Stereo Types وماأشبه ذلك، وهكذا تكون النتيجة أن عشرات من أقنية ومئات آلاف المحاضرات القائمة على مبدأ عرض النقاط الرئيسية Power Point، كلها يمكن أن تقدم كميات من قمامة المعلومات الثقافية. وكما أشار أحد النقاد في وصفه لنتائج هذه الممارسات، يكون أصحّ وصف لهذا الوضع على أنه عصر المعلومات الضائعة(7). ويمكن أن تؤدي الكميات الضخمة من المعلومات إلى استحالة المعالجة المسبقة، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في أن المعلومات الثمينة يمكن أن تضيع، ثم إن الثقافات التقليدية التي تختلف عن الثقافات العلمية يمكن أن تستثمر في حفظ المعلومات، وغالباً ما كانت تطوّر لتحقيق هذا الهدف رموزاً وأقنية مختلفة.
 غير إن خطابات القوة والتحكم تقدم المعلومات نفسها مرتبطة بالهدف الاقتصادي. ومع بداية عصر التصنيع –أو على الأصح- التصنيع المكيّف من خلال معالجة المعلومات باتجاه ما بعد التصنيع أو «الرأسمالية المتأخرة» –إذا جاز هذا التعبير- جرى تكييف المعلومات نفسها لتبقى دائماً في حالة نموٍ مستمرّ. وتمّ تحويل المعلومات إلى سلعة من خلال الهجمة الإعلانية، التي ربما كانت أكبر أداة للتحكم التقاني (والتي حملت أحياناً تسمية لفظية لتفيد أنها خدمة «لإخبار» المستهلكين بوجود بضائع أو خدمات). ولأن ضخامة حجم الإنتاج مع سرعة وضخامة التوزيع، أدت إلى خطر ازدياد المواد المصنعة بما يفوق حجم الاستهلاك أصبح الإعلان الوسيلة الرئيسية للتحكم بالاستهلاك(8). إن إنعاش الطلب على المنتجات التي يمكن بغير هذه الوسيلة أن تصبح كاسدة أصبح الآن السمة المميزة لثقافة الاستهلاك التي أصبح تسويقها معتمداً على وسائل الإعلام الجماهيري. إن أقنية وسائل الإعلام تقدم الجماهير على أنها بضائع استهلاكية للمعلنين، وتشتري محتويات البرامج نفسها، وكذلك مع تدفق الإعلام تصبح هذه الأقنية بدورها محتاجةً إلى مزيد من المحتوى اللازم لاستهلاك الجماهير مثل ما تصبح المواد الخام المتوافرة لصناعات الأنباء والتسليات والمسلسلات والممارسات الثقافية.
 وهكذا أدّت عمليّة تحويل الثقافة والإعلام إلى بضاعة لإبراز التشابه بين أنظمة الاتصال وأنظمة التبادل الاقتصادي ومن ثمَّ إلى توجيه صدمة للنقاد الثقافيين. وهكذا حين كتب كارل ماركس عن سوق المستقبل صوّره على أساس أنه حصيلة تصادم بين القوى المسيطرة في القرن التاسع عشر، وربما كان أيضاً مقتنعاً أن الإعلام كان مجرد ظاهرة تابعة، كذلك لم يستطع توقّع ما آل إليه التطور الحالي. وكان ماركس قد توقع أن تقنيات الاتصال والنقل ستكون مختلفة عن الوضع السائد في عصره. وقد لاحظ روبرت ماكشيسني Robert W.McChesney أن ماركس «لم يعالج تقانة الاتصال بوصفها عاملاً متغيراً تابعاً للتجمع (الرأسمالي)، ولم يكن لها تأثير مستقل ذو شأن(9).
ومع ذلك فإن هناك عدداً من النقاد الثقافيين تبنوا أفكار ماركس الانتقادية في مجالات السياسة والاقتصاد، على حين أن نقاداً آخرين أجمعوا على أن الرأسمالية هي في آنٍ معاً أسوأ وأفضل طريقة للإعلام(10). وعلى أية حال تبقى المجازات الإعلامية في حالة تضارب، وتدور حول قضايا استخدام المعلومات وقيمتها، ومدى إسهامها المبالغ فيه بشأن معادلات الإخبار والقوة بل الإخبار والمال. فهل قوة الإعلام بوصفها كلمة دارجة cliché يمكن أن تتمتع بكل ذلك؟ وهل تملك تلك المواكب الإعلامية قيمة ذاتية؟ وهل يمكن للنقود، التي هي بنية رمزية تتراوح بسهولة بين الأعداد والأصفار، أن تعدَّ مساويةً للمعلومات؟(11) وهل يمكن لحجم المعلومات بذاته أن يتسبب في التضخم بحيث تصبح كل نقطة من المعلومات عرضةً لتناقص قيمتها؟.
 إن المجاز السليم نسبياً المتضمن في عبارة «سوق الأفكار» يطرح الثقافة نفسها على أنها حَلبَة خاضعة للنقيض اليوتوبي لقانون غريشام Gresham’s law: أفكار جيدة، تسلية، معرفة، بيانات مفيدة، مهارات أو خبرات... تطرد ما هو سيّء. إن السوق يبث ويعيد تشكيلها من خلال دينامية دائبة الحركة لكن تكبح جماحها أحياناً كوابح الملكية الفكرية، وهي قيود جوبهت بالرفض والإصرار على الحيادية المطلقة والشعارات التي تنادي بأن « يظل الإعلام حرّاً».
وعلى الرغم من أننا ما زلنا عاجزين عن أن نفهم تماماً كيف تشق المعلومات طريقها من إطراف الثقافة إلى مركزيتها، فإننا نسارع غالباً إلى تبني قاموس الكولونيالية الذي ينص على أن النخب المثقفة هي التي تمهد الطريق للمرددات الثانوية.
وعلى الرغم من أن هذه النظرات ومثيلاتها تستحق الاعتبار فإنها غالباً ما تنسب السلبية للثقافات التي بدأنا مجدداً فقط بتفهم ديناميتها الفعلية. وتبدو الثقافات خاضعة بقدر متزايد لعمليات المعالجة والبناء والتركيب.
 ومن خلال الحذر بشأن الحتمية التقانية التي يبسُطها علماء بارزون مثل ماكلوهان Mcluhan، ومع الاطمئنان لمفهوم التجديد بدلاً من مفهوم الابتكار، يميل بعض الدارسين إلى عزل أو دفع مراحل من التاريخ من خلال تلك المصطلحات التي أسماها بروز مازلِش Bruze Mazlish «انقطاعات discontinuities» أو ضربات موجهة ضد الكرامة الإنسانية بتأثير انهيار المجازات المألوفة. وفي مقالته المشهورة «الانقطاع الرابع The Fourth discontinuity» لم يعُد في مقدور بني الإنسان أن يدّعوا أنهم مركز الكون، وبعد داروين لم يعُد في مقدورهم الادعاء بأنهم أشكال من الحياة فريدة من نوعها، وبعد فرويد لم يعد في مقدورهم الادعاء بأنهم مخلوقات عقلانية. ويضيف مازلِش أنه استناداً إلى سيطرة الرقمية digitalization والافتراضية virtualization في أيام الناس هذه، يجب على الناس حتماً أن يتعرفوا إلى وجود قرابة وثيقة مع التقانات ذات البعد التمثيلي representation أو الروبوتي robotic لأنه في مرحلة ما غير بعيدة سوف يكون هذان البعدان قادرَيْن على التصرّف المستقل، رغماً عن البرمجة(12). ومن خلال معنى مجازي عميق، سوف تصبح مخلوقاتنا بمثابة أولادنا. وكذلك من خلال رؤية للمستقبل لا تخلو من المزاح، وإن كانت متأثرة برؤية للمستقبل ذات طابع فرانكشتايني، سوف تصبح تقاناتنا إخباريةً إلى حدٍ بعيد.
على أن هناك علماء إنسانويين ينكرون إنكاراً شديداً إمكان التحقق الفعلي لما تصنعه أيدينا من خلال المعالجة.
ويعدّ جان بودريّار Jean Baudrillard أكثرهم تطرّفاً، وهو الحكيم المناهض للزيف، والذي أعلن منذ عام 1980 أن بني الإنسان قد تجاوزوا مرحلة المجاز إلى مرحلة «فوق حقيقية hyperreal «، أي «إلى حقبة نرجسية شديدة التقلُّب في مجال الاتصالات، والتواصل، والجوار، والتغذية الراجعة، والواجهة التعميمية التي تتناسب مع الكون الاتصالي»(13).
ويضيف أن النتيجة تؤول إلى الهستيريا والنشوة والتعمية. وهناك علماء أكثر اعتدالاً وأقل تشاؤماً ينطلقون من إحدى رؤى مارشال ماكلوهان باتجاه وفرة من الأقنية، تنظم عادة في سلسلة من التراتبات التي تشكل بيئةً لأقنية ورسائل تكوّن بيئة من وسائط الإعلام- وربما المعلومات. وفي إحدى الحالتين وفي كلتا الرؤيتين تتوافر درجة ما من الإقناع تصبح عندها الثقافة بيئة تركيبية تتم فيها للبشر فرصة استهلاك المعلومات وتبادلها فيما بينهم وكذلك بينهم وبين الأجهزة غير البشرية.
ويعتبر التأثير الكلي لقنواتنا وشيفراتنا Codes من أبرز الهويات التي تواجه مناقشة وضع ثقافة يجري تعريفها من خلال المعلوماتية. ويلاحظ جوزيف تابي Joseph Tabbi. أن الإنسانويين يخشون من أن الحصيلة المتكونة من الثقافة والصناعة والتمكن تتصف بشمولية مطبِقة تجعل من المستحيل على الوعي الفردي أن يستقل بنفسه. ذلك أن الفرد لا يستطيع أن يجد أرضية يقف عليها أو منظورا خاصا يسمح له برؤية كل لم يتورط به أصلا، لأنه ليس قادرا على الانفكاك من بيئة مطبِقة تكوّن ذاته جزءاً منها، وغير قادر أيضا أن يفصل نفسه ووعيه عن مثل هذا المجاز الكلي(14). إن التناقض الظاهري لما بعد الحداثة يشير إلى أنه لا يوجد مخرج للثقافة وأن السلطة تمارس في لا مكان وفي كل مكان من خلال أنظمة المعلوماتية ذات التركيب المستعصي على القياس. إن القيود المطبِقة لفترة مابعد الحداثة تفيد أن اللغات وأنظمة الإبلاغ الأخرى إنما تستقي مرجعيتها من ذاتها فقط وأن الثقافة التقنية المركبة والمتراصة التي تنتظمها هذه المظاهر لابد أن تنهار في قبضة الانغلاق. ولا يقتصر الأمر على أن مثل هذه الأنظمة تعزلنا عن العالم الطبيعي بل إننا لانستطيع بعد الآن أن نتعرف الطبيعة لأنها خضعت نهائيا لتعديلات التمكن المتكامل. وهكذا يصبح المجاز سجنا.
ضجيج الثقافة: بروز المجاز العضوي
 لحسن حظ المعلوماتية أصبح الآن علماء المعلوماتية متشككين بشأن مجازات تبادل السخونة. وكثير منهم يتفهمون العلاقة الدينامية، وأيضا المتناقضة بين النظام والعشوائية، على أنها مجازات مختلفة تركز على التعقيد لا الطاقة.
وربما كان الأمر الأكثر إثارة هو النسق المنتظم ذاتيا، أي أنه مفهوم ترجع ريادته إلى علماء الاجتماع والاقتصاديين بالإضافة إلى علماء البيولوجيا. إن النسق المنتظم ذاتيا يرجع تاريخه على الأقل إلى يد آدم سميث غير المرئية، والتي كانت تتحرك وفق القواعد المنظومة التالية : هنا، حينما اتبع الأفراد مصالحهم الخاصة كانت النتيجة اقتصادًا بالغ التعقيد. وكما أشار الفيلسوف جفري ويكن Jeffrey Wickin، كان ما تعتمده فعلا نظرية المعلومات هو مقدار تركيبية العلاقات البنيوية.(15) إن خطط التنظيم الذاتي تولي الأهمية للعديد من نقاط التقاء التواصل وللعديد من العلاقات البنيوية أو شبكة التداخل، وتمييز الأنماط، والتغذية الراجعة. والكثير من هذه النقاط تدخل بوضوح تحت تصنيف الثقافة أكثر مما تدخل في مجاز الديناميكا الحرارية.
 إن تصنيفات الاتجاهات متضمنة في كتاب: «طوارىء Emergency» وهو من الكتب الأكثر رواجا، وفيه يعالج المؤلف ستيفين جونسون Steven Johnson قابلية الوحدات الدقيقة لـ(الخلايا الفطرية، الغروية، النمل، الجوارات العضوية)، التي تتضافر وتنظم نفسها بطريقة هرمية في كلٍ مركّب. وهنا يبرز التنظيم، لا كمجرد حصيلة قرارات عشوائية ولكن في صيغة تجمّع جديد بالغ التركيب بما يفوق كل جزء يدخل في تكوينه. وهنا لامجال لأوامر بيروقراطية، ولا لتنظيم طبقي، ولا لآليات تحكّم، باستثناء قواعد بسيطة لها دورها: وهنا لا يتطلب الأمر قفزة كبرى للتفكير في ثقافة مجتمع يُعرّف من خلال المكان والزمان والإرث المشترك والأوامر الجماعية أو المصالح المتبادلة – مثل بنية ذات تنظيم ذاتي يتفاوت في تركيبه. وهناك كتب كثيرة ناقشت موضوع التجمعات الشعبية الصغيرة مثل:
James Suroweicki’s The wisdom of Crowds: Why the Many Are Smarter Than the Few and How Collective Wisdom Shapes Business (New York: Doubleday, 2004); Malcolm Gladwell’s The Tipping point: How Little Things Can make a Big Difference (Boston, Little, Brown, 2000); Mark J. Penn’s Microtrends: The Small Forces Behind Tomorrow’s Big Changes (New York: Grand Central, 2007); Michael J. Mauboussin’s More Than You Know: Finding Financial Wisdom in Unconventional Places (New York: Columbia University Press, 2006); and Steven D. Levitt and Steven J. Dubner’s Freakonomics: A Rogue Economist Explores the Hidden Side of Everything (New York: Morrow, 2005).
والمعالجات المذكورة أعلاه عملت كلها على كشف أعمال وأنماط فكرية ذات طابع ثقافي غير عقلاني أحيانا، ومستقل وصغير ومهمل غالبا إلى أن يتم تنظيمه ذاتيا. وبينما ينظر الأكاديميون شزراً إلى مثل هذه التقارير «الصحفية» فإن عرض مثل هذه الظواهر يوحي بمستوى من التقبل الثقافي لمجازات التنظيم الذاتي. ثم إن الصحفيين (حسب القول المأثور) يكتبون عادة أول مسودة للتاريخ. وقد يتساءل المرء هل صحيح أن الجماهير تمتلك بالفعل حكمة جماعية. إلا أن نظرة واحدة على مدخلات ويكيبيديا Wikipedia في المعلوماتية ربما كانت كافية للإقناع.
وإذا كانت المجازات القديمة تعطي أفضلية للتحكم فإن التنظيم الذاتي يركز على الاستقرار الدينامي الذي يتحقق على أساس التوازن المدروس بعيدا عن التدمير الخلاق. ومثل كل نظام آخر، سواء أكان على نمط الديناميكا الحرارية أو غيره، ينبغي على كل نسق مركب أن يبتعد عن التوحيد المركزي من خلال الاختلاف والتخصص والتوزيع البنيوي للأجزاء.
إن النقطة التي تفرض نفسها هي مسألة الطاقة، التي بقيت من تراث الديناميكا الحرارية. وفي هذا الشأن يميز المنظرون الذين ينادون بمجاز عضوي للثقافة، يميزون بين أنظمة العيش وآلات الحرارة. والمفكرون المتباينون مثل غبز Gibbs وشرودنغر Schrodinger وجورجيسكو روجن Georgescu-Roegen أسهموا في تأسيس مفهوم «Exergy». الذي هو مصطلح حاسم، كما يقول ألف هورنبورغ Alf hornburg الناقد الذي يدعو إلى مزيد من التركيز على المجازات العضوية المعلوماتية.
إن الطاقة الخارجة Exergy تساعدنا على فهم العلاقة بين الطاقة المعلوماتية والبنية المادية، ذلك لأن البنى، مثلها مثل العضويات الحية، لاتستهلك «الطاقة» التي لايمكن خلقها أو إتلافها، ولكنها بدلا من ذلك تستهلك النظام الذي يمكن اشتقاقه من الطاقة.
إن الطاقة الخارجية هي صفة من صفات الطاقة، تدل على درجة النظام أو المعلومات التي تحتويها، ومثل هذا النظام في الطاقة يمكن غرسه في نظام البنى المادية أو تحويله إلى إشعاع، ولكن دائما ماتنتج عنه خسارة في مجمل النظام.(16)
إن التناقضات الظاهرية بين الطاقة والزمن المرتبط بالديناميكا الحرارية كذلك تدفع العلماء الكونيين إلى اللجوء إلى الافتراضات بأن الثقوب السوداء هي أشبه بوعاء معلومات وأن أدمغة بولتزمان Boltzman هي حالات من الوعي والشعور في سيناريوهات أبعد عن المألوف من السيناريوهات الواردة في كتاب «اقتصاد المتسكعين» Freakonomics.(17)
ولكن المجازات الأكثر ورودا بالنسبة للثقافة في هذه الأيام تأتي من مختبرات العلم التكويني والعضوي وبعضها ينبىء أن الثقافات قد تتولد مثل عروق متجذرة rhizomes وتتلاقح فيما بينها لتخلق نغلا هجينا، ولأن التنظيم الذاتي كان واضحا منذ البدء عند داروين فإن ملامح الأنساق الحية في نموها باتجاه توازن الاستقرار والتجدد تجذب طلبة كل من المعلوماتية والثقافة. ومادام مشروع الجينوم البشري يعمل على إنجاز خريطة تتابع الـ DNA، فإننا ما زلنا نحتاج إلى كثير من التفصيلات التي يمكن أن تغير من تفكيرنا وأحكامنا.
إن خصائصنا تترجم من خلال جينات أو أجزاء من الحمض الرّيبي النّووي المنزوع الأكسجين (دنا DNA)، التي هي ليست إلا خيطاً مما يقرب من ثلاثة بليون زوج من أربعة خلايا أدانين adenine، سيتوسين cytosine، غوانين guanine، وثيمين thymine، وهي تُخْتصر عادة من خلال الأحرف التالية: A.C.G وT.A.C.G، ويعتبر رمز T أبجدية لغةٍ تتكشف قواعدها وتراكيبها ببطء بالغ لأن التعامل مع مثل هذه الأرقام المرعبة، مازال محدداً بشكل أساسي بدراسة مفردات الجينات.
لكن من الواضح أن هذه اللغة الحية، باتباعها قواعد نحوية وتركيبية يمكن لبعضٍ منها أن تُستوعَب بوصفها تفاعلات جواريةٍ أو شبكية، وتَعَرُّفٍ نمطيٍ وتغذية راجعة، هذه اللغة الحية تخلق الجدّة من خلال التدوير المتبدل في عملية إخبارية يكون مصدرها «الضجيج noise». ويحدث التدوير المتبدل على شكل حروف مفردة في قاعدة أزواج «النوَويد nucleotides» تسمّى تشكلات نوويدية متعددة التركيب SNPs يبلغ تعدادها آلاف الملايين. وتحدث التدويرات المتبدلة عشوائياً على شكل أخطاء في الانتساخ أو الاستنساخ المغلوط أو في التهجئة الخاطئة أو في التقلبات الفجائية أو في التعميمات المبالغ بها. على حين تتداخل أعداد هائلة من العوامل المختلفة يبدو أن بعضاً منها يمكن أن يكون له وظيفة تتجاوز مجرد التغيير الرمزي، وذلك مثل الممْرضات pathogens والفايروسات viruses والمايكروبيومز micro biomes والأبي جينيتكس epigenetics.
إن المجازات تتوافر هنا بغزارة وتُطرح في الحلبة الثقافية على يد المختصين بالتطور مثل مصطلحات ريتشارد داوكنز Dawkins «المراقب الأعمى blind watch maker «، الذي هو مصطلح يذكرنا بالعصر المجازي للساعات، أو «الجين الأنانية the selfish gene» الذي يشخص التطور على أنه ناجم فقط عن إعادة الإنتاج والبقاء(18). وقد اقترح داوكنز أن الجينات لها مشابهات في شكل «ميمات memes»، أي كلمات أو أفكار تنسلّ من خلال ثقافة ما، على نحو ما تتفشى وتتسارع إمدادات النقود (MI) في اقتصاد كينزيّ Keynesian. وقد دفع هذا النوع من الإغواء أحد المتدخلين على الانترنت ليحاول حساب مدى سرعة الميمة في التحرك على محيط السجل المفتوح (على افتراض أن الفراغ السبراني blogosphere محاط بأبعادٍ ما). وتبيّن أن مشروع انتشار الميمة لا حدود له: إذ تبيّن أن بعض التسجيلات تسبَّب في إيقاف انسياب الميمات على حين أن بعضاً آخر تسبب في تسريعها(19).
إن الجينوم genome بالمعنى المعلوماتي العام، يشبه نصاً بشرياً أو سرداً من خلال اللغة. وعلى مستوى عميق ودقيق، يمكن القول ان اللغة أيضاً هي نسق ينظم نفسه ذاتياً، ذلك لأن أعرافها (أي قواعدها) تقوم في آن معاً بمقاومة التغيرات وأيضاً بالسماح لها من خلال تفاعلات متشابهة، وتعرّفٍ وتغذية راجعة. إن كل عضوٍ في ثقافة ما لابد أنه تصدّى لمسألة ترميز الرسائل لكي ترسل دون أن تتعرض لوطأة «الضجيج» أو لمصالحته- ولم يكن ذلك حكراً على مهندس المعلومات كلود شانون Claude Shannon – بل إنهم يظلون جميعاً مدهوشين بمدى صمود الضجيج إزاء محاولاتهم.
إن جميع الأقنية وجميع عمليات الترميز تظل عرضة «للضجيج»، والقسم الأكثر ضجيجاً هو القسم الذي يستطيع أن يقدم أقصى ما يمكن من المعلومات التي تقاس بما تحمله من تجاوزٍ لما هو متوقع، ولكن النوع من المعلومات الأكثر ضجيجاً (أي الأقل تنظيماً والأقل حسماً) يبقى أيضاً هو الأقل فائدة. ذلك أن المعنى بالتأكيد ليس وظيفةً من طبيعة «الضجيج»، بل هو تنظيم معتمد على التركيبية وليس مجرد ترتيب order.
إن الضجيج هو رسالة تعني دائماً الغموض وتآكل الإشارة، وضياع المعلومات. إلا أن النَسخَ البيولوجية الخاصة لنظرية المعلومات تفسح المجال للضجيج – من خلال أخطاء «دنا DNA»، من مثل الرموز غير المعقولة في بيان متعلق بعلم الوراثة – هذه النسخ يمكن أن تكون مصدراً للتجديد أو لمعنى جديد (مثل التحول المتعلق بالنمو). واستناداً إلى الناقد مايكل سرز Serres الذي نادى بأن الرسالة يمكن أن تنقل نسيجاً غير مقصود، يقول رونالد بولسن Paulson في «ضجيج الثقافة» أن الضجيج هو «أي شيء يتمّ تلقيه دون أن يكون جزءاًَ مما جرى إرساله»(20). وإنه لأمرٌ مغرٍ الادعاء بأن اللغات الطبيعية – تلك التي تخضع للترميز سواء من خلال البيانات الشفوية أو النصوص المكتوبة – تكون عادة ذات ضجيج خاص لأن علاقاتها البنيوية غامضة إما بالمصادفة وإما بالقصدية. فمن جهة تبدو مثل هذه اللغات شبه عضوية بمعنى أن الناس يمكن أن يكونوا مبرمجين وراثياً – كما يقترح تشومسكي – استناداً إلى فرضية مسبقة، ومن جهة أخرى يبدون وكأنهم مصطنعون جزئياً بمعنى أن العناصر الرمزية في لغتهم يمكن أن تكون منقوصة بالنسبة إلى الحقيقة التي يمثلونها ومعرضة للتلاعب باستقلالية عنها من خلال بُنىً دائمة التجدد. والغريب أن الجانب التقاني من اللغات «الطبيعية» هو الذي يعطي ألسنتنا امتيازها عن «اللغات الاصطناعية» مثل الأنظمة المرئية، أو الرياضية أو الموسيقية، وذلك بمعنى أن الكلمة يمكن أن تنال رفعاً من شأنها يفوق الصورة مثلاً أو الأشياء الأخرى.
إلا أن هذه الميزة لا تكمن إلى حد كبير في غلبة «ضجيج» اللغة الطبيعية من مثل مقدرتها على ترميز حجوم من المعلومات أكبر بكثير من الأنظمة المنافسة. إن تفوق اللغة الطبيعية قد يمحو من القواعد والتراكيب ما تستطيع اللغات البصرية أن تظهره. وقد استطاع وُلد واتسون Watson وكريك Krick أن يحلّلا رموز «دنا DNA» دون الاستعانة بحلية زوجة كريك الفنانة، التي استطاعت أن تبصر الحلية التي لم يكن في مقدور الرجلين أن يتجاوزا وصفها، ويقال إن «بيرنرن لي Berners-lee»، شيخ الشبكة التي تشمل أرجاء العالم كله، منهمك في ما يسميه شبكة الدلالات اللغوية Semantics web التي يعد بأنها ستعيد البصيرة إلى المعلومات «على مستوى جديد ورفيع» وذلك من خلال وصلها بجدول نقلةٍ جديدة.(21)
بينما تعتمد الثقافة البشرية اعتمادا شديدا على اللغة الطبيعية فإن مراكز الاشتباك العصبي Synapses والأقنية التي تشكل الثقافة تعالج نقاط المعلومات الفردية والمجموعات الإخبارية التي تفوق إلى حد كبير ثلاثة بليون زوج من الداويد Nucleotides. ولهذا السبب نجد منظري الاتصال أكثر انجذابا إلى نقاد مثل ميخائيل سيريس Serres لأن باختين يركز على طبيعة «الحوار» في الثقافة، والحوار الذي يظهر نفسه في سياقي الزمان والمكان. وإذ يرفع باختين من أهمية السياق الثقافي فإنه يخفض من ادعاءات استقلالية أي نص بذاته. إن موقف باختين يكمل نظرية «البيئة الملائمة» Niche Theory التي ينادي بها دعاة بيئة الاتصال ممن يعتقدون أن الثقافة هي نوع بيئي من الأقنية المشتركة التي يمكن أن تتغير تراتبيتها مع امتداد الزمن. أما كون الرسائل العديدة التي يجري بثها من خلال هذه الأقنية - الشفوية والطباعية والبصرية والإلكترونية – تشكل بيئة من المعلومات الوسيطة. فهذا يجب ألا يطمس الوظيفة الأساسية لهذه التراتبيات الثقافية – ليست بيروقراطية بالضرورة – التي تتولى خلق المعنى من خلال تنسيق الرسائل بدينامية لامتناهية. ولأن الثقافة منطقه عليا من المعنى فإنها ثقافة معالجة معلومات عليا. وتأسيسا على تركيبة الثقافة، وهي تركيبية لاتنتج فقط عن وفرة من الشيفرات والعلاقات البنيوية ولكن أيضا من خلال العدد الوفير من الأقنية التي تنقل المعلومة، يظلّ من المستحيل تحديد القابلية الذاتية التنظيمية لأي مكون محلي من مثل رسالة معينة أو نص. ولايمكن لأي مصدر بعينه أن يكون مستقلا اللهم إلا في إطار الثقافة البدائية جدًا. ثم إنّ لحظات خاصة جدا من خلال سيطرة تراتبية معينة بذاتها يمكن أي شيفرة أن تمارس تأثيرا في المعنى يفوق المعدل. وفي أيه حالة سوف يخضع هذا المعنى إلى المعنى الذي ينشئه معالج ثقافي يفوقه حجما إلى حد كبير، ويعالج « الضوضاء Noise « - (بوضعه مخرجا) ليس فقط لنص محدد ولكن أيضا من خلال معالجات أخرى. وبالتحليل النهائي تظل الثقافة أعلى من كل المعالجات الأخرى للمعلومات.
وتفسير ذلك هو أن الثقافة يمكن أن تتعامل بسهولة مع (الضجيج) الذي هو تراث أية ثقافة. ومن الممكن التوصل إلى مفهوم الثقافة من خلال مخزونها المعلوماتي أو إذا شئنا، من خلال مخزونها الهائل من المعرفة، وقد مارس ذلك عدد من المؤرخين – وفي أعمق المستويات الأساسية، تجد كل مجموعة بشرية (من المكتبات إلى الحكومات)، وكل صنعة بشرية (عملية أو فنية) المعلومات على شكل معرفة متراكمة وتجربة وخبرة - تتكون اجتماعيا- ومعلومات معالجة تم تنسيقها، وذلك على نحو ما كشفته الدراسات الكلاسية للصنعة البشرية على اختلاف أنواعها من قلم الرصاص إلى سحابة فتح الثياب.(22)
ومن بين وظائف الثقافة أن تكون تجميعًا على امتداد الزمن للأصوات والإيماءات والنصوص والمعلومات المكتسبة والرسوم والعروض – وبعضها معلومات أساسية تطفو على السطح من خلال التراث الشعبي (فولكلور) أو ما أشبهه من أقنية الماضي المخزونة، وبعضها يكون مُعدّلاً ومتوافرًا من خلال وسائل الإعلام. ولكن كل هذه الأمور يمكن أن يُساء استعمالها. إنّ قراءات القرن التاسع عشر حول النمو مثلا تحولت مجازيا إلى العقيدة المؤذية للداروينية الاجتماعية، مع ماترتب عليها من نتائج مازالت أصداؤها تطن في الآذان. بل إن داروين مثل جفري ويكن Wichen يرفض إطلاقا أن تكون المشابهات التي استقيت من نظرية المعلوماتية يمكن أن تفسح صدرها لخرافات مثل التنظيم الذاتي أو الاستقلال الفردي. إلا أن المجازات مهمة لأنها توجه فهمنا إما بتحديده أو بإطلاق العنان له وعلى أقل الأقل تمدنا المجازات بمفردات فيباللعبة اللغوية، والثقافة بالتأكيد يمكن أن تجد قيما فيها.
ومن بين إحدى الخبرات الإنسانية الأكثر حدة – وهنا لابد من التذكير أن الثقافة هي نوع من الممارسة قد لا يكون متطابقا مع المعالجة – يمكن أن نذكر أن المعرفة أو المعلومة قد تتعرض للضياع، ليس فقط من خلال المصائب أو الحرب أو عدم التسامح أو الغلبة، ولكن أيضا من خلال مرض ألزهايمر ثقافي، ونحن نعتمد على الثقافة لتحافظ على معلومات مهجورة أو مقموعة غالبا ما تكون متصلة بالهوية ذاتها، أو ضحية نسيان أو تقهقر في الذاكرة من خلال أقنية تكون غامضة مثل عمليات التركيب الوراثي. ويجب على الثقافات أن تختار استمرار العيش، وهي ستفعل ذلك دون شك في مواجهة العولمة وهذا يعني أن المعلومات سوف تفقد أو يؤمل أن تصمد على شكل ضجيج Noise يمكن استعادته في مرحلة تالية. وينبغي على أرباب المعلوماتية أن يحاولوا تخزين أقصى مافي استطاعتهم لمواجهة أي تنظيم طوارىء قد يطيح به مجددا.
وأولئك الذين يعتقدون أنّ الرأسمالية تمثل نهاية التاريخ، من المحتمل أن ينظروا شزرا إلى كل ثقافة ضجيج. وفي أية حال سوف تتعايش المجازات المتنازعة ولكن بصعوبة. وينبغي أن يكون واضحا في الأذهان أنني أؤمن أن الثقافات الإنسانية تشترك في الكثير من انظمتها أكثر من اشتراك الثقافات التكنولوجية.
إن الثقافة الحية، القائمة على التفاعل المركب بين أحيائها تستطيع أن تصمد تحت ضغط أية بنيه مصطنعة تفرض عليها. إن مجازات التنظيم الذاتي تستطيع أن تتحدى تقاليد التسيير والتحكم.
وعلى المعلوماتيين أن يحاولوا الاقتناع بأن الثقافات يمكن أن تقاوم محاولات التسيير بل أن تبعدها جانبًا لأسباب وجيهة وأن تحاول بدلا منها اكتشاف عمليات اجتماعية أكثر عمقا، ولاسيما تلك العمليات التي تستطيع أن تأتي بالمفاجآت. وعلى المعلوماتيين أن يصغوا وأن يقرأوا وأن يلاحظوا قبل أن يحاولوا بسط تحكمهم. وعليهم أن يكتشفوا مسالك ثقافية تؤمن انسياب المعلومات، وأن يتخطوا النظريات الخام مثل «نشر التجديد» Diffusion of Innovation. وربما وجب عليهم أيضا أن يذكّروا أنفسهم بانتظام أن الثقافات التقنية، مهما كان ترتيبها المتداخل، ليست إلا مجرد معالجة معلومات عضوية قائمة على أساس المحاكاة، وعليهم أن يتذكروا أيضا أن الهوية في أي نوع من الثقافة ليست نسخة طبق الأصل عن الأخرى.
وعلى أية حال، إن تفحص أية سلسلة من المجازات تتيح فرصة جيدة للمعلوماتيين وهي تعمل على تقديم ما في جعبتها.

Notes

1. See, for example, J. David Bolter’s Turing’s Man: Western Culture in the Computer Age (Chapel
Hill: University of North Carolina Press, 1984) for an extended discussion of this and other metaphors,
especially those growing out of research in artificial intelligence.
2. James R. Beniger, The Control Revolution: Technological and Economic Origins of the Information
Society (Cambridge MA: Harvard University Press, 1986), p. 179.
3. Carey’s “ritual theory” is developed in his Communication As Culture: Essays on Media and Society
(New York: Routledge, 1992).
4. John Dewey, Democracy and Education (New York: Macmillan, 1916), p. 5; italics added.
5. See volume 1 of Michel Foucault, The History of Sexuality, translated by Robert Hurley (New York:
Vintage Books, 1990), where he speaks of the “incitement” to discourse (pp. 17 ff).
6. See, for example, a recent reexamination of Schumpeter’s concept in J. Bradford DeLong, “Creative
Destruction Reconstruction: Joseph Schumpeter Revisited,” Chronicle of Higher Education (7 December
2007): B9-9; Schumpeter developed his theory first in his Theory of Economic Development (Cambridge
MA: Harvard University press, 1934).
7. Bill McKibben, The Age of Missing Information (New York: Plume,1993)
8. In classical economics, Say’s Law, more a hope that a fact, postulates that everything that is produced
will create its own demand among consumers, but industrialization hedged its bets by using advertising.
9. Robert W. McChesney, Communication Revolution: Critical Junctures and the Future of Media
(New York: New Press, 2007), p. 52.
10. The phrase is sometimes attributed to Frederic Jameson.
11. Alf Hornborg, The Power of the Machine: Global Inequalities of Economy, Technology, and
Environment (Lanham MD: Rowman & Littlefield, 2001), argues persusively that the equating of
information and money is a metaphorical mistake (pp. 164-170).
Joseph W. Slade 21
12. Bruce Mazlish, “The Fourth Discontinuity,” Technology and Culture (8: 1): 1-15.
13. Jean Baudrillard, “The Ecstasy of Communication,” Postmodern Culture, edited Hal Foster
(London: Pluto Press, 1985), 126-134, p. 127.
14. Joseph Tabbi, Postmodern Sublime: Technology and American Writing From Mailer to Cyberpunk
(Ithaca NY: Cornell University Press, 1995).
15. Jeffrey Wicken, “Entropy and Information: Suggestions for a Common Language,” Philosophy of
Science, 54 (June 1987).
16. Hornborg, Power of the Machine, p. 94.
17. For an amusing account of such speculation, see Dennis Overbye, “Big Brain Theory: Have
Cosmologists Lost Theirs?” New York Times, 15 January 2008, pp. A1, 4.
18. Richard Dawkins, The Blind Watchmaker (New York: Norton, 1986), and The Selfish Gene (New
York: Oxford University Press, 1976).
19. Daniel Terdiman, “How the Word Gets Around,” Wired
www.wired.com/culture/lifestyle/news/2004/05/63344?curren, accessed 30 June 2006.
20. William R. Paulson, The Noise of Culture: Literary Texts in a World of Information (Ithaca NY:
Cornell University Press, 1988), p.78. Like Henri Atlan, Paulson argues that literature is most
rewardingly regarded not as artifact, channel, or message, but as a self-organizing, near-organic
information processor whose uniqueness lies in its capacity for generating noise that can be meaningful.
Literature “assumes its noise as a constitutive factor of itself” (p. 83).
21. Brian Hiatt, “Tim Berners-Lee,” Rolling Stone (15 November 2007): 78.
22. See, for example, Henry Petroski, The Pencil: A History of Design and Circumstance (New York:
Knopf, 1990), and Robert Friedel, Zipper: An Exploration in Novelty (New York: Norton, 1994).
23. Quoted in Jeff Zaleski, The Soul of Cyberspace (New York: HarperEdge, 1997), pp. 46, 48.
24. The most accessible of Luhmann’s several books is The Reality of the Mass Media, translated by Kathleen Cross (Stanford CA: Stanford University Press, 2000).
* الإنتروبيا: عامل رياضي يعدُّ مقياسًا للطاقة غير المستثمرة في نظام ديناميّ حراري [المترجم].
(*) التي صنعوها بأنفسهم (المترجم)
- احترمنا طريقة المؤلف بإيراد هذه المراجع في سياق البحث (المترجم)
- بعض هذه المصطلحات غير موجود حتى في القاموس الطبي الموحد، ربما لأنها مصطلحات تخصصية حديثة جداً، والحق أنه لا جدوى من ترجمتها. (المترجم).
 


جوزيف سليد     ترجمة: حسام الخطيب
كلية الاتصالات، جامعة أوهايو     ناقد وأكاديمي فلسطيني

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟