السبت 20 كانون2

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية دراسات ادبية ونقدية

أيها الجذع الذي شحذنا عليه المناقير, وداعا - د : حبيب بولس

أنفاسمحمود أمين العالم رائد فذ من رواد الحداثة والنقد الأدبي النظري والتطبيقي, ينفلش عطاؤه على مساحة زمنية واسعة, حيث بدأت منذ أواخر الحرب الكونية الثانية وظلت تتدفق حتى وفاته عام (2009) العالم يعتبر أستاذا للعديد من الدارسين والأكاديميين والمهتمين في مجال الفكر والأدب, وعلما تذيع صيته واخترق العالم العربي من المحيط إلى المحيط, وذلك لما له من إضافات نظرية ومن جديد دائم في عالم الأدب والنقد والفكر, ونحن نجلّ هذا العطاء ونكبره لدوره الريادي والكبير في صقل معرفتنا وتوجيهها وترشيدها.
"العالم" ركيزة أساسية وعمود شامخ طالما شحذنا عليه المناقير في بداية حياتنا الأدبية وخلال مسيرتها الشاقة, قد أنار أحداقنا بما لديه من قدرة تنظيرية وتحليلية سليمة وبما قدمه من رؤى ثورية صحيحة خاصة في مجال الأدب التخييلي- القصة الرواية\ المسرحية- وكل ذلك بلغة بسيطة تخلو من البهرجة والتقعر والتعقيد- آفة المنظرين عادة- حيث يقدم منظوره بلا مكيجة ولا أصباغ- وبلا لف أو دوران, يشدك إليه بكلمات دافقة دافئة مأنوسة يجعلها رافعة لتتبناها أو على الأقل لتتفق معه في الكثير الكثير من الطروحات.
كانت طلقة العالم النقدية الأولى عام (1955), حين أصدر مع صديقه عبد العظيم أنيس كتاب في الثقافة المصرية, الكتاب الذي جاء لينقد النظريات الغائمة والغيبية والضبابية وليجذر ويؤصل لمذهب جديد في النقد ينسف ما سبق أو ما درجنا عليه بعد الحرب الثانية. ففي تلك السنوات دخل العالم العربي في صراع ثقافي أدبي وفكري, واحتدمت الساحة بالعديد من المعارك, ومرت بالكثير من الاجتهادات, واختلطت الطروحات والتيارات, وتنوعت وجهات النظر, وتأرجح النقد والتقويم الأدبي بين مذاهب ومدارس عديدة مستنسخة عن أوروبا, وتمحور العراك الأدبي بين بنيوية ووجودية وجمالية, ومتيا فيزيقية, وإنسانية, ورومانسية, فظهرت أصوات كثيرة تنادي بإتباع هذا المذهب أو ذاك, وتشيّع الأدباء وانقسموا, الأمر الذي جعل الأديب والقارئ يحاران معا ويلتبس عليهم, بسبب هذا الخلط بحيث ما عاد بالمقدور مواكبة هذا الكم الوافد والمزيج الغريب الهجين, إلى أن جاء كتاب في الثقافة المصرية, فرجّ ساحة الأدب والثقافة بطروحاته الجريئة المبنية على الأسس الواقعية الداعية إلى تبني المذهب والمنهج الواقعي مسفهة كل ما هو خارج عن الدلالة الاجتماعية, وكل ما يعزل النص الأدبي عن سياقه الاجتماعي والتاريخي والثقافي والإنساني, هذا الكتاب الذي حدد الأمور وفرزها ووضعها في نصابها الصحيح, جوبه في حينه بعاصفة من النقد والاتهامات, بدعوى أن صاحبيه يدعوان إلى تغليب الأدب والى تغليب المضمون والسياق السياسي الاجتماعي على النقد الأدبي الذي كان هو نفسه آنذاك فصيلا من فصائل الصراع الأيديولوجي.

اِقرأ المزيد...