الإثنين 26 شباط

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية دراسات ادبية ونقدية

الماغوط بين شعرية الفطرة وقوة التجربة! ـــ ناظم مهنا

أنفاسمنذ ظهرَ الديوان الأول للشاعر محمد الماغوط: "حزن في ضوء القمر" عام 1959، ثم ديوانه الثاني: "غرفة بملايين الجدران" 1960، و"الفرح ليس مهنتي" عام 1970، كان الماغوط قد رسخ بقوة أسلوباً شعرياً جديداً من حيث الشكل والمضمون.. لقد كتب الماغوط المسرحية، والزاوية الصحفية، وكتب للسينما وللتلفزيون كما كتب رواية "الأرجوحة" إلا أنه في كل كتاباته ظلّ الشاعر الذي لا يمكن النظر إليه إلا من جهة الشعر!..‏
لم يكن شعره أنيقاً ولا متأنّقاً، بل كان شعراً غاضباً، شرساً، معفّراً بالحزن والقساوة ومغمساً بماء الحياة الآسنة والعذبة، لقد صور الماغوط نفسه في شعره مرّة كطفل متشرد جريح أو كفأر مذعور، ومرّة كوحش قادم من بيداء موحشة أو من خرائب لا وجود فيها سوى للعواء ونداءات الضواري. شعر الماغوط مليء بالمفارقات والمتناقضات سواء على مستوى الصورة الشعرية، الذهنية أو السيكولوجية للشاعر. ولكن الصورة الآخاذة التي تستهويه دائماً هي صورة البدوي أو الهمجي غير المتحضر الذي يهزأ بالمتحضرين أو الفلاح الساذج البريء القادم إلى عالم المتمدنين بارتباك حيناً وبصلافة حيناً آخر... وبين هذا وذاك برزت صورة المتسكّع على الأرصفة والعابر أمام واجهات المحلات والمقاهي وكأنه وباء يهدد بلادة الأثرياء والميسورين، فكان هجائياً، متهكماً، نافراً:‏
"نزرع في الهجير ويأكلون في الظل‏
أسنانهم بيضاء كالأرز‏
وأسناننا موحشة كالغابات‏
صدورهم ناعمة كالحرير‏
وصدورنا غبراء كساحات الإعدام‏
ومع ذلك فنحن ملوك العالم..‏
بيوتهم مغمورة بأوراق الخريف‏
في جيوبهم عناوين الخونة واللصوص‏
وفي جيوبنا عناوين الرعد والأنهار".‏

اِقرأ المزيد...

أبو القاسم الشابي في قصائده المنثورة - سوف عبيد

أنفاسما كادت سنوات العقد الثالث من القرن العشرين تستقر في تونس حتى  أصبحت النصوص الشعرية المنشورة وقـتذاك تشتمل على أصناف عديدة من الشعر العمودي ، إلى الشعر المتحرر من النمطية العروضية ، إلى الشعر المنثور  ذلك الذي اِقتبسه بعض الشعراء التونسيين من مدونة شعراء المهجر ومن الشعر الفرنسي خاصة و لكن ذلك لم يتجاوز المحاولات الفردية ومن حين إلى آخر فحسب ، ولقد كان أبو القاسم الشابي واعيا بتلك المسائل الشكلية في الشعر منذ البدايات الأولى له في النشر حيث أنه أرسل إلى صديقه محمد الحليوي في حاشية رسالته الثالثة قائلا خاصة :
( سألتني عن مجلة سعيد أبي بكر و هل أن الداعي إليها مادي أم فني و أنا لا أدري على التحقيق كيف أجيبك و بماذا أجيب إذ كل مبلغ العلم عندي هو أنه تولّى إدارتها الفنية أعني إدارة التحرير و أنه تسلم مني قطعة من الشعر المنثور عنوانها ـ الشاعر ـ تحت عنوان أكبر أود أن اكتب تحته مواضيع مختلفة إن ساعد الدهر و أشفق الله و هذا العنوان هو : صفحات من كتاب الوجود ـ و أعلم أنني رأيته يصحح ما طبع من المجلة و من بين ذلك قطعتي )
        فنص الشابي الذي أدرجه تحت الشعر المنثور اعتبره ( قطعة) و تلك كلمة تدل على القصيدة أيضا و معنى هذا أن الشابي كان مدركا تماما للجنس الأدبي الجديد الذي سيواصل الكتابة فيه بعدئذ على صفحات مجلة (العالم الأدبي) التي كان يديرها زين العابدين السنوسي و هو الآخر يعتبر مثل سعيد أبي بكر من دعاة التجديد الأدبي و الفكري في الثلث الأول من القرن العشرين ، بل هو المحرك الفعلي للأدب التونسي الحديث في بعض الأحيان..
       إن آثار الشابي في هذا النوع من الشعر لم تلق العناية بالجمع و الدرس مثلما تسنّى لبقية آثاره الأخرى أن تحظى به و  لعل السبب في ذلك راجع إلى اعتبار تلك القطع- حسب تسمية الشابي نفسه من الشعر المنثور- مجرد محاولات أولى سرعان ما تجاوزها إلى كتابة القصيد العمودي ثم هو نفسه لم يجمعها مع شعره في ديوانه أغاني الحياة فظلت مبثوثة في  مصادرها الأولى و قلّما أشار إليها الدارسون باِعتبار صعوبة الوصول إلى تلك النصوص من ناحية و باِعتبار أن ذلك النوع من الشعر الجديد ، على تعدد مصطلحاته ، قد واجهته تحفظات شديدة لدى كثير من النقاد عل مدى فترة طويلة فالسكوت على نصوصه تلك في هذا النوع من الشعر ليس دائما موضوعيا أو لأسباب بريئة !!
       في سنة 1984 و بمناسبة خمسينية الشابي صدرت الأعمال الكاملة للشابي و قد تضمنت في الجزء الثاني منها نصوص شعره المنثور التي أمكن الوصول إلى جمعها و لكن دون تحقيق و من دون أن توضع تحت عنوان الشعر المنثور.

اِقرأ المزيد...

محمد عمران : الشاعر المفتون بقيم الحب ونضارة الطبيعة في لهيب الزمن الحارق - د. امحمد برغوت

أنفاسشاءت عوادي الزمن الموبوء إلا أن تقتلع هامة من هامات شعرائنا الشرفاء، إنه محمد عمران الشاعر السوري الكبير الذي "حرنت خيله وسقط الشرق في ثيابه دنانيرا، وصلى لحضرة المطر ومضي بين الليل والفجر صخرا لا تحركه المدام ولا الأغاريد".
إن السمة التي لازمت محمد عمران، هي سمة الحزن، الحزن الشفيف لا الحزن السوداوي، يقول في معرض حديثه عن هذا الحزن في إحدى الندوات التي خصصت لدراسة تجربته الشعرية.
"إذا كنتم تنطلقون من الحزن مفتاحا لتجربتي الشعرية فأنا معكم... ذلك أن الحزن الذي عنه نتكلم، هو حزن من يحمل هم تغيير الأشياء، وهو إعادة ترتيب العالم وهذا الحزن في ما أذكر هو الذي رافق كل الحالمين بالتغيير منذ البداية... بهذا المعنى إن مفتاح تجربتي الشعرية ينطلق من هذا الهم بدءا من الهم القومي الذي هو في الأصل مشروعي الشعري وصولا إلى الهم البشري، هم الإنسان في مسيرته على هذا الكوكب وفي معاناته، في نضاله من أجل حياة أكثر دفئا وأمنا وسلاما. "من مداخلة الشاعر بمناسبة تكريمه في مهرجان السنديان الشعري الأول في الملاجة (مسقط رأس الشاعر).
لقد خاض الشاعر المبدع محمد عمران على امتداد أربعة عقود من الزمن ونيف تجربة إبداعية مرموقة، كان حريصا فيها على الهمين: القومي والوطني، وامتزجت هذه التجربة في نضجها بالأرض والطبيعة، وعانقت في عمقها أسئلة الوجود مرفوعة إلى أفق غنائي يفيض إنسانية وعذوبة، كما أنه حمل القصيدة هم التجريب ونزعة تجاوز الناجز حتى لو كان من إنجازه هو نفسه.
نشأ محمد عمران في بيئة ريفية (قرية الملاجة)، وهي قرية متخلفة ونزح إلى دمشق؛ المدينة الصاخبة باحثا عن توازنه المفقود في القرية ولكن دون جدوى؛ لقد صدمته المدينة وأدهشته وأشعرته بالنقص لأنها لم تعترف به ولم تستجب لرغباته، ففي قصيدة: "ثلاث وجوه للريح" يقول:
"باحثا في مدائن الجسد الزرقاء
عن رايتي وأخباري
عن خيول أغزو بها شهرزادي
لم أجد أرضها القصية
أرضها البكر

اِقرأ المزيد...

النصُّ علمُ العلوم ومنه يُجتــاف العصر - محمد الأحمد

أنفاس 1
يحكى انه قال العتابي فيما مضى:
 (البلاغة إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق)
وذكر لنا الجاحظ عن أعرابي انه قال: (من التوقي ترك الإفراط في التوقي!)
2
ما من أديب منا- إلا وقد غطته التراكيب المتواشجة بالأساطير، والخزعبلات وأقصته بعيدا عن المعالم الحضرية المتناثرة على وجوه الحقيقة المريعة..  
كلما تصورنا ان نواجه الكلمات الأكثر سلطة من الصمت، الأكثر حيوية من النص، إلا وغرقنا في تفاصيل موقودة بالمحرم، بالممنوع..
 لكم تصورنا ان عالم الكلمة اليوم وغدا سيكون من قاعدة ثابتة.. ضمن ما يكون التحديث العصري المواكب لانزياح المعلومة الغيبيّة بمعلومة ذات أصل، وكيان!
لكننا لم نـر سوى انكسار آخر ضمن المعنى. انكسار لم يعني الانحراف عن القصد، فحسب. قد يؤلف معنى جديدا/ يكتسب ثباتا آخر.
كيف تثبت تلك الحيثيات بين المعاني وتخرج صارخة بوجه المتلقي العارف/ العليم.. صماء اكثر عفوية وأوغل معنى…؟
ان ذلك الصدق المعنون، المسمى لا يكون إلا احترافا قدريا يكتبه المرء دون ان يستند على دوغماجية بالية أكلتها العثة.. دون ان يتحرر من الفراغات العفوية بين العهد القديم/ الجديد، والهفوات الجوفية غير المقنعة.. اقتدارا تكون الكلمات المستندة على معرفية عريضة، فمن أين يأتي بكل تلك الإرادة صانعها، وناحتها بأبشع الأزاميل الطاهرة…
    نكون في لحظة عفوية قد امسكنا المعنى المفترض بين التلافيف، نكون قد صادرنا الاعتباطي الغيبي المجوف، واللا توجه فنقف حائرين ضائعين بين حدود النص في الذهن، وبين إدراك مغزاه على امتداد المقصود..
 ما نكتبه الآن يصبح بعد حين، بعد جفاف الحبر شيئا باليا، رغبتنا بالتمزيق اكبر من رغبتنا بان يبقى، وان يقرا.. وما ان يقرأ بعد حين يكون ثاويا في مجد الذهن يطاردنا ككابوس متسلط متنفذ على آلية ما نكون به، ومازوشيا على حيوية ما نعرف…
ان الكتابة قد تطوف حروفا متناثرة بين جزئيات الكتاب، مؤثرين ان نجمع الدم، والموقف فلا نحيد عن عزمنا اللبيب إلا بالكتابة المتفجرة كالدم الخارج نزفا من جرح عميق..

اِقرأ المزيد...

حضور القضية الوطنية في الأدب المغربي ( الرواية والقصة نموذجا) - مصطفى ألعوزي

أنفاساتسم الأدب المغربي عموما والأنماط السردية المتجسدة في الرواية والقصة كنموذج بشكل خاص باحتوائها لمجموعة من القضايا ذات العمق والمتجذرة في قلب الواقع المغربي، عذا مع تسجيل بعض الاستثناءات البسيطة والتي لا تعدو أن تكون إنفلاتات لا غير، لكن هناك بعض القضايا ولقوة حضورها كانت غالبا ما تصفو على سماء الإنتاجات الأدبية السردية من رواية وقصة، ومن أبرز هذه القضايا وأكثرها حضورا القضية الوطنية، أي مجموع الشعور التي يكتنزه الفرد في ذاته واتجاه وطنه ويعبر عنه إما بالثورة أو المقاومة السرية ضد سالبيه حريته، ونقصد به المستعمر، وكان حضور هذه القضية مختلفا ما بين حقبة وأخرى، حيث كان حضور القضية الوطنية في الانتاجات ما قبل الاستقلال يحمل بعدا توعويا وتحميسيا يراد منه إثارة هيجان المواطن المغربي بغية تحفيزه ودفعه للإقدام نحو كل من عبد المجيد بن جلون وع بد الكريم غلاب، حيث نلمس هذا التحفيز وهذه الإثارة جليا في أعمالهما خصوصا السيرة الذاتية لعبد المجيد بن جلون " في الطفولة" و" دفنا الماضي" لعبد الكريم غلاب، إذ هناك بعض المقاطع في السيرتين المذكورتين تحاول إثارة شعور الثورة والهيجان في غياب المواطن المغربي لتدفعه للثأر والصراخ في وجه المستعمر وتحقيق أهداف الأمة النبيلة وفي مقدمتها الاستقلال.
وجاءت فترة ما بعد الاستقلال وإلى حدود سنة 1984 والتي كان الإنتاج الأدبي فيها ضعيفا حيث لم ينشر فيها سوى 3113 كتابا، مما جعلها بحق مرحلة حسب النقاد والدارسين مرحلة السنوات العجاف، وإمتازت جل الانتاجات الروائية والقصصية فيها بطابع الافتخار والنشوة بعد النصر، إذ نرى مثلا الكاتب المغربي مبارك ربيع يتحدث في بعض أعماله عن المقاومة المغربية ومعركة التحرير والاستقلال باعتزاز كبير يشخصه أبطال رواياته وقصصه، ومنها على سبيل المثال حينما يستعرض أمجاد المقاومة المغربية أيام الاستعمار في مجموعته القصصية " سيدنا قدر" وبالضبط في قصته المعنونة ب " الأصم" فيقول " نحن في سنة 1954 والمقاومة على أشدها إذ ظهرت في الميدان منظمات جديدة بجانب منظمتنا التي كانت وحدها أول الأمر، كانت عملياتنا تنجز بإحكام ورصيد منظمتنا منها كان عظيما" ( " سيدنا قدر"/ الأصم: ص 1 7) ويقول في أحد المقاطع الأخرى من نفس القصة " ذلك أن عملي قبل ذلك كان ينحصر في إعداد المنشورات والسهر على وثائق المنظمة، أما رفقي فكان من رجال العمليات الممتازين يحظى بمكانة عظمى في المنظمة"، ونلمس أيضا هذه النزعة الإعجابية في إنتاجات كتاب آخرين كمحمد برادة ومحمد الصباغ وآخرين، وفي مقابل هذا نجد فئة من الروائيين والتي تنتمي إلى نفس الفترة ( 1957 – 1984) تحاول قراءة ذاك الماضي أي ماضي المقاومة وفترة الاستقلال بنوع من النقد الموجه، موجه بالتحديد إلى القوى السياسية المجسدة في الحزب الذي كان يعتقد بأنه يمثل الشعب ويتبنى مطالبه في حين أنه لا يعدو أن يكون براغماتيا يجلب النفع لذاته وذويه.

اِقرأ المزيد...

علي كنعان: الكتابة فعل تطهيري لتضميد جراح الوطن النازفة - د. امحمد برغوت

أنفاسيوضح علي كنعان علاقته بالشعر قائلا:
"بدأت العلاقة بيني وبين الشعر في التاسعة من عمري – على ما أذكر – بعد أن ختمت القرآن وأمرت بحفظ المقطوعات الشعرية لإلقائها في السهرات أمام الضيوف" (1).
ويحدد ما يشغله كشاعر: "تشغلني قضيتان أساسيتان:
العدالة الاجتماعية والحرية، ان شتى مظاهر الظلم الاجتماعي تثيرني بجزئياتها الصغيرة وتملأني حقدا. فلا أجد عزاءا أولا في غير الكتابة أو المطالعة. ومع إيماني بأن السير بحزم في ضوء الفكر التقدمي يستطيع أن يقضي على هذا الظلم، إلا أن الخطر يكمن في أن تتولى حمل المشاعل وتحريك الخيوط في هذه المسيرة طبقة من الموظفين والمستوظفين الذين يعرفون جيدا من أين تؤكل الكتف، والذين تقضي مصالحهم ان يحافظوا على أمراض الواقع ويزيدونها تعقيدا وخطرا لتبقى الحاجة إليهم قائمة باعتبارهم أداة خبيرة بحل المستعصيات، وهكذا يعيشون ويتكاثرون كالعلق على أكتاف جماهير المنتجين، وبخاصة الفلاحين. إن نقمتي على هذه الطبقة، وأنا واحد منهم، تجعل كتابتي أحيانا أشبه ما تكون بتقشير جرح تقيح ليبقى مفتوحا – رغم بشاعته – أمام شمس الناس المطهرة"(2).
يحدد الشاعر في هذا الاستشهاد طبيعة انشغاله كشاعر، وتتخذ هذه الطبيعة أساسا ايديولوجيا واضحا.
وعلاقة علي كنعان بالشعر توطدت في سن مبكرة – كما جاء في شهادته السالفة – إذ نشر أولى قصائده في مجلة الآداب سنة 1959، كما أنه خبر القصيدة الكلاسيكية ونال عليها الجائزة الرابعة في مهرجان الشريف الرضي عام 1964 باللاذقية، وكان من المدافعين الأوائل عن القصيدة الحديثة في سورية. درس الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق وتخرج منها، واشتغل بالصحافة الأدبية بصورة متصلة ومتقطعة منذ عام 1964 .
وقد أثر كل ذلك في شعره (الريف والأدب الإنجليزي والصحافة، التراث الأدبي والأسطورة) وكان الأساس الجمالي لمجمل نتاج الشاعر.

اِقرأ المزيد...

علي الجندي: الشاعر الساخط على انهيار الزمن العربي الرديء يكتبه وصيته الأخيرة - د. امحمد برغوت

أنفاسيقدم الجندي نفسه بقوله:
"كانت عائلتي إسماعيلية أغاخانية، ثم تمرد والدي ظانا أنه يقوم بثورة، ونال في سبيل ذلك اضطهادا اجتماعيا وفرنسيا وفقرا"(1).
لقد نشأ علي الجندي في "سلمية" وهي مسقط رأسه تقع على أطراف البادية في سورية، عاش بها ظروفا قاسية من الاضطهاد والفقر، وهو ما جعله يتمرد تمردا فرديا خاصا ضد هذا الواقع منذ مطلع شبابه ـ شأنه في ذلك شأن أبيه ـ ومن ثم راح يمارس تمرده الرواقي العبثي بصورة علنية في الجامعة السورية في مطلع الخمسينيات.
يقول عنه سعيد حوارنية: "وكان علي الجندي المفتون ببايرون الجميل جدا والمتحدث دوما، الضاحك أبدا والملتهب شبقا إلى الحياة الفريدة... لم يكتشف أن الشعر قضيته إلا في وقت متأخر، وبعد أن استهلك نفسه وجسده كرواقي خرافي، وبعد أن امتدت إليه يد الحياة التي ذللته بخنجر رمادي يلمع ويحاذي لحمه"(2).
هذا هو علي الجندي إذن سيصحو فجأة على السقطة المروعة التي تلقاها جيله في حرب حزيران 1967، فانهارت أحلامه السياسية، وأحس بالخراب يحاصره من الجهات كلها وبالوحدة القاتلة المدمرة، فلم يكن له من حل سوى أن يجعل من الشعر عالما موازيا للواقع المزري، ومعوضا له. ومن ثم انتشر إحساسه بالقلق المدمر والبؤس النفسي والحزن المرضي، فراح يدين كل شيء، ويجزم بصورة قطعية أن كل ما كان وسوف يكون، عقيم لا جدوى منه.
وفي هذا المعنى يقول:
"إنني أعرف أني صرت وحدي.
إنني أفردت إفراد البعير
صرت كالمجذوم في أهلي
فمن دنياي غوري"(3).
ويقول في مقطع آخر عن المعنى نفسه:
" كل ما كان وما سوف يكون
صار صحنا من رماد بارد صار وجها طحلبيا
فوق ماء جامد"(4).

اِقرأ المزيد...

سرير الأسرار : رواية الكائن المهمّش بامتياز – عبد السلام ناس عبد الكريم

أنفاسسرير الأسرار الرواية المغربية الصادرة حديثا عن دار الآداب اللبنانية التي ودّعنا منذ أيّام صاحبها الألمعي الذي لا تعوّض خسارته،  الأديب الكبير سهيل إدريس، تحدث وقعا سحريا عجيبا في المشهد القرائي للنّصّ الروائي العربي المعاصر. والحقّ أني سمعت عن الرواية عبر الخبر المتسرّب  قبل أن تصلني أخيرا  وأخبر فحواها . فقد شاع الحديث في النوادي عن ميلاد روائي تطواني جديد ينضمّ إلى لائحة  المبدعين الذين شقّوا الطريق  لإغناء أنطلوجيا الكتابة السّردية  التي  يزدان بها المشهد  الثقافي لهذه المدينة المغربية الموسومة  بفيض  الحضارة وعبق التاريخ . هذا الّرّوائي، وصاحب هذا  العمل، هو كاتب  قادم  من الهامش بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معان ودلالات . هامش  الانتماء للحارة  و النشأة في أحضانها ، وهامش  الانتساب الوظيفي إلى  حقل مغاير للمسار الثقافي الأساسي الذي رسمه التكوين العلمي والثقافي للمبدع باعتباره خرّيج معاهد الدراسات  الأدبية  والقانونيّة . علما بأنّ   المجال الذي عوّدنا  على جديد الإبداع القصصي والرّوائي  في هذه المدينة ،هو مجال الممارسة في حقل التربية والتعليم الذي أنجب  أسماء لامعة من قبيل محمد أنقار وأحمد المخلوفي وخالد أقلعي ومحمد برحو، وغيرهم ممن لا زالوا يسعون إلى إثراء مجال الحكي وينهلون من كنوز المدينة  الحضارية وألوانها الثقافية،  ويستلهمون نماذجها  البشرية سليلة العوالم السحرية.
أمّا الأستاذ البشير الدامون مبدع  " سرير الأسرار" فهو موظّف  بقطاع البريد والاتصالات  ،وهو المجال  الذي يحتكم إلى تقنية التسيير والتدبير أكثر مما يرتهن إلى كفايات اللغة وتشغيل قدرات الكلام. بيد أنّ هذا الرّوائي الواعد أبى إلاّ أن يمنحنا المتعة التي طالما افتقدناها كقرّاء للأدب  ، متعة القراءة لمحكيات جذورها متأصلة في تربة الواقع العياني المحلّي المحدود،  ولكن فروعها تمتدّ  عبر أعماق الوجدان  الكوني الصّادق الذي  يستمدّ ألقه وصفاءه من بساطة  الكائن المهمّش  الذي يكتوي بنار القهر ومعاناة الغبن من جرّاء سوء تدبير القيم.
إنّها حقّّا متعة المفاجأة  باستقبال مولود إبداعي  جديد تشكّل عبر مواثيق ضّمنية بين كاتب متحرّر من ضغط الرّقيب الذي  يحصي الأنفاس ، ومتلقّ ملّ من قراءة الاجترار والتّسطيح والتعتيم،  ويطمح إلى الجديد المشرق الطّالع من بقايا الرّماد.
سرير الأسرار عمل روائي شيّد معماره  من خلال ركوب مغامرة الكتابة الواقعية التي تقتضي البوح والكشف عن  العلامات المختزلة  للسّنن الاجتماعي ، واختبار اللغة القياسية ثمّ إعادة  إنتاجها وفق أنساق اللغة التعبيرية التي  تلامس الجوهر الإنساني وتطبعه بصدق الشعور.

اِقرأ المزيد...

الرواية التاريخية وتمثل الواقع ـــ عبد اللطيف محفوظ

أنفاستقديم‏ :
تحاول هذه الدراسة أن تحدد من جهة أهم العلاقات الاختلافية والاتفاقية بين الكتابة التاريخية والكتابة الروائية عامة، وكتابة الرواية التاريخية خاصة؛ ومن جهة ثانية، أن تقترح نمذجة عامة تهدف إلى تأطير جميع الروايات التاريخية انطلاقاً من أشكال تمثل كتابها للسؤال الراهن المحفز للذهاب إلى مرحلة تاريخية بعينها، أو إلى شخصية تاريخية دون غيرها. ويؤشر هذا الاختيار على تمثل مخصوص للواقع الراهن من قبل الكاتب. وقد حاولنا وضع تلك النمذجة انطلاقاً من سيميائيات بورس التداولية(1)، التي تقسم الأدلة بحسب انتمائها إلى إحدى المقولات الظاهراتية الثلاث، وهي أولاً مقولة الممكن، وتضم الأدلة التي تكون موضعاتها الدينامية أيقونات، أي أن موضوعاتها تتجسد في أدلة أخرى تربطها بها علاقات نوعية قائمة على المشابهة كما هو الحال في الاستعارة وما شاكلها، وتتسم هذه الموضوعات الدينامية بأنها محتملة وممكنة وحسب. وثانياً مقولة الوجود، وتضم الأدلة التي تكون موضوعاتها الدينامية مؤشرات وجودية ترتبط بالدليل عن طريق المجاورة. ويميز داخل هذه المقولة بين الأدلة الإشارية التي لا تقوم إلا بالتأشير على رمزها المجرد، وبين المؤشرات التي تجسد المعنى الحقيقي للمجاورة التي تضم الأشكال البلاغية الكلاسية المعروفة مثل المجاز بأنواعه والكناية وما شاكلهما. وثالثاً مقولة الضرورة، وهي مقولة مجردة مسؤولة عن الوساطة بين الأدلة ومؤولاتها المجردة التي لا تحين وجودياً إلا في شكل نسخ، فتغدو تبعاً لطبيعة التمثيل، أيقونات أو إشارات أو مؤشرات. وبناء على هذه الخلفية النظرية أمكننا إدراج جميع نصوص الروايات التاريخية في الخانات الثلاث المنطقية، تبعاً لشكل تمثل الكاتب للواقع وشكل تمثله للتاريخ الذي يقتطع منه ما يناسب التعبير عن سؤاله، وتبعاً للفرضية القائلة إن العودة إلى التاريخ هي منطقياً عودة لتقديم إجابة عن سؤال راهن.‏
تتلاءم هذه الخانات المنطقية أولاً مع الطاقة الإنتاجية الأيقونية، التي تتحقق إما عن طريق كون الأحداث التاريخية المشكلة لمادة الرواية مشابهة ـ من حيث النوعيات ـ للراهن المحفز لسؤال الكتابة،وإما نتيجة كون الإجابة التي تتضمنها تلك المرحلة مشابهة للإجابة التي يوجهها الكاتب للسؤال الراهن المحايث لفعل الكتابة. ومثالها روايات نجيب محفوظ التاريخية والعائش في الحقيقة والزيني بركات لجمال الغيطاني وما شاكلها.. وتتلاءم ثانياً مع الطاقة الإنتاجية التأشيرية التي تتحقق حين تكون العلاقة بين المضمون الحدثي للرواية التاريخية ومرجعه التاريخي الفعلي متطابقة تقريباً، ويكون السؤال الراهن في علاقته مع المادة التاريخية انفعالياً وحسب، يتصل بالتمجيد أو التنقيص أو الاستحضار... ومثاله روايات جورجي زيدان وما شاكلها.. وتتلاءم ثالثاً مع الطاقة الإنتاجية المؤشرية، وهي التي تهم استحضار شخصية تاريخية من أجل الدلالة على قضية معقولة، لا تهم بالتحديد وضعاً محدداً، بل وضعاً إنسانياً عاماً ومثالها روايات أمين معلوف وما شاكلها..‏

اِقرأ المزيد...

النص الحديث علم العلوم ومنه يجتــاف العصر - بقلم : محمد الاحمد

أنفاس1
قال العتابي :
(البلاغة إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق)
وذكر لنا الجاحظ عن أعرابي انه قال: (من التوقي ترك الإفراط في التوقي!)
 
2
ما من أديب منا- إلا وقد غطته التراكيب المتواشجة بالأساطير، والخزعبلات وأقصته بعيدا عن المعالم الحضرية المتناثرة على وجوه الحقيقة المريعة..                                                            
كلما تصورنا ان نواجه الكلمات الأكثر سلطة من الصمت، الأكثر حيوية من النص، إلا وغرقنا في تفاصيل موقودة بالمحرم، بالممنوع..
 لكم تصورنا ان عالم الكلمة اليوم وغدا سيكون من قاعدة ثابتة.. ضمن ما يكون التحديث العصري المواكب لانزياح المعلومة الغيبيّة بمعلومة ذات أصل، وكيان!
لكننا لم نـر سوى انكسار آخر ضمن المعنى. انكسار لم يعني الانحراف عن القصد، فحسب. قد يؤلف معنى جديدا/ يكتسب ثباتا آخر.
كيف تثبت تلك الحيثيات بين المعاني وتخرج صارخة بوجه المتلقي العارف/ العليم.. صماء اكثر عفوية وأوغل معنى…؟
ان ذلك الصدق المعنون، المسمى لا يكون إلا احترافا قدريا يكتبه المرء دون ان يستند على دوغماجية بالية أكلتها العثة.. دون ان يتحرر من الفراغات العفوية بين العهد القديم/ الجديد، والهفوات الجوفية غير المقنعة.. اقتدارا تكون الكلمات المستندة على معرفية عريضة، فمن أين يأتي بكل تلك الإرادة صانعها، وناحتها بأبشع الأزاميل الطاهرة…
    نكون في لحظة عفوية قد امسكنا المعنى المفترض بين التلافيف، نكون قد صادرنا الاعتباطي الغيبي المجوف، واللا توجه فنقف حائرين ضائعين بين حدود النص في الذهن، وبين إدراك مغزاه على امتداد المقصود..
 ما نكتبه الآن يصبح بعد حين، بعد جفاف الحبر شيئا باليا، رغبتنا بالتمزيق اكبر من رغبتنا بان يبقى، وان يقرا.. وما ان يقرأ بعد حين يكون ثاويا في مجد الذهن يطاردنا ككابوس متسلط متنفذ على آلية ما نكون به، ومازوشيا على حيوية ما نعرف…
ان الكتابة قد تطوف حروفا متناثرة بين جزئيات الكتاب، مؤثرين ان نجمع الدم، والموقف فلا نحيد عن عزمنا اللبيب إلا بالكتابة المتفجرة كالدم الخارج نزفا من جرح عميق..

اِقرأ المزيد...

ما القصة القصيرة ؟ - مصطفى طاهري علوي

أنفاسيقول انطون تشيكوف أحد ألمع آبائها الروحيين بأن القصة القصيرة كذبة متفق عليها ضمنيا بين القاص/الكاتب والمتلقي/القارئ، لكن هذه الكذبة ليست من نوع الأكاذيب العادية التي تعرفها الحياة اليومية، ويتقن الجميع إبداعها وحبكها، بل هي كذبة يضاهي صدقها وسموها ربما الحقيقة ذاتها، باعتبار أن الفن الذي هو لحمتها هو التجسيد الأسمى للحقيقة، والرئة التي بها تتنفس، كلما تكاثف الزيف والكذب والخداع، حيث يؤكد تشيكوف على ان الفن لا يطيق الكذب،وان الانسان يستطيع ان يكذب في الحب والسياسة والطب وان يخدع الناس كلما أراد، الا انه لا يستطيع أن يلجأ الى الخداع في الفن.
وقد أكد نفس الكلام أحد النقاد الانجليز حين قال بان الحقيقة شقيقتها الكبرى الحكاية.
ان الكذبة/الحكاية التي تسمى اصطلاحا القصة القصيرة تحولت من كونها "مصنعا للأكاذيب" الى كونها "مصنعا للحقائق" وأصبحت كما يقول "نجيب العوفي" احدى أهم نوابض عصرنا واحدى اكثر ظواهرنا الثقافية شفافية وحساسية، وذلك منذ أن وضع لها "ادكار الان بو" القواعد النظرية الأولى كجنس أدبي يساوق ويسابق اعرق الأجناس الأدبية وأرقاها، وفي العالم العربي اصبحت القصة القصيرة ومنذ بداية هذا القرن، آية على التململ الوطني/القومي وعلى السيرورة الاجتماعية التاريخية، ومؤشرا ثقافيا بالغ الدلالة على ما يسمى "النهضة" او "المعاصرة" او "الحداثة".
هكذا اصبحت هذه الكذبة الفنية الصغيرة كما يوضح الأستاذ العوفي أداة لهتك الأكاذيب الكبيرة التي تخنق الضمير،وتعرية هذا السكوت عنه الذي هو الحقيقة.
يقول القاص والروائي المغربي "محمد زفزاف" عندما يفقد القاص الصلة بينه وبين ما حوله يشعر أنه منفي ويتحول انطباعه من مجرد انطباع الى موقف من العالم، لذلك كانت القصة العربية هي في أغلبها قصة مثقفين، لا قصة مليون عربي.

اِقرأ المزيد...

سيمفونية لم تكتب بعد.. الحب عنوانها - رحاب حسين الصائغ

أنفاسطرق ومسافات الحياة تعمرها نفوس البشر، ووحي الشعر يلعب دورا كبير في سرد أدق الخبايا المعاشة، حوائط وأبنية تتحرك داخلها ملامح إنسانية، قد تكون معذبة، قد تكون سعيدة، قد تكون باحثة عن وجودها، الشعر عند الإنسان المبدع حين تقع رؤياهُ على جناح فراشة منكسر، أو أشعة شمس مخترقة ثقوب صغيرة، تراوده لغة التعبير شعورياً، تخيلاً وانفعالاً، خارجاً من زمن داخلاً خمر الإبداع  وما يصادفه من جمالية المفاهيم، مؤكداً استدعاء فكره الموحي، لما يمر أمام عدسة مشاهداته اليومية، منقباً في حركة الشعور لديه، حذراً في تبنيه القيمة الفنية لكل خوالج يومه يعمل على إيقاظ ما تهالك من جوانب الحياة، فيلجأ(للمرأة) السيمفونية التي لم تكتب بعد، بدأ بكتابتها الشاعرة: نجاة الزباير والشاعر إبراهيم عبد الفتاح سعد الدين.
الشاعرة نجاة الزبايري، المغرب/ تغوص في فلسفة النفس والتجربة في بحثها عن نشاط هذه الطبيعة ومداها الذي يختال أوصال أحاسيسها، وحالات التحول بين متاهة الانسجام والصراع لمفردات تفكيرها القائم في خلق ما تريد أن تتهيأ له، وما وجدت عليه آباءها الأولين، في قصيدتيها(قصيدة كسرتها أوزان الهوى) وقصيدة (حقائب قصيدة هاربة).
نجدها تشحن فكرها في معانات المرأة.
( قصيدة كسرتها أوزان الهوى) لم تسلم المرأة من رشق الهوى حين يسير في دروب حياتها، كتبت تصف السنين التي مرت بها بالليالي، والليل ما أقسى سواده حين يمر الإنسان بعذابات تقوده لمعرفة نفسه،  فتحدثنا عن سبع ليالي عمرت سنين عمرها كأنثى، "الليلة الأولى" لم تدرك بعد أوهام عواطفها المتأججة في لحظات سحبت منها، بقولها:
الليلة الأولى
صبية كنت...
بضفيرة تجر وهم الطفولة
استقبلتني أحلام المدينة
مثل بابل تُقَطَعُ أوصالها
روت لي هذيان الصباح
واستسلمت لهدير الوقت

اِقرأ المزيد...