الثلاثاء 23 كانون2

أحمد المجلس البلدي - يوسف ادريس

انفاسأنَّى تذهب كنت تجد أحمد العقلة... نجارا تلقاه. حلاقا تلقاه تاجرا في مخلفات الجيش تلقاه. ثم هو بعد هذا يجيد شغل الآلاتية، وكي الناس للشفاء من الأمراض. وجس البهائم العشر والقيام بأعمال الأبونيه وتعهدات فرق المزيكا والرقص، وإصلاح الكلوبات والبوابير في الأفراح. وحتى في "تلتيم الموتى" تلقاه.
ومع هذا كله فقد كان بساق واحدة.
أو على وجه الدقة بساقين: ساق خلقها الله وساق صنعها بنفسه على هيئة عكاز عظيم الشأن تفتن في مسحه وتنعيمه وتزويقه، وحفر الحمام والعصافير والنساء الممسكات بسيوف عليه.
وإذا كانت ساقه التي خلقها الله وسواها تمشي في أمان الله وبصمت غير مسموع. فساقه التي خلقها هو لها دبيب معروف وفي أي مكان البلد يمكن أن تسمعه..

اِقرأ المزيد...

الحــرب والسـلـم - محمد كـامل الخطـيب

انفاسعلى الحائط،  مقابل الباب الذي فتحه بقدمه، واجهته صورة كبيرة لأرنست همنغواي، وكومضة تذكر الصورة التي يزين بها غرفته، تحتها تماما كانت ثمة طاولة، وكان ــ ذاك ــ يجلس، يقرأ على ضوء مصباح زيتي، كان يقتعد كرسيا خشبيا،،، أجفل، وحاول أن يتناول مسدسا على طاولته، لكن رجة من بندقية الداخل أوقعته على الأرض.
بعد أن سقط، وعلى الرغم من حرج الموقف، لم يتمالك الداخل نفسه، وأخذ يحدق في صورة الحائط الكبيرة،إنها الصورة نفسها التي يزين بها حائط غرفته، صورة همنغواي يرتدي تلك الكنزة الصوفية ذات الرقبة.
وعلى الرغم  من دقة الموقف مرة أخرى أجال الداخل عينيه على حيطان الغرفة، كانت هناك صور كثيرة لمجموعة أطفال جياع، ومجموعة صور لنساء عرايا، ولوحة شاجال. أهي المصادفة كذالك أن تكون حيطان غرفة الداخل مغطاة كذالك بصور أطفال جياع و نساء عرايا ؟

اِقرأ المزيد...

شقة محترمة - فاطمة بوزيان


الأطفال الذين تعودوا على إرسال الكرة نحو زجاج كل  النوافذ دونما حذر، استثنوا شقة واحدة أحدهم يصيح دائما في بداية اللعب :
-احترموا هذه الشقة فهمتم، لا نريد مشاكل مع المخزن
- احترموا هذه الشقة وابتعدوا إلى الخلف، لا نريد مشاكل
تصيح إحدى الأمهات أيضا، ويتحول الأطفال صوب بيت الحارس ، يكتفي الحارس  بالابتسام نافذته الصغيرة
طار زجاجها منذ زمن ربما لهذا لا يجد مبررا للصراخ في وجه الأطفال ، ثم ربما  يفكر أن لا أهمية للزجاج مادام ينام خلف باب العمارة ليلا ويجلس أمامها نهارا، أو ربما يفكر في أشياء أخرى تنسيه صخبهم أو تحببه إليه...يقف في حركة مفاجئة تجعلك تتوقع  انه أخيرا  سيتمرد ويصرخ في الأطفال كي يبتعدوا..لكنه  يلف حول  العمارات  في حركة استكشافية روتينية ويعود إلى كرسيه

اِقرأ المزيد...

سنضحك.. سنضحك كثيرًا - زكريا تامر

في يوم من الأيام، اقتحم رجال الشرطة بيتنا، وبحثوا عنّي وعن زوجتي، ولم يتمكنوا من العثور علينا لأنّي تحوّلت مشجبًا، وتحوّلت زوجتي أريكة يطيب الجلوس عليها. وضحكنا كثيرًا عندما خرجوا من البيت خائبين.وفي يوم من الأيام، كانت السماء زرقاء لا تعبرها أي غيمة، فقصدنا أحد البساتين، فإذا رجال الشرطة يدهمون البستان بعد دقائق طامحين إلى الإمساك بنا، ولكنهم لم يوفقوا لأنّي تحوّلت غرابًا أسود اللون، دائم النعيب، وتحوّلت زوجتي شجرة خضراء، غزيرة الأغصان. وضحكنا كثيرًا من إخفاقهم.
وفي يوم من الأيام، تذمرت زوجتي من عملها في المطبخ، فذهبنا إلى أحد المطاعم، وما إن بدأنا نأكل حتى طوّق رجال الشرطة المطعم، واقتحموه عابسي الوجوه، وفتشوا عنّا تفتيشًا دقيقًا، ولم يجدونا لأنّي تحوّلت سكينًا، وتحوّلت زوجتي كأسًا من زجاج ملأى بالماء. وضحكنا كثيرًا لحظة غادروا المطعم قانطين.

اِقرأ المزيد...

قبر خاو - زكريا تامر

انفاسكان الجنرال رجلاً ذا رئتين ومعدة وأمعاء غليظة وأمعاء دقيقة وكبد وشرايين ملأى بالدم الأحمر، ولا يختلف عن غيره من الرجال إلاّ بكونه جنرالاً في جيش محارب في بلاد ليست بلاده. وكان الجنرال كثير الضجر من مهنته الخالية من الإثارة، ويحلم بأن يعمل يومًا في مزرعة لتربية البقر والغنم أو في مستشفى للمعوقين والمسنين. وكان الجنرال صارمًا كثير الاكتئاب، لا يبتهج إلاّ حين يتخيل عصفورًا صغيرًا يحاول الطيران ويخفق، ولا يبتهج إلاّ حين يتخيل جنوده المطيعين لأوامره يحتلون القرى والمدن متنافسين على هدمها وقتل سكانها، ولا يبتهج إلاّ حين يتخيل أنّه يزود جنوده بأسلحة قادرة على إبادة مئات الألوف في ثوان، فلا يحاولون استخدامها حتى لا يحرموا قتل أعدائهم ببطء وتشف. وابتهج في أحد الأيام ابتهاجًا مختلفًا حين تنبه إلى أن شعرًا جديدًا أسود بدأ ينبت في رأسه ويحل محلّ الشعر القليل الأشيب، وتباهى به دليلاً على الرجولة وعودة الشباب. وتزايد نمو شعر جسمه مغطيا الجلد بطبقة كثيفة خشنة، وتبدل شكل وجهه تدريجيا.

اِقرأ المزيد...

يوم أشهب - زكريا تامر

انفاستمرّن شكري المبيض مع زملائه في السجن تمارين رياضية لا تخلو من العنف، غايتها الحفاظ على سلامة صحته، فأدت إلى إصابة جسمه بالكثير من الرضوض والكدمات والجروح. ومارس شكري المبيض هوايته في شي الكستناء، الفاكهة المفضلة لديه، فأحرقت النار أصابع يديه وقدميه وظهره وصدره وبطنه. وحاول شكري المبيض حلاقة ذقنه صباحًا بينما كان منهمكًا في الاستماع إلى ما يقدمه مذياعه من نشرات أخبار وأغان، فأخطأت يده اليمنى الممسكة بموسى الحلاقة، ولم تخلص جلد الوجه من شعر لا لزوم له، وذبحت بحركة طائشة العنق من الوريد إلى الوريد، فنُقل شكري المبيض توّا إلى أفضل مستشفى، وهناك حاول الأطباء إصلاحه، فعجزوا، ووضعت جثته في كيس من قماش متين، وسلمت إلى سيارة توزع الموتى يوميا على بيوت أهاليهم. ولم يواجه سائقها أي مشقة في الاهتداء إلى بيت أهل شكري المبيض في حارة قويق، ولكنه بوغت به خاليا منذ شهور. فأبوه مقبوض عليه بتهمة التشرد والتسول، وأخوه يحاكم لسطوه على أموال الدولة، وأمه مسجونة لاعتدائها الشفوي على أعراض نساء محترمات، وأخته معتقلة لأنها تتعمد ألا تعبر عن فرحتها أو حزنها.  

اِقرأ المزيد...

الأغصان - زكريا تامر

انفاس  ذهب بلال الدندشي إلى مدرسته كعادته في صباح كل يوم، ووصل إليها متأخرًا، ودخلها وهو يرتعد خوفًا من معلمه وتوبيخه الفظّ الساخر. ولكنه وجد التلاميذ نائمين والمعلمين نائمين، فحاول إيقاظهم، فلم يستيقظ أحد. وسئم الجلوس وحده، فتثاءب ونام، ورأى في أثناء نومه أنه نائم في مدرسة تلاميذها نائمون نومًا عميقًا غير مبالين بصيحات معلميهم الغاضبة. وأيقظته أمّه من نومه، وحثته على الإسراع حتّى لا يتأخر عن مدرسته، فهرول قاصدًا مدرسته ليجد معلميها مقتولين وتلاميذها يلعبون مرحين، ولم يلعب معهم لأن أمّه أيقظته من نومه ليذهب إلى مدرسته. فارتدى ثيابه على عجل، وغادر البيت من دون أن يأكل، وهرع إلى مدرسته وجلس في صفه بين التلاميذ متأهبًا لما سيحدث.

اِقرأ المزيد...

غيابات القلب - أحمد بوزفور

انفاسالغيابة الأولى:  الحليب
أحسست بطعمه في فمي وأنا أستيقظ هذا الصباح. لم أتذكر الحلم، ولكن طعم الحليب كان في فمي، وسرعان ما عادت إلى ذاكرتي رائحته الفاغمة التي عرفتها في الطفولة وهي تتصاعد مع البخار إلى الأنف، وشرشرته وهو يهبط من الإبريق الأبيض إلى الكأس المزوقة في الصينية الصفراء، حتى لقد أحسست بالشرشرة تغلف ـ بغلاف مخملي ناعم ـ ضجيج السيارات وراء زجاج النافذة المغلقة. وغمرني وأنا بين النوم واليقظة عالم الحليب الطفولي القديم.
ـ حليب الكأس المزوقة والإبريق الأبيض


ـ وقبله حليب المعزة الملتذة بالحلب وهي تجتر ساكنة مستسلمة، ورائحة الضرع المكتتر الأجرد، والخشونة الناعمة لـ (البزولتين) الدافئتين، والحليب وهو يسقط منهما في دفعات موقعة في نغمتين متواليتين: نغمة الخروج من الضرع، ونغمة السقوط في الحلاب الطيني الأحمر المغسول، المسدود فمه بنبات شوكي (لتصفية ما قد يقع في الحلاب من قذى أو غبار).

اِقرأ المزيد...

بريد ومواصلات - خوليو كورتاث

انفاساتفق أن وصل ذات يوم أحد أقاربي البعيدين إلى منصب وزير، فدبرنا معه الأمر لكي يعيّن عدداً لا بأس به من أفراد العائلة في أحد فروع مصلحة البريد بشارع (سيرّانو) لكن، والحق يقال، لم يدم بنا الأمر هناك كثيراً. قضينا يومين من الأيام الثلاثة التي بقيناها في ذلك المكتب، ونحن نقدم الخدمة للناس بسرعة فائقة، بحيث تلقينا زيارة مستغربة من أحد المفتشين من الإدارة المركزية، وظهرت في جريدة (الحق) كلمة تمتدحنا. في اليوم الثالث أصبحنا واثقين من شعبيتنا، فقد وفد علينا الناس من أحياء بعيدة ليبعثوا برسائلهم وليقوموا بتحويل مبالغ مالية إلى (بورماماركا) أو إلى جهات أخرى سخيفة مثلها. في ذلك اليوم أعطانا عمي الأكبر حرية التصرف الكاملة، فرحنا نعمل كلٌ حسب رغبته. كانت أختي الثانية، المكلفة بتخليص الرسائل وبيع الطوابع، تهدي بالوناً لكل من يمر بشباكها ويشتري طابعاً. كان البالون الأول من نصيب امرأة بدينة بقيت، عندما تسلمته، مسمّرة في مكانها، وقد أمسكت البالون بيد والطابع البريدي المبلل من فئة "بيسو" واحد، يلتف على إصبعها.

اِقرأ المزيد...

حفل راقص - محمد سعيد الريحاني

انفاس'' الكثير من الناس يضيعون نصيبهم من السعادة، ليس لأنهم لم يجدوها، ولكن لأنهم لم يتوقفوا للاستمتاع بها''.
ويليام فيذر William Feather
البوليس يطوق المكان حفاظا على الأمن العام.
باب قصر المهرجانات الضخم أغلق وفتحت بويبة صغيرة في الجدار يقف شرطي في مدخلها: يتسلم التذكرة من يد الزائر، يقطعها إلى نصفين، يحتفظ بالنصف ويعيد له النصف الثاني ثم يقتحم جسده تفتيشا وتلمسا ودلكا...
حتى إذا لم تصادف يداه وخزا معدنيا تحت لباس الزائر دفعه بقوة إلى داخل البويبة ليتفرغ للزائر الموالي في الطابور الطويل المنتظر على يسار الشرطي لولوج الحفل الذي سيبدأ بعد أربع ساعات...

اِقرأ المزيد...

العجوز - أسامة كمال

انفاسيأتى فى حلته الزرقاء الداكنة.. وشعره الابيض المتطاير أسفل قبعته . عيناه تميلان الى الزرقة والعرق دائما على جبهته صباحا أو مساء
اسلاك دراجته الذهبية تدور تنتقل من الشمس الى الظل ومن الليل الى النهار . لا تشعر انه يتوقف ابدا .. يدور .. ويدور
البحر ليس كأى بحر .. ربما لأن الورود الحمراء تساقطت عليه الصيف الفائت , ربما لأن الطيور البيضاء ملأته يوما عن أخره حتى انك لا ترى شيئا غيرها .. ربما لانهم قالوا أن جنية البحر نثرت حبات الملح فوق الغرقى ثم ملأت اجسادهم بالعطر .. ربما .. ربما .

يوم ان اتى العجوز سألته عن البحر ... قال:

الموت سر والبحر سر ونجمة السماء التى لمعت على وجه الطفل الذى مات منذ قليل .. غابت ولم تعد .

اِقرأ المزيد...

على موتها أغني - يسري الغول

انفاسحزناً و جزعاً
على موتها أغني ..
وميض خاطف يلفني ، يحاصرني ، يكاد يسقطني أرضاً ، يخنقني ، طيف لسماوات عظام يظللني ، يخطفني بعيداً و جسدي يرتشف غيوم المكان ، ضجيج يعمر الصالة التي انحني في جذعها ، جلبة نساء فاجرات تضرب جدران رأسي ، همهمة لفتيات يافعات في انتظار الرقص على تهاويم الميت ..
في صباي كنت ساذجاً كما أنا الآن ، لكنني اللحظة أشد من ذي قبل ، لم أدر كيف أفعل في هذا الحصار ؟ فلم تكن الجلبة وحدها التي تخنقني ، بل صوت أخواتي من حولي أيضاً ، و زوجتي التي تجلس بقربي هنا ، ساعة كئيبة هذه التي تزورني . اليوم بت مدركاً أنه عام الحزن و الجزع .
Read More

و على موتها أغني ..

في الصالة ازدادت حدة الهمس و الصفير ، ازداد الفزع و الخوف ، بدأ الصوت يأخذ ارتفاعاً شاهقاً كأعمدة النور باسقة ، وقفت النساء واحدة تلو الأخرى للرقص على جسدي الميت ، و عبر شقوق الألم أنتصب تائهاً ، أبكي فزعاً على موتها ، أصرخ علّني أتيه في ومضة وجهها الغجري .

اِقرأ المزيد...

حُـرة على الـجـسر - خيري عباس

انفاستوقفت مرتين على الجسر متثاقلة، قبل الوقوف الأخير في وسطه.. وبذا تكون هذه النقطة هي الأبعد عن مياه النهر فتسهل مهمتها القاسية.. والأبعد في الوقت نفسه عن الشاطئين لتضاف سهولة أخرى.. ولكن!. كيف سيواجه أشقائها عامة الناس؟.. ويواجهوا الأصدقاء؟ لا سيما أن أعداداً من سكان الديوانية قد نزحت إليها من القرى والأرياف.. ولو ـ لعنت الشيطان ـ وعادت بخفي حنين إلى المدينة، كيف ستواجه الأم التي طالما حذرتها منه؟ إذ هي على دراية أن السفر هاجسه بقصد الدراسة أو الإقامة أو ما يبرر له هذا.. عدا أن الكثير من شباب الحي يمني النفس بها، وهي لن تمني النفس إلا به، لذا لقبتها أمها ـ إكحيلة ـ عن استحقاق.

فبعد مضيها لبعض الوقت في غرفته تنهض لتضع لمساتها على جميع مقتنيات الدار ولوازمه، لم تدع صحناً أو قطعة ملابس إلا وغسلتها وتحديداً ملابس أمه.. التي أحبتها بصدق.. والحق، إنها كانت كحمامة بيضاء هادئة ووديعة.. كغزال بري في لفتاته. كثيراً ما أضافت إلى المنزل هالة رائعة بتشكيلات ملابسها وتسريحات شعرها. كان الشريط الأسود بعرض اصبعين يطوق جيدها ويضفي عليها الكثير.. كانت واثقة الخطى في المنزل.. وواثقة منه تماماً، فعما قريب ستأتي رسمياً إلى الدار، وبذا تلقم الأفواه الممطوطة الشفاه هزءاً بحجر.. فأمها حين امتثلت لإرادتها، قالت ذات صباح:ـ إنها كفيلة بإسكات أشقائها.

اِقرأ المزيد...

السر الذي أخفاه الفقيه - إبراهيم الحجري

انفاسوسط شجيرات التين الوارفة ـ المتهللة بإشراق خضرة مبكرة عند مقتبل صيف، لتبدأ فاكهة التين تنضج رويداً رويداً ـ  ينتصب الكُتّاب ببياضه الناصع وعلَمه الأبيض المهمل كضريح قديم، ومن شق بابه الواسع تنبعث رائحة (السمق). كل صباح يقصده اثنا عشر طالباً ـ تختلف أعمارهم ـ حثيثي المشية، وفور وصولهم يقبلون رأس الفقيه بهدوء وكأنهم يتلذذون نسائم شعره، ثم يعزلون ألواحهم المركونة في الزاوية الخلفية.. وأخيراً يصطفون جلوساً على الأرض لا يفصلهم عنها سوى حصير بال قد قضمته الأرضة. وبعدها ينتظرون الإشارة من فقيههم:

ـ إيـوا تـقـرا..

فتتناسل أصواتهم لتغالب الريح وتصل أقصى ربوة في القبيلة، ولم تكن زوابع الضجيج لتقلق الفقيه، بل كانت تشعره بالزهو حتى لا يتهمه أعيان القبيلة بالكسل، ومع ذلك كان (المختار) يميز أخطاءهم وينبههم واحداً واحداً دون أن يحول نظره عن موضع الإبرة التي يخيط بها جلباب الصوف.. هذا الشاب الأنيق الذي أتاهم من قبائل دكالة، شغفهم حباً منذ البداية، فشكله محبب لديهم ولا يعنفهم كالفقيه السابق (الغياث) الذي ضُبط متلبساً في علاقة غير شرعية مع أرملة.. كما كان يصنع طلاسم الجلب للنساء، فلحقه غضب القبيلة وطرد ملعوناً من رحمتها. السيد المختار ليس كباقي من توالى على هذا الكُتاب من فقهاء، فهو يتقرب من (المحضرة) ويوزع عليهم الحلوى وكؤوس الشاي وأرغفة (المسمن)، يوزع على تلاميذه كل ما تحمله إليه نساء القبيلة. وكان كلما قدم تلميذ جديد يخربش على راحة يده اليمنى بضعة كلمات ثم يأمره ببلعها، فما أن يفعل ذلك حتى يحفظ كل يوم لوحة ويمحوها. نال المختار مكانة كبيرة في قلوب الجميع، وسحر ألباب بنات القبيلة بوسامته وعذوبة صوته الذي يتسلل كل فجر إلى الربى وهو يتغنى بآيات الرحمن. وكانت السعدية أقرب فتاة إلى الكُتاب؛ كل صباح تعد فطوراً شهياً، تضعه في قفة مصنوعة من شجر الدوم ثم تقصد الكُتاب، تدخل دون أن تستأذن، تضع الزاد، وقبل أن تغادر تختلس نظرات بريئة إلى وجه المختار وهو منهمك بمداعبة الإبرة. وظل غرامها به يكبر دون أن يسمح لها كبرياؤها بالبوح له على الرغم من أنها كانت تجده لوحده أحياناً في غياب (المحضرة). كتمت سرها في جسدها وفضلت احتراق أشواقها، مكتفية بالنظر إليه عن بعد وهو يغادر الكُتاب، أو الاستمتاع بصوته وهو يغرد كالشحرور.. ودفعها اهتمامها إلى الإكثار من أسئلتها لأخيها التلميذ عن كيفية تعامله معهم وسلوكياته، فزادها ذلك تعلقاً به. وعند تسامرها مع بنات القرية في أغانيهن الليلية ويتجاذبن أطراف الحديث عن ساحر عقولهن، تغيّر السعدية الموضوع خيفة افتضاح سرها، أو غيرة على عشقها، مما يجعلها تغادر قبل متم السهرة.

اِقرأ المزيد...

رائحة الوردة اللامرئية - أحمد سعداوي

كان كل شيء يتدهور ويتفتت ويتقلص تدريجياً، تراقبه الأعين ببرود ولا مبالاة، لاعتيادها عليه، لكن من يراقب جيداً سوق مريدي، يستطيع أن يخرجه من هذه القاعدة، فمع الشروع بالتدهور والتفتت والتقلص، كأن هذا السوق يتنامى ويتماسك ويتمدد، المساحة الأصلية للسوق اصبح يشغلها بائعون ومتبضعون يزدادون يوماً بعد آخر، إضافة إلى مساحات جديدة يحتلها هذا السوق يومياً، بحيث يغدو من الصعب تحديد نقطة بداية او نهاية له، وكل بائع مهما ابتعد بمسافة عن السوق فهو مراديّ الهوى، وعينه تراقب دائماً المسافة التي بينه والسوق، وكيف يظهر فيها نهار كل يوم جنبر جديد، حتى تتزاحم في النهاية فوق مساحات صغيرة متجاورة.


أحياء كاملة ابتلعها هذا السوق، وضمها إليه، فمن جنبر أو اثنين يتمركزان في بداية الفرع، وعيون أصحابها على القبلة المرادية، يمكن التنبؤ بأن بيتاً مجاوراً سيحوّل غرفه أو واحدة منها ـ تلك التي تطلّ على الشارع ـ إلى محل لبيع الملابس المستعملة، أو لتصليح أخشاب غرف النوم.. ثم تسري العدوى في البيوت المجاورة، ليفقد كل راكز راية لنهاية السوق شرعيته فيسلم الراية للذي وراءه، وهذا يسلمها بدوره بعد فترة للذي خلفه.. وهكذا.

اِقرأ المزيد...