الأحد 19 تشرين2

على موتها أغني - يسري الغول

انفاسحزناً و جزعاً
على موتها أغني ..
وميض خاطف يلفني ، يحاصرني ، يكاد يسقطني أرضاً ، يخنقني ، طيف لسماوات عظام يظللني ، يخطفني بعيداً و جسدي يرتشف غيوم المكان ، ضجيج يعمر الصالة التي انحني في جذعها ، جلبة نساء فاجرات تضرب جدران رأسي ، همهمة لفتيات يافعات في انتظار الرقص على تهاويم الميت ..
في صباي كنت ساذجاً كما أنا الآن ، لكنني اللحظة أشد من ذي قبل ، لم أدر كيف أفعل في هذا الحصار ؟ فلم تكن الجلبة وحدها التي تخنقني ، بل صوت أخواتي من حولي أيضاً ، و زوجتي التي تجلس بقربي هنا ، ساعة كئيبة هذه التي تزورني . اليوم بت مدركاً أنه عام الحزن و الجزع .
Read More

و على موتها أغني ..

في الصالة ازدادت حدة الهمس و الصفير ، ازداد الفزع و الخوف ، بدأ الصوت يأخذ ارتفاعاً شاهقاً كأعمدة النور باسقة ، وقفت النساء واحدة تلو الأخرى للرقص على جسدي الميت ، و عبر شقوق الألم أنتصب تائهاً ، أبكي فزعاً على موتها ، أصرخ علّني أتيه في ومضة وجهها الغجري .

اِقرأ المزيد...

حُـرة على الـجـسر - خيري عباس

انفاستوقفت مرتين على الجسر متثاقلة، قبل الوقوف الأخير في وسطه.. وبذا تكون هذه النقطة هي الأبعد عن مياه النهر فتسهل مهمتها القاسية.. والأبعد في الوقت نفسه عن الشاطئين لتضاف سهولة أخرى.. ولكن!. كيف سيواجه أشقائها عامة الناس؟.. ويواجهوا الأصدقاء؟ لا سيما أن أعداداً من سكان الديوانية قد نزحت إليها من القرى والأرياف.. ولو ـ لعنت الشيطان ـ وعادت بخفي حنين إلى المدينة، كيف ستواجه الأم التي طالما حذرتها منه؟ إذ هي على دراية أن السفر هاجسه بقصد الدراسة أو الإقامة أو ما يبرر له هذا.. عدا أن الكثير من شباب الحي يمني النفس بها، وهي لن تمني النفس إلا به، لذا لقبتها أمها ـ إكحيلة ـ عن استحقاق.

فبعد مضيها لبعض الوقت في غرفته تنهض لتضع لمساتها على جميع مقتنيات الدار ولوازمه، لم تدع صحناً أو قطعة ملابس إلا وغسلتها وتحديداً ملابس أمه.. التي أحبتها بصدق.. والحق، إنها كانت كحمامة بيضاء هادئة ووديعة.. كغزال بري في لفتاته. كثيراً ما أضافت إلى المنزل هالة رائعة بتشكيلات ملابسها وتسريحات شعرها. كان الشريط الأسود بعرض اصبعين يطوق جيدها ويضفي عليها الكثير.. كانت واثقة الخطى في المنزل.. وواثقة منه تماماً، فعما قريب ستأتي رسمياً إلى الدار، وبذا تلقم الأفواه الممطوطة الشفاه هزءاً بحجر.. فأمها حين امتثلت لإرادتها، قالت ذات صباح:ـ إنها كفيلة بإسكات أشقائها.

اِقرأ المزيد...

السر الذي أخفاه الفقيه - إبراهيم الحجري

انفاسوسط شجيرات التين الوارفة ـ المتهللة بإشراق خضرة مبكرة عند مقتبل صيف، لتبدأ فاكهة التين تنضج رويداً رويداً ـ  ينتصب الكُتّاب ببياضه الناصع وعلَمه الأبيض المهمل كضريح قديم، ومن شق بابه الواسع تنبعث رائحة (السمق). كل صباح يقصده اثنا عشر طالباً ـ تختلف أعمارهم ـ حثيثي المشية، وفور وصولهم يقبلون رأس الفقيه بهدوء وكأنهم يتلذذون نسائم شعره، ثم يعزلون ألواحهم المركونة في الزاوية الخلفية.. وأخيراً يصطفون جلوساً على الأرض لا يفصلهم عنها سوى حصير بال قد قضمته الأرضة. وبعدها ينتظرون الإشارة من فقيههم:

ـ إيـوا تـقـرا..

فتتناسل أصواتهم لتغالب الريح وتصل أقصى ربوة في القبيلة، ولم تكن زوابع الضجيج لتقلق الفقيه، بل كانت تشعره بالزهو حتى لا يتهمه أعيان القبيلة بالكسل، ومع ذلك كان (المختار) يميز أخطاءهم وينبههم واحداً واحداً دون أن يحول نظره عن موضع الإبرة التي يخيط بها جلباب الصوف.. هذا الشاب الأنيق الذي أتاهم من قبائل دكالة، شغفهم حباً منذ البداية، فشكله محبب لديهم ولا يعنفهم كالفقيه السابق (الغياث) الذي ضُبط متلبساً في علاقة غير شرعية مع أرملة.. كما كان يصنع طلاسم الجلب للنساء، فلحقه غضب القبيلة وطرد ملعوناً من رحمتها. السيد المختار ليس كباقي من توالى على هذا الكُتاب من فقهاء، فهو يتقرب من (المحضرة) ويوزع عليهم الحلوى وكؤوس الشاي وأرغفة (المسمن)، يوزع على تلاميذه كل ما تحمله إليه نساء القبيلة. وكان كلما قدم تلميذ جديد يخربش على راحة يده اليمنى بضعة كلمات ثم يأمره ببلعها، فما أن يفعل ذلك حتى يحفظ كل يوم لوحة ويمحوها. نال المختار مكانة كبيرة في قلوب الجميع، وسحر ألباب بنات القبيلة بوسامته وعذوبة صوته الذي يتسلل كل فجر إلى الربى وهو يتغنى بآيات الرحمن. وكانت السعدية أقرب فتاة إلى الكُتاب؛ كل صباح تعد فطوراً شهياً، تضعه في قفة مصنوعة من شجر الدوم ثم تقصد الكُتاب، تدخل دون أن تستأذن، تضع الزاد، وقبل أن تغادر تختلس نظرات بريئة إلى وجه المختار وهو منهمك بمداعبة الإبرة. وظل غرامها به يكبر دون أن يسمح لها كبرياؤها بالبوح له على الرغم من أنها كانت تجده لوحده أحياناً في غياب (المحضرة). كتمت سرها في جسدها وفضلت احتراق أشواقها، مكتفية بالنظر إليه عن بعد وهو يغادر الكُتاب، أو الاستمتاع بصوته وهو يغرد كالشحرور.. ودفعها اهتمامها إلى الإكثار من أسئلتها لأخيها التلميذ عن كيفية تعامله معهم وسلوكياته، فزادها ذلك تعلقاً به. وعند تسامرها مع بنات القرية في أغانيهن الليلية ويتجاذبن أطراف الحديث عن ساحر عقولهن، تغيّر السعدية الموضوع خيفة افتضاح سرها، أو غيرة على عشقها، مما يجعلها تغادر قبل متم السهرة.

اِقرأ المزيد...

رائحة الوردة اللامرئية - أحمد سعداوي

كان كل شيء يتدهور ويتفتت ويتقلص تدريجياً، تراقبه الأعين ببرود ولا مبالاة، لاعتيادها عليه، لكن من يراقب جيداً سوق مريدي، يستطيع أن يخرجه من هذه القاعدة، فمع الشروع بالتدهور والتفتت والتقلص، كأن هذا السوق يتنامى ويتماسك ويتمدد، المساحة الأصلية للسوق اصبح يشغلها بائعون ومتبضعون يزدادون يوماً بعد آخر، إضافة إلى مساحات جديدة يحتلها هذا السوق يومياً، بحيث يغدو من الصعب تحديد نقطة بداية او نهاية له، وكل بائع مهما ابتعد بمسافة عن السوق فهو مراديّ الهوى، وعينه تراقب دائماً المسافة التي بينه والسوق، وكيف يظهر فيها نهار كل يوم جنبر جديد، حتى تتزاحم في النهاية فوق مساحات صغيرة متجاورة.


أحياء كاملة ابتلعها هذا السوق، وضمها إليه، فمن جنبر أو اثنين يتمركزان في بداية الفرع، وعيون أصحابها على القبلة المرادية، يمكن التنبؤ بأن بيتاً مجاوراً سيحوّل غرفه أو واحدة منها ـ تلك التي تطلّ على الشارع ـ إلى محل لبيع الملابس المستعملة، أو لتصليح أخشاب غرف النوم.. ثم تسري العدوى في البيوت المجاورة، ليفقد كل راكز راية لنهاية السوق شرعيته فيسلم الراية للذي وراءه، وهذا يسلمها بدوره بعد فترة للذي خلفه.. وهكذا.

اِقرأ المزيد...

قربـان المـدن السعيـدة - طاهر عبد مسلم

من أنت أيها الصاحب الفريد.. يا مدى المجهول وشقيق المغامرة؟.. أيها البحر طالعاً من دفـاتر المهاجرين، مـن أنت مـن أنت..؟.. حامت الأسئلة تترى في الليل البحري الطويل.. والرجل النحيل الصامت يواكب موجاً يتلاطم والفنار الوحيد يلوح واهناً بعيداً يتدفق الليل الخريفي ثقيلاً هامدا ًوالرجل يتوسد حقيبته صغيرة وبقـايا دراهم عليه أن يسـددها لمن سيحمله في زورق الليـل مهـاجرا إلى المجهول.. صفقة يعرف أبعادها جيداً وفحواها انه لـن يعود.. لـن يعود.. فالبحر وخباياه تحمل نذر اللا عودة.. وكل أولئك العابرين سيحملون تابـوت الوقت معهم.. إذ قد يداهمهم حـرس السواحل فيتهاوى زورق الغرباء إلى القاع.


يا نذير الراحلين، يا أصدقاء الوهج القديم من هؤلاء.. ومن أولئك.. ماذا بقي منهم، قلبوا مشاهد الرحيل الطويل عبر البوابات والعسس والغرباء، قلبوا أوراقه وتفرسوا في ملامحه وسألوه مرارا لأنه كان قد ألغى قصائد الترحال، واجل جنون المغامرة إذ سقته السلطات علماً جعله يواكب ولا يمضي ويكتم ولا يركب موجة التعبير عن مكنونات روحه.. روحه الوحيدة الأسيـرة، التـي تمردت على ثـلة المعاصرين الـذين حاؤه بأمـواج الحداثة وتفرقوا فجـأة بلا مـلاذ.

اِقرأ المزيد...

مذكرات قاعــــــــة - عبدالباقي يوسف

انفاس  منذ عدة أيام لاحظ بعض رواد القاعة بأن عدد الحضور يتناقص حتى تحول إلى أقل من النصف. قال البعض بأن السبب هو رداءة المواضيع التي تقدم للجمهورالذي ضجر من حالـة اللاجديد. ورأى البعض بأن فصـل الصيف الشديد الحرارة هو السبب.ونظر البعض الآخر بأن حالة الفقـر التي أتت على البلاد هي التي جعلت الأهالي لا يفكرون إلا بتأمين لقمة العيش. لأن حضور الأنشطة الثقافية يعد من الثانويات ومن الأمور الترفيهية التي يقضي بها المرء وقت فراغه في متعة ثقافية. بعد انتهاء النشاط الثقافي الأخير الذي حضره فقط تسعة أشخاص سار السيد عارف مع صديقين له نحو قلب المدينة وقال: كل الكلام الذي قيل كان فارغا.


من السخافة أن نعيد السبب إلى رداءة المواضيع لأن الجمهور لا يعلم مسبقا ما سيسمع. وحتى الكاتب الرديء يظهر أحيانا بكتابات جيدة وجريئة وهو في أحضان رداءته. وأما المضحك أن نعيد السبب إلى الصيف لأن كل سنة فيها صيف. وقاعتنا مكيفة ومغرية للجلوس فيها ساعات طويلة. وما هو مثار السخرية أن نعيد السبب إلى الفقر. فالقاعة لا تقبض من أحد اشتراكا ولا رسما للدخول. وأي شخص في العالم يجد ساعة واحدة في المساء يمضيها لمتعته الشخصية.

اِقرأ المزيد...

عـند جـذر الـوردة - عـادل كامـل

انفاسكلانا وحيد: أنتِ ترقدين بعيداً عن الضوضاء، فيما المطرقات تحطم أغصان ذاكرتي، أنت ترقدين تحت التراب وأنا أرقد تحت جبل من الحروب. ليس لديك ما يحلم به أحد، وأنا من حولي العواصف التي تهز أبواب قلبي. أمنياتك تكاملت وأنا لا أحد يدعني لأتمنى. فلم لا نتبادل الأدوار، أيتها الغائبة، بعض الوقت، ونجرب، ان الذي لا يحلم، هو أكثر فأكثر مسرة فريدة. أنتِ تنظرين لي، فيما أنا أعمى. أنتِ تتحركين داخل مملكة السكون، وأنا ساكن في كون يعج بالصخب ودقات الساعات التالفات. أنت لا تكبرين.. وأنا، في كل دقة ريح على الشبابيك، أرتفع نحو الهاوية. أنتِ لا ترتكبين الأخطاء، أبداً، بينما أنا على العكس منك، لا أعرف من يلوث الآخر، الهواء أم أنا. أنت لا حروب وأنا بلا سلام. فلماذا، للحظات، لا نتبادل الأدوار. أنت غاضبة على شيء، وأنا الأشياء كلها غاضبة علي. أنت لا تبحثين عن مأوى، وأنا طردوني من كوخي.

فمن منا أجدر بالرثاء، يا من كنت، قبل قليل، تقاسميني رغيف الريح، وعواء الجدران وخرائب المدن.؟

اِقرأ المزيد...

اليوم الآخـر - أسامة عطية حسن

انفاسلمعان باهت ولّده امتزاج الملح والرمل مع العرق المنداح حول العنق، مسح جبينه بكم القميص المخطط، ووجد نفسه خارج الحفرة بعد أن سمع: اعطني يدك يا صبّار، لقد تعبت. ومرة بعد أخرى، كانوا يتناوبون السقوط في الحفرة بعد السحب، وأصوات المعاول تغزو الرأس وهي تحتك بالأحجار، الأحجار المنتصبة في الأرض على شكل علامات دالّه، أسند رأسه عليها، فأبصر القادمون على شكل خيط ملتو، ملتو لأنه يشبه مكحول، مكحول الممتد أمامه مثل مسبحة، رأسها في الشمال، أطلال قلعة لأسلاف مضوا، ويحضن جسدها لفيف قرى ـ متناثرة ـ لا يفصلها عنه سوى دجلة وجذوع أشجار فضيّة. صعّد من وتيرة زفيره في محاولة لطرد التعب إلى الخارج، فامتزجت أمامه مجموعة من الصور: القادمون على شكل خيط، خيط الحذاء المعقود على شكل فراشة، الفراشة التي طارت عندما أزاح الأشواك عن باب الخندق منذ عام تقريباً. أقول(تقريباً) لوجود مثل هذه الأعوام دائماً!!.


الخندق الملتوي إلى اليمين ثم إلى اليسار، ثم سواد، سواد في وضح النهار رحلة في وجه زنجي أو شعر سعاد!! فتمنى لو أنه بومة!. العيون تتسع لطرد الخوف، الخوف القادم من المفاجئة، المفاجئة التي تتوقعها لدى دخولك لجحر لم يتشرف يوماً بالوقوف في حضرة الشمس منذ اكثر من عقدين من السنين، قصيرة مثل حلم وطويلة مثل كابوس. عفونة، رائحة براز، صوف مهضوم، والقلب ينقر أعلى الصدر فأحس (بالهضيمة). تتصلب اليد بشكل مخيف للدفاع عن النفس ضد أي ظفر أو ناب. فكّر، ملابسي سميكة لا يمكن تمزيقها بسهولة قبل وصول خليل، ثم إن حذائي قوي، وإذا تعقدت الأمور سأستخدم أسناني، فسمع الصرير، صرير أسنانه لا صرير الباب لأنه ليس ثمة باب بالمعنى الفيزياوي إنما هي فتحة في الأرض، جحر أرنب.

اِقرأ المزيد...

قــلــق - محمد بيدر تجرة

انفاستكلمَت هي كثيراً بصوت مبهم، أرسلَت نظرها بمستوى ذراعها الممدودة وهي تؤشر بسبابتها إلى منحدر التل.كان يقف كمحنط يغلفه الصمت. استدارت ودفعت رأسها نحوه مطلقة تنهيدة من أنفها وشفتيها مزمومة.. ثم انزلقت مع السفح في المنحدر الضيق، هناك، حيث أطلت ورود من شقائق النعمان المختبئة في ملاذ الصخور.
عادت، بعدها، مجهَدة وأمسكت بعضديه وذراعيه مسبلة، هزته بانفعال:
ـ تكلم لمرة واحدة.. واحدة فقط أرجوك.
كانت نظراته مسددة نحو النهر القريب بشكله الملتوي ووسطه الممتد والمجعد بالأمواج تلتمع عليه أصداف الشمس، ثم تنفس بعمق وهز رأسه بهدوء.. تكلم:

ـ نعم سأبوح لك يا رؤى..

اِقرأ المزيد...

ذئـاب - حميد المختار

انفاسأشهر ما في هذه المدينة هي حديقة الحيوانات والسيرك الذي عسكر بجانبها ليشكلا ثنائياً قل نظيره في مخيلة الناس، والشيء الملفت للنظر في هذا الأمر هو كثرة الذئاب وتناوب تداولها وتحولها بين السيرك والحديقة، فينما شكلت فصيلة الذئاب البرية السمة الغالبة في حديقة الحيوانات تفنن إداريو السيرك في تقديم ذئاب بأنسال متطورة نتيجة حدوث طفرات وراثية في سلالاتها المتأخرة، فدخلت الذئاب مرحلة الرياضات الخطرة وتفوقت على جميع أصناف الحيوانات الأخرى كالقردة والدببة والكلاب والجياد والبطاريق والدلافين، فصارت تمشي على الحبال وتغوص في الماء وتتهجى الحروف وتداعب الأطفال وتدخن السيجار وتأكل المرطبات وترقص على العجلات وتقود العربات.. بل وتلقي النكات أحياناً وتغني أحياناً أخرى، فهي ذئاب متطورة قلّمت الحضارة مخالبها وأنيابها، ذئاب مرحة، ذئاب مسامرة مسالمة، ذئاب حكيمة وحريصة على راحة المتفرجين، ذئاب حالمة وشاعرة

اِقرأ المزيد...

سِـر الحِـمـار - منير عتيبة

انفاسفهم عمى محروس الإشارة فاستدعاني إلى حجرته.. "هل لاحظت؟". "نعم.. لكنني لم أفهم..". كنت أسير مع أبي وعمي محروس وبعض أفراد العائلة في الشارع الرئيسي للقرية.. انكسرت ظلالنا على حائط مقهى عبد الودود.. كانت كل الظلال واضحة ما عدا ظل عمى محروس.. يبدو وكأنه سيتلاشى..
قال: إنها إشارة ذهابي..
امسكني من يدي.. وخرج معي إلى الحقل.. ركب حماره العجوز وركبت خلفه.. الحمار ضامر.. رمادي اللون.. في عينيه ذكاء ما.. ولديه قدرة على الجري مثل حمار شاب.. لم يفكر عمى محروس ببيعه أو استبداله.. يرعاه كأحد أفراد العائلة.. كابنه..
جلسنا تحت شجرة الجميز العتيقة.. والحمار يتحرك بالقرب منا.. لاحظت دموعاً معلقة في عيني الحمار الذي كان ينظر إلى عمى محروس طويلا.. ثم يدير رأسه بعيداً.. ثم يعاود النظر إليه..


نظر عمى محروس إلى الحمار وابتسم قائلا: أتعرف كيف حصلت عليه؟.

اِقرأ المزيد...

ألاعيب الخراب - ربـيـعـة ريــحـان

انفاسابتسم وتمدد بثوبك المزرق الحائل،  متأملاً تخاريم الجير في السقف العتيق..  لا  خيار أمامك بعد السؤال اللحوح،  سوى هذه التكشيرة المستسلمة،  والنظرة الراكدة،  وقطرات من عرق،  تنعقد فوق جبهتك الغامقة.
ارفس الغطاء المتفسخ، وأشتم أولاد الـ.. هؤلاء بكل مالديك من نعوت، تعرف وحدك ببساطة، كيف تجيدها، كأنما هي من وضعك، ألم تحفظ لك أيام المجد محاصيل التحليق في إرث من العز والأمان؟!
اسعل ماشئت بمرارة، وانفث خشونة ريح غائرة، من صر تنبت بين شعبه المتوغلة، عفرة تبغ رخيص، وأجهد محنياً رأسك، أن تشهق بوجه محتقن، في جموح خاطف، فما أتعب غائلة هذا السعال الأجش المبحوح! اجمد بعدها،فقد يغلبك النوم العصي،وتتجسد لك الأحلام المستحيلة،بعد ساعات الضيق الجلفاء،فما أحوجك إلى انعطافة ترضي جوارحك،بانطلاقات غير مشهودة،من أيام مستحضرة..من ماضٍ ساحر بعيد.
أنت..ألم تهف النعمة عليك بانصباب،من نبع غني لاينضب؟ ألم تغمرك الأيام بالرضا،على تقلباتها..لكنك،دعني أقولها،كنت غير غافل،عديم الثبات وطول الباع!


من يخلد لجنون لعبة،مسارها،تلك المصادرة الذاتية،والحرق اللاهب لإرث لايحصى،وتعلق أبله بحلقات متعطشين لكل أنماط الاحتفال في حياة ليليلة شبيهة بالأحلام؟!

أَقُلْتَ الحرق؟.. ذلك ماكنت تفرقعه بالحكي حتى جذر الدهشة،وأنت تدّعي أن ترسانة من النقد،استعملتها لغلي ماء الشاي،دون حساب للتكلفة! من أين لك بكل هذه الأشكال المشوشة،المستقرة على وتيرة واحدة،من الاستهلاك المشدود إلى مآلات من ا لخراب؟! المانحة لإحساس رث من المتعة؟!

اِقرأ المزيد...

صـانع الأحلام - إدريس الصغير

انفاساستمع المواطن إلى نشرة الأخبار الزوالية، على شاشة التلفزة الملونة، التي بها خلل مدة تزيد عن الشهر. لم يستطع لحد الآن إصلاحه، فمرة تظهر الصورة واضحة بدون صوت، ومرة أخرى يجلجل الصوت وحده في فضاء الغرفة دون صورة وثالثة يغيبان معا، فيضطر إلى الربت على هيكل الجهاز، ثم الخبط بانفعال، فيستجيب حينا ويعصى أحيانا.    تحدثت المذيعة الجميلة عن كوارث طبيعية, تقع في كل بقاع العالم، ووصفت حالة أناس تجرف أجسامهم وأثاثهم وبهائمهم سيول المياه الرصاصية الهائجة وآخرين يفرون من ألسنة النيران الراقصة  في الهواء وثلة أخرى وقد تداعت أجسادها منهكة، تجاهد لفتح أفواهها طلبا لما تسد به الرمق،ثم ظهرت صور لذبابات ورجال مسلحين يطاردون رجالا ونساء وأطفالا، يطير بهم الخوف طيرانا، تلت ذالك أخبار عن رؤساء ووزراء، يحيون بعض الواقفين، وهم يبتسمون ثم ينبرون لإلقاء خطبهم، وسط عواصف التصفيق، ووميض آلات التصوير.


ثم رأى المواطن لقطات للاعبين يسجلون أهدافا في المرمى، ثم يتقافزون كالقردة ملوحين بأيديهم نحو الجماهير الهائجة. ولقطات عن  امرأة مسنة ما زالت تحتفظ بجمالها وأناقتها، تمتلك قصورا ومعامل وضيعات وأرصدة في أبناك متعددة، إلا أنها تشعر بالوحدة، لأنها لم تجد رجلا وفيا يحبها لذاتها لا لمالها، لهذا أصبحت تفكر في الانتحار.

اِقرأ المزيد...

جوع بـــــــــــــارد - وفاء مالح

انفاس  جالت عيناه في زوايا الشارع. كان الطقس دافئا مستكينا. يبحث عنها بين صفوف القادمين, لم يتبين وجهها من بين الوجوه القادمة, نظر إلى الساعة في معصمه:
- هذا هو وقتها.
انتظر قليلا ربما تمر أمام دكانه كما هي عادتها كل صباح, تلقي التحية عليه ملتفة في جلبابها ذي الثوب المهترئ ورأسها المشدود بمنديل كحلي لا يترك لخملات شعرها حرية التنفس. دلته قريحته بعد طول انتظار إلى كتابة رسالة, بعث بصبية وضع في يدها ورقة صغيرة مكتوب عليها,أنتظرك بشوق, لفها وناولها للطفلة  قائلا لها:
- خذي هذه الورقة وسلميها لجارتنا أمينة, لا تسلميها لأحد غيرهاضغط على يد الصبية وعيناه تكاد تخرج من محجريهما, يؤكد على أن لا تسلم الورقة إلا لأمينة وإلا عاقبها.
منح لنفسه مهلة ينتظر الرد, أشغل نفسه في التحدث مع الزبائن كلما وجد في زبون منهم استعدادا للحديث, انهمك


في جدله وثرثرته الفضفاضة الفارغة, لحظات بزغت الطفلة أمامه وفي يدها ورقة هشة ملفوفة سلمتها له ثم قالت:

- هذي من عند أمينة !

اِقرأ المزيد...

حظــر التجول - حــادة قــادر

انفاسكان أخ حفيظة السكير قد منعني يوما من رؤيتها بحجة أنه التقاني على بعد ستين كيلومترا من منزلي في بلدة أغبالة. السفر خروج من الستر وأفق المرأة الوقور حذاؤها. لم تكن هذه الإشادة بمخيلة الإسكافي لتروقني ولا لتروق صديقة الطفولة. كنا نحب المرور أمام المقاهي التي تتحاشاها النساء استفزازا للذكورة المصطنعة. مرة فعلناها تحت المطر بلا مظلات. كنا نمشي الهوينى أمام مقهى عيطون ونتحدث بأصوات عالية منفرة.
طلبنا من الج  أن يأتينا ببغل من قرية إيمهيواش، ركبناه وأوجهنا إلى الخلف. أوصلنا الرجل الطيب للثانوية على هذا الحال ثم أخذ منا بعض الطفولة والبهيمة وعاد من حيث أتى وعيناه تلمعان من الضحك.

مرة أخرى استلفنا لباسا عسكريا ومررنا ورؤوسنا مرفوعة صوب قمم أشجار الجوز الفارهة. كان ذلك في نفس المكان الذي صفعت فيه نفيعة بعد أعوام رجل سلطة عنّف دون سبب ظاهر صديقا نحيفا مريضا بالسكري. واستعدت يومها للسجن كما تستعد النسوة للزواج.


نفيعة هذه كانت مثل الصلاة لا يستغنى عنها في أوقات الضعف وكانت تأتي جريا كلما مسّك سوء وتحملك لبيت والديها قائلة: أنت في بيتك ومن لم يعجبه الحال يخرج هو و لو كان أبي.

ويأتي الأب أحيانا ليطفىء النور ببساطة ونحن لم ننم بعد و يقول: إيوا السيبة هذى، الضو ماشي فابور ولا ماشي نتوما لي كتخلصوه.

اِقرأ المزيد...