السبت 16 كانون1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية قصة قصيرة انبعاث ـ قصة : عبد الرحيم اجليلي

قصة قصيرة

انبعاث ـ قصة : عبد الرحيم اجليلي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

Anfasse06104
تدور في رأسه أفكار عن عذاب القبر و حياة البرزخ. يسمع أصواتا غير واضحة تأتي من غيابات المجهول، كأنها قادمة من أعماق بئر مطمورة، لعلها أصوات منكر و نكير أو شياطين القبور. يحاول جاهدا رفع جفونه الملتصقة بالحدقات المنتفخة و المتورمة، ألم فظيع في الركبة، خدر شديد من الكتف إلى رؤوس الأصابع، ظلام و رائحة أتربة خانقة. آخر عهده بالدنيا، هدير يصم الآذان، أرض تهتز و بيوت تتهاوى. كان لا يزال في مسجد القصبة السلطانية يصلي الوتر عندما سمع صراخ الناس و عويلهم، لا يعرف كيف أمكنه الوصول إلى بيته في أهوال يوم القيامة تلك. سقف المنزل تداعى و صوت الوالدة التي اعتادت أن تترنم بعد صلاة العشاء بأورادها الصوفية، لم يعد هنالك. أركان الدار تخر تحت هول الزلزلة العظيمة. دوي و أدخنة، ثم ساد الصمت و انطفأ الكون.

 عندما مر أمام عينه المثقلة، خيط الضوء المشبع بلون الرماد، بدت بضع أياد بشرية تحفر فوق رأسه، و تحدث كوة تتسع رويدا رويدا. يتحدثون بأسف عن الفتى الخلوق الذي كان يعيش مع والدته، و عن عرسه الذي كان سيقام بعد أيام قلائل. سمع كلامهم و راوده شك فيما يرى و يسمع، هؤلاء ينبشون قبره أم ينتشلونه من تحت الركام. كبَر بعض الرجال و هلل آخرون: لدينا رجل هنا ما يزال على قيد الحياة. علم يقينا و هم يحملونه على نعش الموتى، أن أجزاء من شمال جسده بقيت مدفونة في حطام بيته. وضعوه مع الجرحى تحت سور باب المنصور. قاوم ألم عينيه و هو يتطلع لأرجاء المدينة، و يعجب لشموخ هذا البناء وسط الخراب. أمام الباب العظيم، رصت أكوام الموتى و وقف رجل يحصيها و يدون الأرقام في صحيفة بين يديه، وصل إلى الألف الثامنة، و الأمر لم ينته بعد.
جلس رجل عند رأسه و بدأ يمسح  على وجهه بلطف، و يزيل ما علق من تراب عن شعره و جبينه، خاطبه بصوت مكلوم: حلت بنا الفتن و الخطوب منذ توفي سلطاننا الأجل. عبث عبيده بخلفائه، يولون و يخلعون. ثلاث زلازل في عام واحد، زلزالين في شهر واحد، إن الله يدمر قريتنا، إنها علامة من الله. بدا جليا من نبرته، أن قوله هذا، مجرد استهلال لكلام آخر. ملأ صدره بالهواء ثم أردف: جاءت خطيبتك تبحث عنك، لم نشأ أن تراك في هذه الحال، لقد قطعوا ذراعك و ساقك المهشمتين، ماتت والدتك، صبرا بني. وقف مغادرا مكانه و الحزن يعتصره و صوته يتهدل مرددا: صبرا بني.
غرس الخناجر في قلبه ثم انصرف، هكذا أحس و هو يعيد ترتيب الجمل و يحاول استيعاب ما جرى.  فبعد أن فقد والدته و بيته و ساقه و ذراعه، لم يتبقى له إلا هي. هل تقبله كسيحا، هل ترضى به عليلا، أتكون قصة الحب الذي جمع بين قلبيهما، مجرد أوهام. اختلاس النظرات الذي برعا فيه، أثناء النزهات مع أسرتيهما، مجرد لعب صبيان. رسائل العشق التي تبادلاها بدسها بين كتب خزانة المسجد الأعظم، كل ذلك هباء و بهتان. أغلق عينيه ليخفف عنه بعض الألم، و رفع رأسه قليلا إلى الوراء كأنه اشتم ريحا يألفه. هذا فستان العرس، لقد صار جاهزا، سيكون أول عرس يقام بمكناسة بعد حزنها الكبير.
 كان صوتها نديا، مسقيا بجلال حب طاهر، انتشله من قبر الضياع و التيه بعد انتشاله من قبر التراب و الجراح. فتح عينيه، فإذا بها تنظر إليه حاملة ثوبا بهيا، مطويا بعناية، مد إليها يده الوحيدة، إبتسمت برضى، و أمسكت بها.

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث