السبت 16 كانون1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية قصة قصيرة نداء ـ قصة : الحسين لحفاوي

قصة قصيرة

نداء ـ قصة : الحسين لحفاوي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse30092
"موحشة هذه المدينة بدونك".
هذا ما كتبته له في آخر رسائلها الإلكترونية، حين رن هاتفه الجوال كان يلج باب غرفة النزل الذي سيقيم فيه، تعثر في قراءة الرقم، كان رقما جديدا غير مسجل لا في ذاكرته و لا في ذاكرة جواله، حاول الاتصال بهذا الرقم مرة و مرتين و ثلاثا، لكنه في كان في كل مرة يتلقى الإجابة نفسها، صوت أنثوي يخاطبه، بنفس الجفاء و بنفس العذوبة     و بنفس الحياد " الرقم المطلوب غير مبرمج بالشبكة".
ظلت كلمات تلك الرسالة تتردد في ذهنه، لم يقدر على محوها من جواله و لا من ذاكرته، و استمرت محاولات الاِتصال بصاحبها لكن سعيه كان يخيب في كل مرة.

جوّاب آفاق كان، لا يكاد يستقر في مدينة حتى يحزم حقيبته، بل قد لا يُخرج كل أدباشه في بعض المدن، كان في سفر متواصل، هكذا شاءت أقداره أن يمتطي حقيبة سفر، كل مطارات الدنيا عبرها، و حلّق في كل الأجواء، و اِهتز قلبه جزعا من اِرتطامات الطائرات بالاسفلتات عند الهبوط، و شعر مرات كثيرة بالدوار و الخواء عندما كانت الطائرات تقلع لتحمله من وطن إلى وطن. في كل المدائن أنشأ علاقات منها الحميمية  و منها العابرة، فأما الحميمية فظل على تواصل مع أصحابها،و أما العابرة، فقد كان يمحوها من ذاكرته بمجرد  ختم جواز سفره. اِضطرته ظروف عمله للرحيل الدائم، و في كل مدينة كان يغير أرقام هواتفه، درّب نفسه على ذلك، لا يُعلِم معارفه بمواعيد رحيله، كان يكره لحظات الوداع، وحده كان يغادر النزل و يمتطي أول سيارة أجرة و يتجه صوب المطار، عرفته عاملات النزل كما ألفته مضيفات الخطوط الجوية، يفتقده العاملون في المطارات و في باحات الفنادق، أنشأ مع البعض منهم علاقات صداقة، يحمل لهم بعض الهدايا البسيطة ليحسنوا اِستقباله و توديعه، وطّن نفسه على التأقلم مع كل أصناف البشر بسرعة عجيبة.
أي المدائن موحشة بدونه، أهي باريس بروعة عطورها و ببرجها الذي يحدق في صمت لكل العالم، أم لندن بساعتها الضخمة التي تجري عقاربها بلا ملل، أم جوهانسبورغ..أم القاهرة، أم واشنطن...
تمنى لو نابت مكالمة عن الرسالة، لكن ذلك لم يحدث، حاول أن يتجاهل تلك الكلمات كما تعود أن يفعل مع كل الرسائل التي تصله، كان يقرؤها ثم يضحك و يسارع إلى محوها، لا يلتفت إلى الوراء، كان يسير دائما إلى الأمام، تدرب على السير بخطى حثيثة، يسرع كما الأيام كان، روض نفسه على ألا ترضى إلا بما يمليه عليها عقله، سطر حياته بدقة لا يحيد عنها، حافظ على صرامته و حدته، لا مجال عنده للهذيان   و المجاملات، فكانت حياته جافة كصحراء قاحلة و موحشة كيوم خريفي غائم، لكنه كان شديد السعادة بذلك، عاش الحياة بطولها و عرضها. شق عصا الطاعة عن معلمته التي نهرته يوما عندما وجدته يرسم خريطة العالم فوق كراسه، و على كل دولة كتب حرفا من حروف اِسمه، و عندما سألته عن تفسير ذلك أجابها دون أن يرفع إليها بصره " هذا حلمي". ربتت على كتفه، و قالت له وهي تبتسم ساخرة " الأحلام يحققها الرجال". لم يجبها و لم يتكلم بقية الحصة، و عندما رن الجرس و خرجت المدرّسة من القاعة، وضع أدواته فوق مكتبها، و لم يعد إلى المدرسة منذ ذلك اليوم.
غنم من لذائذ الحياة و متعها الكثير، و ارتوى من كؤوسها المعتقة، و اكتوى بلظاها المحرق الذي لا يرحم، و انتهى أخيرا إلى ترك كل ذلك و اختار الانغماس في العمل، فأنساه عمله تعاقب الأيام و السنوات ليستفيق و هو في الخامسة  و الأربعين بلا سكن و بلا زوجة و بلا وطن، رحالة كان من وكر إلى وكر، مساكنه أبهاء المطارات و محطات القطارات، أهله صورة في ذاكرته و أصوات تأتيه عبر الهاتف من حين إلى آخر  بلا مشاعر كان يتلقاها، حسبه أن يعلم أن الجميع بخير ثم يقطع المكالمة، لا يلومه أحد أو  يعاتبه على فعل ذلك.
عشرون عاما أمضاها بين المطارات و المدائن، عشرون عاما من عذابات الرحيل، عشرون عاما مضت من عمر يزحف نحو النهاية، عشرون عاما بأيامها و لياليها ينام وحيدا و يصحو وحيدا و يرحل وحيدا و يتعذب وحيدا و يسعد وحيدا.
و فجاة اهتز صوت الهاتف ليخرجه من وطأة التفكير في الرسالة التي تلقاها منذ ساعة، كانت الساعة تشير إلى التاسعة بتوقيت مدينته الجديدة، لا يعلم توقيت بقية مدن العالم و لا حتى توقيت وطنه، حسبه أن يضبط عقارب ساعته حسب التوقيت الجديد الذي يعرفه من الساعت الإلكترونية المعلقة في بهو المطار...جاءه صوتها عذبا لذيذا، كقطرات ندى في فجر صيفي قائض، تردد الصوت في أرجائه، لم يرغب في قطع المكالمة كما تعوّد، مألوف صوتها، معتق، معذَّب، لم يدر من أي مكان من العالم يصله ، أمن وطنه، أم من إحدى المدن التي عبرها، أم من عاملة مكتب الاستقبال في النزل بعد أن اطلعت على رقم جواله من الاضبارة التي أمضاها؟.. أربكه الصوت و طوح به فكره بعيدا، فسح مجالا واسعا للحديث عله يلتقط منه إشارة إلى من تكون صاحبة الصوت، استبدت به الحيرة، خاب ظنه عندما ظل عاجزا عن معرفة من تهاتفه...انقطع الصوت و تحول الكلام إلى سكون ثم سمعها تبكي في صمت، لم تقل كلاما كثيرا لكنها بصمتها عذبته، تردد رنين متواصل سرعان ما تحول إلى ما يشبه الحشرجة...آلو، آلو، آلو، و مثلما وصل صوتها فجأة انقطع فجأة، فظل يحدق في شاشة الهاتف واضعا كفيه على راحتيه... هكذا تضعنا الحياة أحيانا بلا سابق إعلام أمام حيرة تحاصرنا و ألغاز لا نقدر على فك طلاسمها، فتربكنا.
فكر في إغلاق هاتفه، لكنه لم يفعل، تذكر أن مواعيده في العمل محددة بدقة، و لا يقدر على فك ارتباطه بمن له معهم مواعيد مهنية و أنهم قد يتصلون به في أي لحظة.
اشتجرت أمامه الذكريات، و أمضى ليلته متقلبا على جنبيه، هابه النوم فجفاه، صوتها العذب يؤرقه، تناثر بين خده و الوسادة، و راح يتخلل في شعر رأسه، و يمسد جبينه، و يفرك كفيه. هزه صوت نجاة الصغيرة الصادح من إحدى المحطات الإذاعية " إنت تقول و تمشي و أنا أسهر ما أنامشي"، فابتسم لهذا التناغم العجيب بين حالته و بين الأغنية و راح يدندن مع الفنانة حتى أسلمه اللحن للنوم.
أثناء نومه رأى أهله مجتمعين في مكان لا يعرفه، أهله جميعا، والده و أخوته و أعمامه و أخواله،       و زوجاتهم و أبناءهم، لم ير والدته، تأمل كل الوجوه يسألها لكنه لم يظفر بجواب، و حين دنا من والده    و سأله عنها، همس له  "ذهبت تبحث عنك بين المدن ". أفاق مذعورا، كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة صباحا بقليل، سحب صورة والدته من محفظته و راح يغمرها بالقبلات، و يشم عبق الأمومة منها،        و قربها من وجهه ثم أبعدها، فخيل إليه أنها تبتسم له، و أنها تنطق لتقول له " موحشة هذه المدينة بدونك".
اتجه نحو المطار حاملا صوتها و عطرها و ذكرياتها تاركا وراءه الغرفة بظلامها و النزل نأناقته       و المدينة بصخبها.
و في مساء ذلك اليوم ألقى طفولته في حضن أمه و أغمض عينيه و نام و هي تفرك شعره بأناملها كما كانت تفعل في الماضي.

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث