الأحد 19 تشرين2

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية قصة قصيرة الحفلة لم تنته بعد ـ قصة: عادل اعياشي

قصة قصيرة

الحفلة لم تنته بعد ـ قصة: عادل اعياشي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse10091
تعالت أصوات السيارات الفاخرة وهي تأخذ لها مكانا بالقرب من فيلا أحد أكبر رجال الأعمال في الشرق الأوسط، وتشابكت أضواؤها الحريرية حتى حجبت ضوء القمر الساطع، كل شخص يحاول استعراض سيارته الجديدة "آخر موديل" حتى يبدو مميزا في سهرة اليوم، سهرة سمر طويل تمتد حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، تضم خيرة رجال الأعمال في المنطقة، فلا مكان لصغار التجار بين هذه الجموع أو أصحاب رؤوس الأموال المحدودة، أقل واحد هنا يملك في رصيده الملايير وبمقدوره أن يقتني الفيلا وكل السيارات التي حولها بإشارة واحدة من أصبعه، يبدو أن كل شيء مهيأ ومرتب لاستقبال الضيوف وخدمتهم وتلبية طلباتهم رغم أن الأثرياء في مثل هذه المواقف تقل طلباتهم وينشغل بعضهم ببعض.

 طاقم استقبال بأبهى حلة يقدم الحليب والتمر للوافدين، وطاقم آخر أنيق البذلة يوزع مشروبات من كل لون ونوع، منظم الحفلة وصاحب الفيلا الساحرة السيد أحمد هادي البدري وزير سابق وصاحب شركات استيراد وتصدير هي الأضخم من نوعها في الشرق الأوسط، اعتاد هو وأصدقاؤه تنظيم مثل هذه الحفلات بشكل دوري، يسمونها بجلسات عمل، رغم أنهم غالبا ما يتحدثون فيما بينهم وقوفا، جاء دور السيد هادي هذه المرة وعليه أن يقدم أفضل ما لديه بشكل يليق بمكانته واسمه، توزع الخدام في كل ناحية بأزياء مختلفة تحس وكأنهم فرق خاصة كل فرقة أُنيطت بها مهمة محددة لا تتخطاها، نظام دقيق كالساعة يسير عليه كل شيء، انخرط السيد هادي في نقاشات ساخنة كعادته وهو يرتشف كأس ويسكي عالي الجودة مرصعا بمجوهرات براقة، يبدو أنه الكأس الخاص الذي اعتاد الشرب فيه، يلتف حوله جمعٌ من كبار ساسة المال والأعمال يشرح لهم بإسهاب عن مشروعه الجديد قيد الدراسة بكل ثقة في النفس ويقين من نجاحه، يرد عليه زملاؤه بتحريك رؤوسهم عموديا اهتماما بما يقول، وإنصاتا لكل كلمة تخرج من فمه، دعا الجميع إلى مائدة طويلة عريضة اصطف فوقها كل ما لذ وطاب من طعام وشراب مختلفا ألوانه، يفتح شهية كل من يراه حتى وإن كان منتهيا للتو من أكل لذيذ، اقترب الحضور إلى المائدة دون اكتراث لما تحتويه، فأغلبهم يعاني أمراض العصر فيفضل تناول قهوة سوداء بدون سكر والانصراف إلى استكمال الحديث عن مشاريعهم وإنجازاتهم وما إلى ذلك، أما فرق الخدم المنتشرة حول المائدة بانتظام، فأعينهم تكاد تخرج من مكانها وهم يحدقون إليها ويتمنون في قرارة أنفسهم لو أتيحت لهم فرصة التقاط شيء مما تشتهيه أفواههم، لكن البرتوكول يحرم اقترابهم من المائدة تحريما قاطعا لا نقاش فيه، فعقاب مرير ينتظرهم إن هم هموا بلمسها.
تتعالى الضحكات والقهقهات مع موسيقى كلاسيكية هادئة، تلطف الأجواء وتفتح شهية السهر، كانت النقاشات غالبا ما تدور حول أرباح الصفقات الأخيرة والمشاريع المستقبلية المزمع الشروع فيها، ثم تأتي السياسة بعد ذلك كتحصيل حاصل لما يمكن أن تتمخض عنه الاتفاقيات المبرمة على أرض الواقع، فكل شخص هنا بقدر ما يملك من ثروات فهو حريص كل الحرص على تفادي الخسارة ولو كانت يسيرة جدا، لذا تجده قلقا من أية مستجدات سياسية أو اقتصادية سواء على الساحة المحلية أو الدولية خوفا على خزائنه أن تتأثر، أو مشاريعه أن تتعثر، فمثل هؤلاء لا يحبون الخسارة ولا يطمحون إلا إلى مزيد من الثراء، ثراء بلا حدود.
تسارعت حركة الخدم وهم يقطعون شرفة الاستقبال الفسيحة طولا وعرضا بمشية رسمية تنهكهم، لم يظفروا بقسط من الراحة كالعادة منذ ساعات الصباح الباكر، وبدت عليهم آثار التعب واضحة وهم يحاولون إظهار بعض الهمة، وبسمة مصطنعة يطلقون عنانها من حين لآخر في وجه الضيوف الذين مازالوا يتوافدون على الفيلا بغزارة.
وبينما الجميع منشغل في صخب الحديث وضوضاء الحركة، سُمع صوت أشبه بانفجار خفيف من جهة المطبخ الرئيسي، فاستدار الجميع نحوه وكلأنهم كانوا على أهبة الانتظار، وسرعان ما عادوا إلى طبيعتهم بعد أن طمأنهم السيد هادي بأن الأمر يتعلق فقط بتماس كهربائي بسيط وقد تم إصلاحه، فانكشف الهدوء المخيم بعد الصدمة، وعاد الجميع إلى الشرب والكلام. أشار السيد هادي إلى رئيس الخدم بيده للتوجه نحو المطبخ فورا وتقصي الأمر، فانطلق كالسهم كما أُمر، بينما عاد هو إلى شلته المفضلة بعد أن ملأ كأسه عن آخره وعلامات عدم الارتياح ما تزال تغطي محياه، محاولا خلق جو من المرح والدعابة لتعود الأمور كما بدأت غارقة في جو من البهجة وكأن شيئا لم يحدث، وبعد زمن يسير عاد رئيس الخدم إليه بنفس السرعة التي ذهب بها مرتبكا وكأنه يحمل خبرا مهما، دون أن يمتثل للمشية الرسمية، يبدو أن الأمر خطير للغاية، همس بكلام خافت إلى السيد هادي، وقبل أن يبتعد عن أذنه اليسرى منهيا نقل ما جاء به، إذا بكومة نار ملتهبة تخرج من باب المطبخ ونافذته المقابلة لشرفة الاستقبال، مصحوبة بانفجار قوي اهتزت له أرجاء الفيلا، سقطت على إثره كؤوس وصحون من مائدة الطعام، وتكسر الجدار الزجاجي المطل على المسبح الرخامي الأبيض، ومن شدة الانفجار تراجع بعض الحاضرين القريبين من باب المطبخ دون أن يجدوا الوقت الكافي للصراخ أو شيء من هذا القبيل.
سادت حالة من الهلع والفوضى، وتعالت أصوات نسائية رقيقة بالصراخ والبكاء وبكلام يُفهم منه أنهن نادمات على اصطحاب أزواجهن، وانتقلت النيران إلى ستائر ذهبية قريبة فحولتها إلى رماد أسود في لحظات، بدأت دائرة اللهيب تتوسع شيئا فشيئا والرعب يسيطر على الوجوه، بينما انهمك السيد هادي في إبعاد الضيوف ودفع الخدم إلى الأمام مرغما إياهم بفعل أي شيء لوقفها ومنعها من التهام المزيد من الأثاث الفاخر، اتجه بعض الحضور صوب الباب محاولين الهرب والنفاذ بجلدهم، لكن ألسنة النيران كانت أكبر من شجاعتهم فتراجعوا إلى الوراء بخطوات بطيئة فاقدة للأمل وأكفهم تغطي وجوههم من شدة الحسرة والخوف، بينما نجح البعض الآخر من الذين ما زالوا يحافظون على رشاقتهم برمي أنفسهم فيما يشبه انتحارا من أجل البقاء من فتحات الزجاج المكسر رغم خطورة الفعل، فوجدوا أنفسهم خارجا وسرعان ما ركضوا بعيدا عن الجحيم دون أن يلتفت أحد منهم إلى الوراء أو يتذكر أحبته وأصدقاءه المحاصرين في الداخل، يحاول الباقون الابتعاد قدر المستطاع من لهيب النيران، وتكدسوا في ركن آمن قليل الدخان، وهم يصرخون بأعلى صوت طالبين النجدة، ومنهم من يتصل بدورية الانقاذ ولا يكاد يركب جملة مفهومة يفصح بها عن ما يريد، لم يبق سوى عدد من الخدم، يحاولون بكل جهدهم إطفاء ما يمكن إطفاؤه وصيحات السيد هادي توبخهم وتدعوهم إلى المزيد من الحزم والثبات رغم أن عددا منهم قد ظهرت عليه حروق بليغة على وجهه ويديه وهو يحاول مستميتا إبعاد الخطر عن ضيوف الحفل، التهبت النيران أكثر فأكثر وارتفع صوت الاحتراق وكأنه يصفي حساباته مع كل من يقف في وجهه، أخذ سقف الفيلا يتساقط قطعا قطعا تنتشر شراراتها في كل مكان بمجرد اصطدامها بالأرض، سقط أحد الخدم مغشيا عليه من شدة الاختناق وتبعه آخر، بينما السيد هادي يحاول إبعاد كل من يحاول الهرب من الركن الآمن في اتجاه الباب المحاصر فاتحا كلتا يديه، وقد صار قميصه الأبيض الناصع أقرب إلى السواد، وتلطخت يداه ووجهه بالرماد إلا من بياض عينيه وأسنانه، بدأ في الاتصال مجددا بالنجدة، بعد أن فشلت كل محاولاته السابقة، وبعد أن تلقى أخيرا وعدا قاطعا بالحضور حالا إلى العنوان المحدد، قام برمي هاتفه في النار امتعاضا وهو يصرخ في أحد خدمه كونه تراجع بعض الأمتار إلى الخلف بعد أن أحس المسكين بحرارة حارقة تكاد تشوي وجهه، تملّكَهُ خوف شديد من أن يلحق بالسيد فاروق المنبطح على بطنه أذى، فهذا الرجل ينتظر منه الكثير، فهو المسؤول عن مراقبة كل صغيرة وكبيرة في البضائع المصدرة إلى أوربا وأمريكا، واستدار بقوة وهو يبحث عن السيد مصطفى أفندي، هذا الرجل تحديدا عليه أن يبقى حيا يرزق، فقد وعده بقرض مريح على أساسه وقع صفقات العمر مع عدد من كبريات الشركات العالمية، وتذكر زميله أحمد العليلي فزاد توتره، لقد أقرضه مبلغا ماليا ضخما منذ مدة، واقترب ميعاد الاستحقاق، وأي مكروه قد يلحق بهذا الرجل لا قدر الله معناه أن المبلغ ذهب أدراج الرياح، ولن يجد سبيلا لاسترداد أمواله، وبينما هو منشغل بإبعاد شخصيات مرموقة عن دائرة الحريق، والبحث بين الأنقاض على من يستحق الحياة، إذا بجيش من الاطفائيين يقتحم الفيلا من كل جانب، ورئيسهم بزي مختلف يطمئن الحاضرين أن كل شيء سيكون على ما يرام فلا داعي للصراخ والاندفاع، اتجه السيد هادي إلى رئيس رجال المطافئ وأخذ يشير له بيد ممدودة نحو معارفه المعنيين واحدا تلو الآخر، ومعهم أفراد آخرون، يوصيه ويؤكد له ضرورة إنقاذهم أولا وكأنهم مرتبون عنده حسب أهمية كل واحد منهم ترتيبا تنازليا.
اندفع رجال الإطفاء بكل قوة حاملين لتجهيزات ومعدات حديثة، يبدو من شكلها أنها تستخدم لأول مرة، وانهمكوا في إخماد الحريق بتقنية محترفة وهم ينقلون الجرحى ويساعدونهم على النهوض، أنقذوا ما يفوق نصف عدد الحاضرين في مدة وجيزة جدا، ومنعتهم بعد ذلك أعمدة تساقطت كالجمر الحارق من السقف الخشبي المزخرف، لكنهم استماتوا في المحاولة حتى تمكنوا من إزاحتها وفسح الطريق للتقدم نحو الأمام، بينما النساء يصرخن بأعلى صوت ويضربن وجوههن براحة يدهن والرجال مندهشون مصدومون مما يحصل، تمكن رجال الإطفاء أخيرا من إخماد الحريق بشكل كامل، فخرج الجميع إلى حديقة الفيلا المطلة على المسبح، وانبطحوا فوق العشب يتحسسون أجسامهم بحثا عن إصابات أو حروق في ناحية ما، تحولت الفيلا الفاخرة إلى ما يشبه جبلا من أخشاب وأقمشة وركام ينبعث منها دخان كثيف، كان آخر من خرج إلى ساحة الحديقة هو السيد هادي، موجها يده إلى أحد الإطفائيين يأمره بالتأكد من عدم وجود محتجز في الداخل، لكنه تلقى جوابا مطمئنا مفاده أن المكان قد تم مسحه بالكامل ولا وجود لأحد بين الأنقاض.
توزع الضيوف المفزوعون في الحديقة ولباس بعضهم يكاد يكشف عن أجزاء حساسة من جسمهم بعد احتراق ملابسهم الأنيقة بالكامل تقريبا، انتشرت رائحة كريهة، خليط من مركبات محترقة امتزج بعضها ببعض فانبعثت منها رائحة خانقة لا يتحملها إنسان، أرغمت الحاضرين على وضع أيديهم على أنوفهم لتحاشيها قدر الإمكان، فلا يقدرون على الكلام، ثم فجأة إذا بكبير الإطفائيين يهرول نحو السيد هادي، ينبس له بكلام ما ثم يستدير الاثنان بخفة إلى مجموعة من الإطفائيين يحملون على أريكتين صغيرتين ما يقارب عشرة جثث متفحمة بشكل كامل لا تكاد تُميَّزُ ملامحُها، مسرعين بها خارج الحديقة، احتبست الأنفاس واندهش الجميع من بشاعة المنظر، وحدّة الرائحةِ الكريهة تقل شيئا فشيئا كلما اقتربوا بالجثث إلى الباب الخارجي، بينما هرول بعض الحاضرين نحوها لعلهم يجدون قريبا لهم من بينها، غير أن السيد هادي طمأن الجميع وأخبرهم بأن الجثث كلها تعود للخدم الذين كانوا يلبون طلباتهم في الحفل، ولا أحد من الضيوف الأعزاء فُقد، فعلت الابتسامة كل الوجوه مع تنهيدة عميقة، وهم يعتدلون في جلستهم على الأرض، بينما أخذ السيد هادي يردد ويؤكد أكثر من مرة أنه لا أحد من الزملاء فُقد، البعض أصابته حروق طفيفة جدا لا تدعوا أبدا للقلق، وكل شيء سيكون على ما يرام.
دخل أحد الحاضرين في نوبة ضحك هستيرية، وهو يرى زميله ملقى أمامه وقد احترقت كل ثيابه، وبدا وكأنه متسول متشرد على رصيف الشوارع، ساد جو من الدعابة والتسلية وكأنهم سعداء بولادتهم الثانية ونجاتهم من موت محقق، أخذ كل واحد يشير إلى زميله الملاصق له بسبابته ويسخر منه ثم يتقلب على ظهره وبطنه في الأرض من شدة الضحك، وانشغلت النساء بالتهكم على بعضهن البعض، كل واحدة تسخر من زميلتها صاحبة الشعر المتطاير المنكوش والماكياج التالف، والملابس الملطخة بالرماد، ثم لا تتمالك نفسها من شدة الضحك على ما ترى.
ارتسمت أخيرا على وجه السيد هادي ابتسامة واسعة، وهو يهنئ الحاضرين بنجاتهم مشبها النهاية بمعجزة تحققت اليوم على أرض الواقع، الفيلا احترقت بالكامل، واحترقت معها كل النفائس والممتلكات باهظة الثمن، حتى أن أموالا ورقية لا تعد ولا تحصى لم تسلم هي الأخرى من التلف، لكن السيد هادي لم يتأثر، فيبدو أن أشياء أثمن مازالت على قيد الحياة.
وقف أحد المدعوين بصعوبة، وكان يدعى السيد محمود فخر الدين، صاحب مجموعة فنادق سياحية راقية  لها باع كبير في المنطقة، وهو يحاول الكلام، ضحكاته تمنعه من ذلك، إلى أن تمكن من التركيز وضبط نفسه، وبعد انتباه الجميع لما سيدلي به السيد محمود، عرض عليهم مفاجأة من العيار الثقيل، دعاهم لإكمال الحفلة في أحد فنادقه الفخمة المطلة على البحر، شرط أن يبقى الجميع بلباسهم هذا ولا يغيروه، استغربوا من فكرته المجنونة، وأخذ كل واحد ينظر مندهشا إلى الآخر رافعا حاجبيه وكأن الجميع استحب الدعوة، لينفجر المكان بصوت موحد صاخب  :
نعم موافقون.. لنكمل سهرتنا في فندق السيد محمود.. الحفلة لم تنته بعد.. الحفلة لم تنته بعد.


(تمت)

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث